العلامة مبارك الميلي أحيا أمة
نور الدين رزيق

العلامة مبارك الميلي أحيا أمة

بقلم: نور الدين رزيق-

كل أصيل يجد نفسه بين خيارين وطريقتين: إما عابد أو عالم.

العُبّاد في ذاك العصر كثر، وما خلا منهم زمان ولا مكان، ولكن لم يغيروا في أحوال الناس (الاستعمار والأمية والجهل والدجل).

الشيخ مبارك الميلي الشاب [مايو 1889- 1945] اختار طريق العلم والعلماء من أجل التغيير والتحرر من بوتقة الاستعمار، وللعلم أن الشيخ يعد فحلا من فحول علماء الجزائر، وهو أحد أعضاء اللجنة الرباعية للفتوى بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين.
الشيخ مبارك بن محمد الإبراهيمي من صناع المرجعية الفكرية لجمعية العلماء بعد ابن باديس والإبراهيمي، ورجل له باع في أصول الفقه ومقاصده مما سهل عليه الأخذ بالإصلاح السلفي الذي أخذه من فكر الشيخ عبد الحميد بن باديس (فترة الحجاز) فعمل الشيخ على عملية إصلاحية للعقيدة في الجزائر وفق المنهج الأصولي المقاصدي الذي يمتد جذوره في فترة علماء المغرب الإسلامي ابن حزم وابن العربي وابن رشد والشاطبي وهو واضح لمن تمعن في رسالته المشهورة: (الشرك ومظاهره).
وقد فهم جيدا أن المشكلة في عدم تحرر العالم الإسلامي والجزائر بالخصوص هو مشكل العقيدة، حيث قال رحمه الله تعالى: «أفضت أمة خاتم النبيين إلى ما أفضت إليه أمم الأنبياء الأولين فكانوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم».
وقد نبه الميلي إلى أن التصوف كان على السّكة ومحمودا في البداية، لكن تلبس ببدعة الروافض فأفسدوا الدين لمطامع سياسية (ولا زالوا إلى اليوم). يقول رحمه الله تعالى: «فسال لعاب المتبدعين المنبوذين من هذه الثقة التي نعم بها المتصوفون، فاندسوا تحت هذا العنوان لاسيما الرافضة التي كانت لها مطامع سياسية».
والحل عند الشيخ الميلي رحمه الله أن نترك هذه الطرق ونعمل بميزان الشرع ومنهج الأنبياء في الدعوة إلى التوحيد والعقيدة الصحيحة.
ومن فقه الرجل أنه ربط العقيدة بتاريخ الأمة في كتابه (تاريخ الجزائر العام) في قراءة نقض فيها محاولة ربط تاريخ الجزائر بتاريخ فرنسا الاستعمارية.
حيث تصدى للمدرسة الفرنسية الكولونيالية الاستعمارية التي شككت في تاريخ الجزائر وقامت بتزويره.
فألف كتابه (تاريخ الجزائر في القديم والحديث) في فترة التحضيرات لاحتفالات المائة سنة لاحتلال الجزائر، حيث أنجز الجزء الأول منه عام 1928 عندما كان يقيم بمدينة الأغواط.
قال عنه العلامة عبد الحميد بن باديس رحمه الله تعالى:» أخي مبارك، من أحيا نفسا واحدة فكأنما أحيا الناس جميعا، فكيف بمن أحيا أمة كاملة؟ أحيا ماضيها وحاضرها». وقال العلامة عبد الحميد بن باديس: «وقفت على الجزء الأول من كتابك: تاريخ الجزائر في القديم والحديث فقلت: لو سميته: حياة الجزائر».
أما شهادة غير الجزائريين فمنها ما قاله أمير البيان شكيب أرسلان رحمه الله تعالى بعدما اطّلع على كتاب الشيخ الميلي: تاريخ الجزائر، قال في رسالة وجهها إلى الشيخ الطيب العقبي: «أما تاريخ الجزائر للشيخ مبارك الميلي فوالله ما كنت أظن في الجزائر من يفري هذا الفري، ولقد أعجبت به كثيرا».
إن الشيخ مبارك الميلي، يبدو الشخصية الأكثر احتشاما وتواضعا في المجموعة الإصلاحية الجزائرية، لكنه كان أكثرهم عمقا وفعالية وامتاز أيضا بأنه المبشر الأساسي بالإصلاح الديني في الجنوب فنجح في تقديم الإصلاح الديني، في صورة مذهب مسالم.
رحم الله الشيخ مبارك الميلي وجعل ما قدمه مصباحا لهذه الأمة وزادا له يوم القدوم عليه.

لا تعليقات

اترك تعليق

آخر التغريدات:

    Message: Invalid or expired token., Please check your Twitter Authentication Data or internet connection.
%d مدونون معجبون بهذه: