عبد الحميد بن باديس والأخذ بسنة التدرج؛ الوسائل والآليات

بقلم: د. علي الصلابي-

لقد أخذ ابن باديس سنة الأخذ بالأسباب، وخطط مع إخوانه ونظم الصفوف ووضع الأهداف وحدَّد المراحل والخطوات للوصول إليها، وأدرك طبيعة كل مرحلة وخصوصيتها، بحيث لا يعمد إلى تجاوز المراحل أو حرقها فيقع في داء الاستعجال المدمر، فيتعجل النتائج قبل أوانها فيعاقب بحرمانها. واستخدم وسائل عصره التي ضمنت الذيوع والانتشار لأفكاره في أوساط الجماهير، وبواسطتها استمرت عملية الإقناع والشحن، حتى انتقل بالجماهير من مرحلة الاستقطاب إلى مرحلة الاستيعاب التام، فطوّر دور كل من:

1.المساجد:

كان شديد الإيمان بدور رسالة المسجد التعليمية والتكوينية، فقال رحمه الله مؤسساً للدروس العلمية للمسجد: المسجد والتعليم صنوان في الإسلام من يوم ظهر الإسلام فما بنى النبي (ص) يوم استقر في دار الإسلام بيته حتى بنى المسجد، ولما بنى المسجد كان يقيم الصلاة فيه ويجلس لتعليم أصحابه، فارتبط المسجد بالتعليم كارتباطه بالصلاة، فكما أنه لا مسجد بدون صلاة، فكذلك لا مسجد بدون تعليم.

وكان مُلحَّاً في الدعوة إلى بث التعليم المسجدي فقال: ثم لا بد مع هذا من حث كل شعبة من شعب الجمعية على ترسيم مدرس للتعليم في مساجدهم إن كان لهم مسجد، ثم تسعى الجمعية لدى الحكومة لترسم في كل مسجد من المساجد التي تنظرها مدرساً فقيهاً في الدين، ليعلم الناس ما يحتاجون إليه من أمر دينهم، فكلية تخرج المعلمين الدينيين، ومعلمون في المساجد التي تنظرها الحكومة والتي تنظرها الجماعات، تلك هي الحالة التي يجب أن تكون عليها الأمة الجزائرية المسلمة لتبقى مسلمة.

واستطاع ابن باديس من خلال جمعية العلماء أن ينظم الجماهير وأن ترتبط بالمساجد، التي قامت بدورها التعليمي والتربوي والاجتماعي والسياسي، وساهمت في تحقيق الهدف الكبير في القضاء على الاستعمار، فالإدارة والتخطيط والتنظيم والقيادة كانت حاضرة بقوة في المؤسسات المسجدية.

2ـ المدارس الحرة:

اعتنى ابن باديس بالمدارس الحرَّة، فحث الشعب وشجعه على التنافس في بنائها، لأنها مصدر الحياة الأبية الكريمة، فقد قال: إن الحياة تبعث من المدارس، فيجب أن تكون المدارس أول ما نهتم به ونسعى لتحقيقه، وكل من يعارض في تأسيسها فقد عارض في حياة الأمة ونهضتها.

فكانت المدارس الحرَّة التي ساهم ابن باديس مع شعبه في تأسيسها من وسائل الصراع مع الاستعمار، لأنه من خلال التعليم ينتشر الوعي الوطني، كما أن المناهج التي وضعها ابن باديس تخدم مشروع الشعب الجزائري في التخلص من الاستعمار ومساعدة الشعب في تحقيق اماله وطموحاته.

ولقد أدرك الاستعمار ودهاقنته خطورة ما تقوم به المدارس الحرة من دور خطير، فهذا أحدهم يقول: إن العلماء كانوا يمثلون أكبر الخطر على الفكرة الفرنسية في الجزائر، فشعب مدارسهم عبارة عن خلايا سياسية، والإسلام الذي يمارسونه مدرسة حقيقية للوطنية().

3ـ الصحافة المجلات والجرائد:

فقد استخدمها ابن باديس في الإصلاح الديني وحرب البدع والضلالات، وأدَّت (المنتقد) دوراً كبيراً في إيقاظ الوعي الوطني والإصلاح الاجتماعي والديني والقضاء على الجمود الفكري ومحاربة الخرافات، فقد كانت

المجلات والجرائد التي أنشأها العلاَّمة ابن باديس، قد ساهمت في تحولات في تاريخ الحركة الفكرية والأدبية في الجزائر، وكانت مجلات وجرائد ابن باديس وجمعية العلماء تشتهر بسلاسة الأسلوب ومتانة اللغة وعمق الأفكار، فقد استطاع ابن باديس أن يضم إليه خيرة الأقلام.

وقد وصف الشيخ العربي التبسي جريدة الشهاب فقال:

وجريدة الشهاب مدرسة شعبية عصرية على أحدث نظام وأشهر أسلوب، فيها تلتقي الديانة الإسلامية بالمدنية الصحيحة العصرية، لا تفتأ تهدي إلى قرائها من مختلف العلوم وضروب المعارف ما تقر به العين وتحسد عليه الجزائر، وجريدة الشهاب شعبة من شعب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اللذين هما ملاك صلاح الدين.

4ـ النوادي:

لم يغفل الشيخ ابن باديس النوادي، وتواصل مع جمهورها، والنادي عبارة عن قاعة للاحتفالات، وقاعة للصلاة، ومحل لبيع المشروبات الحلال، يلتقي فيه الناس، ويتبادلون الأفكار ويطرحون قضاياهم وانشغالاتهم، وكانت تبرمج فيه المحاضرات واللقاءات في حوارات مفتوحة مع بعض رجال الفكر والسياسة، وقد كان لهذه النوادي دور هام في ترقية الوعي الديني والسياسي بما كانت تقدمه من نشاطات ثقافية وفنية:

المحاضرات الاجتماعات للطلبة والشبيبة، التمثيليات والمسرحيات بمناسبة الأعياد الدينية الإسلامية.

كما قامت بدور مدعّم للمدارس الحرة من خلال الإعانات التي كانت تقدمها لها من الأرباح التي كانت تكسبها من بيعها للمشروبات الحلال، وهذا ما يفسر تبرم الاستعمار من هذه النوادي، فأصدر مرسوماً بتاريخ 13 جانفي 1938م حظر فيه بيع المشروبات الحلال في هاته النوادي، بل وسعى جاهداً من

أجل إغلاقها، والحيلولة دون أن يستفيد الناس مما كانت توفره من تهذيب وتثقيف، وتوعية… فقال: فصدر قانون النوادي الذي يرمي إلى إخلائها وحرمان الكبار من التهذيب في نواديهم بعد ما حرموا منه في مساجدهم.

5ـ الرحلات:

ومن جملة ما عوّل عليه الشيخ عبد الحميد بن باديس للتواصل مع فئات عريضة من الشعب، القيام برحلات عديدة إلى أنحاء القطر الجزائري.

وكان في كل رحلة يحرص على إلقاء درس عام في الوعظ والإرشاد في مسجد المدينة التي يحل بها، ويشرح فيه مبادئ دعوته ويبسطها ويستدل لها من الكتاب والسنة، كما يدفع عنها الشبهات التي يثيرها خصومه عن دعوته حتى يحولوا بينها وبين عموم الشعب. كما كان يحرص على زيارة رجال العلم والفكر وشيوخ الزوايا، ويجتهد معهم على تقريب الشقة وإزالة أسباب الخلاف ما أمكن، والتعاون فيما هو محل اتفاق بين الجميع وهكذا.

ولقد أخبر ابن باديس عن محتوى مجالسه هذه بالقول: ما كنت أدعوهم في جميع مجالسي إلا لتوحيد الله والتفقه في الدين، والرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ورفع الأمية والجدّ في أسباب الحياة من فلاحة وتجارة وصناعة، وإلى اعتبار الأخوة الإسلامية فوق كل مذهب وطريقة وجنس وبلد، وإلى حسن المعاملة والبعد عن الظلم والخيانة مع المسلم وغير المسلم.

ومن السنن المهمة التي تعامل معها عبد الحميد بن باديس: سنة المرحلية والتدرج، ذلك أن المشروع الذي نذر له الشيخ حياته هو تحطيم المشروع الاستعماري الفرنسي في الجزائر، وهذا المشروع ضخم يتطلب جهوداً دؤوبة متواصلة، تكون بمثابة حلقات متسلسلة، تمثل كل حلقة مرحلة معينة، وهذه المراحل يجب أن تكون مشدودة إلى بعضها البعض، بحيث تكون المرحلة السابقة ممهدة للاَّحقة، واللاحقة مكملة للسابقة.

يقول الدكتور محمود قاسم في كتابه الإمام عبد الحميد بن باديس الزعيم الروحي لحرب التحرير، ولقد وضع ابن باديس خطته علىأساس مبتكر، يتلخص في أن يحاصر فرنسا في رفق وعزم صارم في الوقت الذي تظن هي فيه أنها تحاصر الجزائر، ولم تفطن فرنسا إلى مهارة هذه الخطة إلا بعد فوات الأوان، فوجدت نفسها محاصرة بعد أن نحَّى ابن باديس أعوانها طائفة بعد أخرى.

إذا كانت المرحلة الأولى مرحلة تقويض الأسس ونقض الأركان التي كان يرتكز عليها الاستعمار، لتجسيد مشاريعه وتحقيق أهدافه، وفي مقدمة هذه الأسس الطرقية التي كانت تخدر عقول الجماهير وتميت نفوسهم، بما تشيعه في أوساطهم من بدع وأضاليل، فكان من المنطقي أن يتوجه التفكير إلى وجوب البدء بمحاربة هذا الاستعمار الروحاني ؛ لأن إدراك المرحلة ومتطلباتها، ومن أين يكون البدء، ولماذا؟ من أهم الأسئلة التي يجلب على المصلح الحصيف أن يجيب عنها.

وكان ابن باديس يعطي كل مرحلة حقها ولا يتطلب منها فوق طاقتها، إيماناً منه بأنه من السنن الكونية النافذة سنة المرحلية والتدرج، وإن العمل الجماعي كان هاجساً بالنسبة إليه، ومع ذلك لم يسارع إلى تأسيس جمعية العلماء حتى وفرَّ لها كل أسباب النجاح وعدم الانتكاس، من جيوش جرَّارة من تلاميذه الذين كان يخرِّج منهم سنوياً المئات مُسلحين بالعلم الصحيح، والخلق القويم، ويجيوش جرَّارة من الجمهور على استعداد للدفاع عن الجمعية والتضحية عن مبادئها، بما كان يبث فيهم من وعي في دروس الوعظ في المساجد والمحاضرات في النوادي والمقالات في الصحف، وعودة كثير من طلاب العلم الذين توجهوا إلى المشرق العربي لمزيد من التحصيل العلمي والتكوين المعرفي. ولمَّا توفرت دواعي التأسيس وتحققت أسبابه كاملة تأسست جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فهل غيّر ابن باديس خطته في العمل؟.

كلا لقد ظل الشيخ ابن باديس مؤمناً بالمرحلية والتدرج، لأنها سنة كونية لا تتخلف، وفريضة شرعية مأمور بها، فها هو الشيخ يحدثنا في خطاب له بعد خمس سنوات من تأسيس الجمعية وعملها في الميدان ؛ يُفصِح عن هذا الفكر الواعي الذي يقرئها فيقول: فالجمعية قد جرت على سنة الله في تطور الكائنات، وكان من أطوارها طور للتمهيد، وطور لإزالة الأنقاض، وهي الان في طورها الثالث، وهو طور البناء والتشييد، ولكل طور حُكمه وحكمته وظروفه وأسبابه ومقتضياته، كما كان لجرائدها السابقة (السنة) فـ (الشريعة) و(الصراط) حظ من هذا التطور، فقد كانت أسماء جرائدها رموزاً لأطوارها.. إن حركة الإصلاح قد فرغ من وسائلها وإعداد أذهان العامة والخاصة لقبولها، ولم يبق إلا الاستقلال بالمقاصد العملية وأهمها بيان الحقائق العلمية والدينية بالدروس والمحاضرات والكتابة.

وإدراكاً من الشيخ ابن باديس، أنه لكل مرحلة من المراحل خصوصيتها أو تحديداتها التي قد تصل إلى حد شل النشاط الحركي بالمرَّة، فإنه رفع شعاراً عظيماً وهو: تستطيع الظروف تكييفنا، ولا تستطيع ـ بإذن الله ـ إتلافنا.

وإن العمل المنجز مهما كان كبيراً، ومؤثراً ومنتجاً، فلا بد من التفكير الجاد في الخطوات الموالية، والمراحل اللاحقة، فها هو الشيخ يرفع صوته عالياً، مخاطباً الجموع الحاشدة التي جاءت من كل صوب وحدب للاستماع إلى النتائج التي عاد بها الوفد من الدوائر الفرنسية: أيها الجزائري التاريخي القديم، المسلم الصميم، كلمته من كلمة الله، وإرادته من إرادة الله، وقوته من قوة الله، أو لست منذ أشهر كونت مؤتمراً كما ينبغي أن يكون جلالاً وروعة، وكونت هذا الوفد الكريم فحمَّلته مطالبك، فاضطلع بها وأدى الأمانة.. وفداً متحداً متعاوناً متسانداً زار الوزارات والأحزاب وأرباب الصحف فعرفك إليها ورفع صوتك؟

ويؤكد الشيخ أحمد سحنون: أنه لولا جمعية العلماء لما كانت الثورة، فهي التي كانت تشكل المرحلة الإعدادية للثورة، حزب الشعب مثلاً كان يبحث عن الغاية فقط دون السؤال عن الوسيلة، في حين أن الجمعية كانت تتخذ من الوسيلة، مطية للوصول إلى الهدف.

إن ابن باديس يعتبر بحق محيي شعب، وباعث حضارة إلى الوجود، ومعلم أجيال وحامي حمى الدين واللغة والوطن في أرض الجزائر كما يعد القائد الحقيقي والأب الروحي لتلك الثورة المجيدة ثورة تشرين الثاني 1954 الخالدة.

كما أن سنة التدرج ظهرت في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة السرية والجهرية وفي الانتقال إلى المدينة وبناء الدولة، فقد تقابل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع طلائع الأنصار الأولى ولم يفعل سوى ترغيبهم في الإسلام، وتلاوة القرآن عليهم، فلمَّا جاؤوا في العام التالي، بايعهم بيعة النِّساء على العبادات، والأخلاق، والفضائل، فلمَّا جاؤوا في العام التالي، كانت بيعة العقبة الثانية على الجهاد والنّصرة والإيواء.

وجدير بالملاحظة: أن بيعة الحرب لم تتمَّ إلا بعد عامين كاملين، أي بعد تأهيل، وإعداد استمرَّ عامين كاملين، وهكذا تمَّ الأمر على تدرُّج ينسجم مع المنهج التربوي الذي نهجت عليه الدعوة من أوَّل يوم.


 

مراجع المقال:

1- علي محمّد الصّلابيّ، كفاح الشعب الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي وسيرة الزعيم عبد الحميد بن باديس، ج (2)، دار ابن كثير، دمشق، بيروت، ط 1، 2016م، ص (405-414).

2- محمد الدراجي، الشيخ عبد الحميد السلفية والتجديد، دار الهدى للطباعة، الجزائر, 2012، ص 119- 120.

3- أحمد طالب الإبراهيمي، آثار الإبراهيمي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، 1997، (الجزء5 / 283).

4- محمود قاسم، الإمام عبد الحميد بن باديس: الزعيم الروحي لحرب التحرير الجزائرية، دار المعارف، مصر، الطبعة الأولى، 1968، ص15.

5- مجلة الشهاب، عدد فيفري/ شباط سنة  1929.

لا تعليقات

اترك تعليق

آخر التغريدات:

    Message: Sorry, that page does not exist., Please check your Twitter Authentication Data or internet connection.