الفقه السنني في خطبة الإمام البشير الإبراهيمي بمسجد “كتشاوى” بعد الاستقلال

بقلم: د. الطيب برغـوث-

شرعت منذ مدة في كتابة خاطرة مهمة، بمناسبة الذكرى الثامنة والخمسين لعيد الاستقلال، بعنوان (الثورة العظيمة التي خذلها غياب القدرة)، لاعتقادي بأن المعضلة الكبرى في المآلات الخائبة لثورتنا العظيمة المظفرة، تكمن في غياب القدوة الرسالية المتوازنة، التي تعطي المثال النموذجي للمجتمع في الوعي والكفاءة والإخلاص والأمانة والنظافة، والحرقة على نهضة المجتمع ومصالحه العليا، والذكاء الروحي والأخلاقي المتقد.. وهو ما أدى بسرعة إلى اهتزاز الثقة في نخبة المجتمع السياسية والثقافية والاجتماعية، وتعمقت الهوة مع مرور الوقت بين النخبة والمجتمع، وانقطعت حبال الوصل العاطفي والاجتماعي بينهما تماما، وتحولت إلى حالة فكرية ونفسية وثقافية واجتماعية مرضية عميقة وراسخة، تعبر عنها مؤشرات مستفيضة جدا، بلغت ذروتها في الهبة الوطنية العظيمة التي انطلقت في 22 فبراير 2020، وما تزال تداعياتها على أشدها، والتي نأمل أن تؤتي ثمارها كاملة غير منقوصة، وتحدث النقلة النوعية االعميقة الشاملة في إدارة المجتمع والدولة.

الفقه السنني في خطبة الإمام البشير الإبراهيمي بعيد الاستقلال:

ولما رأيت بأن هذه الخاطرة قد طالت قليلا، قررت تأجيل نشرها الآن، وعدت إلى خطبة جليلة للإمام البشير الإبراهيمي رحمه الله تعالى، ألقاها في أول خطبة جمعة بمسجد كتشاوة بعد أن تمت إعادته إلى وضعه الطبيعي من كنيسة إلى مسجد، وكنت قد وضعت لها عناوين فرعية عديدة، لتسهيل قراءتها، واستيعاب محتوياتها العميقة، وعبرها الجليلة، وقررت نشرها تحية للذكرى 58 من استقلال بلادنا، خاصة وأن هذه المناسبة تزامت مع استرجاع رفاة بعض قادة المقاومة الوطنية للوجود الاستعماري البغيض في بلادنا.

وقبل أن أترككم مع قراءة هذه الخطبة الجليلة، أود أن أهيب بأساتذتنا وطلبتنا الجامعيين أن يدرسوا الفقه السنني عند الإمام البشير الإبراهيمي، وأن يخصصوا لذلك عدة رسائل ماجستير ودكتوراه، فإن هذا البعد في تراث هذا الرجل وغيره، من أجدر وأنفع الأبعاد بالدراسة وبذل الوقت والجهد فيها.

إن إنتاج ونشر المعرفة والثقافة السننية، والتمكين لها في نفوس الأجيال وحياتهم، هو ما تحتاجه نهضة المجتمع والأمة. فالمعرفة والثقافة السننية تقع في عمق وصميم العلم والمعرفة، فهي متن وغيرها من المعارف هوامش وحواشي عليها، وتطبيقات لها. ومع الأسف فإن الكثير من الجهود والأوقات والإمكانات والاهتمامات والأولويات.. تبذل في التمكين لهذه الهوامش والحواشي على حساب متونها السننية المبثوثة في ساحات أو منظومات سننن الله تعالى في الآفاق والأنفس والهداية والتأييد.

ملامح من الفقه السنني في خطبة الإمام البشير الإبراهمي

ضرورة الاستحضار المستمر لقاعدة الحمد والشكر لله تعالى ومقتضياتها في الحياة:

الحمد لله ثم الحمد لله، تعالت أسماؤه وتمت كلماته صدقا وعدلا، لا مبدل لكلماته، جعل النصر يتنـزل من عنده على من يشاء من عباده؛ حيث يبتليهم فيعلم المصلح من المفسد، ويعلم صدق يقينهم، وإخلاص نياتهم، وصفاء سرائهم، وطهارة ضمائرهم.

ضرورة الاستحضار المستمر لسنن الله في خلقه:

سبحانه تعالى جعل السيف فرقانا بين الحق والباطل، وأنتج من المتضادات أضدادها، فأخرج القوة من الضعف، وولد الحرية من العبودية، وجعل الموت طريقا إلى الحياة، وما أعذب إذا كان للحياة طريقا، وبايعه عباده المؤمنون الصادقون على الموت، فباءوا بالصفقة الرابحة، واشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا.

ضرورة الاستحضار المستمر لسنن الله في النصر والهزيمة:

سجانه تعالى جده، تجلى على بعض عباده بالغضب والسخط فأحال مساجد التوحيد بين أيديهم إلى كنائس للتثليث، وتجلى برحمته ورضاه على آخرين فأحال فيهم كنائس التثليث إلى مساجد للتوحيد، وما ظلم الأولين ولا حابى الآخرين، ولكنها سنته في الكون وآياته في الآفاق يتبعها قوم فيفلحون، ويعرض عنها قوم فيخسرون.

ضرورة الاستحضار المستمر لعظمة التوحيد وتجلياته في الحياة:

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعزّ جنده، وهزم الأحزاب وحده.

ضرورة استحضار سيرة القدوة العليا للبشر عليه الصلاة والسلام وعلاقة نخبة المجتمع بها:

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، شرع الجهاد في سبيل الله، وقاتل لإعلاء كلمة الله حتى استقام دين الحق في نصابه، وأدبر الباطل على كثرة أنصاره وأحزابه، وجعل نصر الفئة القليلة على الفئة الكثيرة منوطا بالإيمان والصبر، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وكل متبع لهداه، داع بدعوته إلى يوم الدين.

ضرورة الاستحضار المستمر لتضحيات الشهداء وواجبات الأجيال تجاهها:

ونستنزل من رحمات الله الصيِّبة، وصلواته الزاكية الطيبة لشهدائنا الأبرار، ما يكون كفاء لبطولتهم في الدفاع عن شرف الحياة وحرمات الدين، وعزة الإسلام، وكرامة الإنسان وحقوق الوطن.

ضرورة الاستحضار المستمر لتضحيات المجاهدين والمبتلين وواجبات المجتمع والدولة تجاههم:

وأستمد من الله اللطف والإعانة لبقايا الموت وآثار الفناء، ممن ابتلوا في هذه الثورة المباركة بالتعذيب في أبدانهم، والتخريب لديارهم، والتحيف لأموالهم.

ضرورة الاستحضار المستمر لأخلاق وقيم وشروط تحمل مسئوليات إدارة المجتمع والدولة:

أسأله تعالى للقائمين بشؤون هذه الأمة ألفة تجمع الشمل، ووحدة تبعث القوة، ورحمة تضمد الجراح، وتعاونا يثمر المنفعة، وإخلاصا يهون العسير، وتوفيقا ينير السبيل، وتسديدا يقوِّم الرأي ويثبت الأقدام، وحكمة مستمدة من تعاليم الإسلام وروحانية الشرق وأمجاد العرب، وعزيمة تقطع دابر الاستعمار من النفوس، بعد أن قطعت دابره من الأرض.

ضرورة الاستحضار المستمر لعواقب الفتن وسوء إدارة المجتمعات والدول:

ونعوذ بالله ونبرأ إليه من كل داع يدعو إلى الفرقة والخلاف، وكل ساع يسعى إلى التفريق والتمزيق، وكل ناعق ينعق بالفتنة والفساد.

ضرورة الاستحضار المستمر لعظمة هذه الدرة من أرض الإسلام والواجبات الجسام تجاهها:

ونحيي بالعمار والثمار والغيث المدرار، هذه القطعة الغالية من أرض الإسلام التي نسميها الجزائر، والتي فيها نبتنا، وعلى حبها ثبتنا، ومن نباتها غذينا، وفي سبيلها أوذينا.

حييك يا مغنى الكمال بواجب .... وأنفق في أوصافك الغرِّ أوقاتي

ضرورة الاستحضار المستمر لعظمة الإنجاز التاريخي لثورة نوفمبر العملاقة والواجبات الجسام تجاهها:

يا اتباع محمد عليه السلام، هذا هو اليوم الأزهر الأنور، وهذا هو اليوم الأغر المحجل، وهذا هو اليوم المشهود في تاريخكم الإسلامي بهذا الشمال، وهذا اليوم هو الغرة اللائحة في وجه ثورتكم المباركة، وهذا هو التاج المتألق في مفرقها، والصحيفة المذهبة الحواشي والطرز من كتابها.

ضرورة الاستحضار المستمر لمحورية الدين في المدافعات الحضارية بين الأمم:

وهذا المسجد هو حصة الإسلام من مغانم جهادكم، بل هو وديعة التاريخ في ذممكم، أضعتموها بالأمس مقهورين غير معذورين، واسترجعتموها اليوم مشكورين غير مكفورين، وهذه بضاعتكم ردت إليكم، أخذها الاستعمار منكم استلابا، وأخذتموها منه غلابا، بل هذا بيت التوحيد عاد إلى التوحيد، وعاد التوحيد إليه فالتقيتم جميعا على قدر.

ضرورة الاستحضار المستمر لروحية الانتصار التاريخي على المشروع الاستعماري وواجبات المجتمع تجاهها:

إن هذه المواكب الحاشدة بكم من رجال ونساء يغمرها الفرح، ويطفح على وجوهها البِشر لتجسيمٌ لذلك المعنى الجليل، وتعبيرٌ فصيح عنه، وهو أنّ المسجد عاد للساجدين الرُكع من أمة محمد، وأن كلمة لا إله إلا الله عادت لمستقرها منه كأن معناها دام مستقرا في نفوس المؤمنين، فالإيمان الذي تترجم عنه كلمة لا إله إلا الله، هو الذي أعاد المسجد إلى أهله، وهو الذي أتى بالعجائب وخوارق العادات في هذه الثورة.

ضرورة الاستحضار المستمر لأهمية النَّصب والمكابدة في لذة الانتصارات التاريخية الحاسمة:

وأما والله لو أن الاستعمار الغاشم أعاده إليكم عفوا من غير تعب، وفيئة منه إلى الحق من دون نصَب، لما كان لهذا اليوم ما تشهدونه من الروعة والجلال.

ضرورة الاستحضار المستمر لعظمة النقلة التي أحدثها الاستقلال في حياة المجتمع والواجبات المترتب عن ذلك:

يا معشر الجزائريين: إذا عدت الأيام ذوات السمات والغرر والشيمات في تاريخ الجزائر، فسيكون هذا اليوم أوضحها سمة، وأطولها غرة، وأثبتها تمجيدا، فاعجبوا لتصاريف الأقدار، فلقد كنا نمر على هذه الساحة مطرقين، ونشهد هذا المشهد المحزن منطوين على مضض يصهر الجوانح ويسيل العبرات، كأنّ الأرض تلعننا بما فرطنا في جنب ديننا، وبما أضعنا بما كسبت أيدينا من ميراث أسلافنا، فلا نملك إلا الحوقلة والاسترجاع، ثم نرجع إلى مطالبات قولية هي كل ما نملك في ذلك الوقت، ولكنها نبهت الأذهان، وسجلت الاغتصاب، وبذرت بذور الثورة في النفوس، حتى تكلمت البنادق.

ضرورة الاستحضار المستمر لجريمة استغلال الدين في تسويغ الظلم وتبرئة الظلمة:

أيها المؤمنون: قد يبغي الوحش على الوحش فلا يكون غريبا، لأن البغي مما ركب في غرائزه، وقد يبغي الإنسان على الإنسان فلا يكون ذلك عجيبا، لأن في الإنسان عرقا نزاعا إلى الحيوانية، وشيطانا نزاغا بالظلم، وطبعا من الجبلة الأولى ميالا إلى الشر، ولكن العجيب الغريب معا، والمؤلم المحزن معا، أن يبغي دين عيسى روح الله وكلمته على دين محمد الذي بشر به عيسى روح الله وكلمته.

ضرورة الاستحضار المستمر للوظيفة الرسالية المتميزة للمسجد وتمكينه من شروط أداء رسالته في المجتمع:

يا معشر المؤمنين: إنكم لم تسترجعوا من هذا المسجد سقوفه وأبوابه وحيطانه، ولا فرحتم باسترجاعه فرحة الصبيان ساعة ثم تنقضي، ولكنكم استرجعتم معانيه التي كان يدل عليها المسجد في الإسلام ووظائفه التي كان يؤديها؛ من إقامة شعائر الصلوات، والجمع والتلاوة، ودروس العلم النافعة على اختلاف أنواعها، من دينية ودنيوية، فإنّ المسجد كان يؤدي وظيفة المعهد والمدرسة والجامعة.
أيها المسلمون: إنّ الله ذمّ قوما: ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَر َفِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ )(البقرة: 114) ، ومدح قوما: ( إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ)( التوبة: 18 ).

ضرورة الاستحضار المستمر لشروط تعميق الاستقلال الوطني وحمايته:

يا معشر الجزائريين: إن الاستعمار كالشيطان الذي قال فيه نبينا صلى الله عليه وسلم: ( إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه، ولكنه رضي أن يطاع فيما دون ذلك )، فهو قد خرج من أرضكم، ولكنه لم يخرج من مصالح أرضكم، ولم يخرج من ألسنتكم، ولم يخرج من قلوب بعضكم، فلا تعاملوه إلا فيما اضطررتم إليه، وما أبيح للضرورة يقدر بقدرها.

ضرورة الاستحضار المستمر للمقصد الاجتماعي العميق في ثورة نوفمبر العظيمة:

يا معشر الجزائريين: إنّ الثورة قد تركت في جسم أمتكم ندوبا لا تندمل إلا بعد عشرات السنين، وتركت عشرات الآلاف من اليتامى والأيامى والمشوهين الذين فقدوا العائل والكافل وآلة العمل، فاشملوهم بالرعاية حتى ينسى اليتيم مرارة اليتم، وتنسى الأيم حرارة الثكل، وينسى المشوه أنّه عالة عليكم، وامسحوا على أحزانهم بيد العطف والحنان فإنّهم أبناؤكم وإخوانكم وعشيرتكم.

ضرورة الاستحضار المستمر للسمعة العالمية الباهرة للثوة الجزائرية الكبرى والحذر الشديد من الإساءة إليها:

يا إخواني: إنكم خارجون من ثورة التهمت الأخضر واليابس، وإنكم اشتريتم حريتكم بالثمن الغالي، وقدمتم في سبيلها من الضحايا ما لم يقدمه شعب من شعوب الأرض قديما ولا حديثا، وحزتم من إعجاب العالم بكم ما لم يحزه شعب ثائر، فاحذروا أن يركبكم الغرور ويستزلكم الشيطان، فتشوهوا بسوء تدبيركم محاسن هذه الثورة، أو تقضوا على هذه السمعة العاطرة.

ضرورة الاستحضار المستمر لأهمية التلاحم بين المجتمع والدولة ومتطلبات ذلك:

إنّ حكومتكم الفتية منكم، تلقت تركة مثقلة بالتكاليف والتبعات في وقت ضيق لم يجاوز أسابيع، فأعينوها بقوّة، وانصحوها في ما يجب النصح فيه بالتي هي أحسن، ولا تقطعوا أوقاتكم في السفاسف والصغائر، وانصرفوا بجميع قواكم إلى الإصلاح والتجديد، والبناء والتشييد، ولا تجعلوا للشيطان بينكم وبينها منفذا يدخل منه، ولا لحظوظ النفس بينكم مدخلا.

ضرورة الاستحضار المستمر لأولوية الإعلاء من شأن الوطن وتعزيز مكانته في محيطه وفي العالم:

وفقكم الله جميعا، وأجرى الخير على أيديكم جميعا، وجمع أيديكم على خدمة الوطن، وقلوبكم على المحبة لأبناء الوطن، وجعلكم متعاونين على البر والتقوى غير متعاونين على الإثم والعدوان.

ضرورة الاستحضار المستمر لشروط الوعد الإلهي بالتمكين في الأرض والجد في الوفاء بها:

( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ )( النور: 55 ).

ضرورة الاستحضار المستمر للاستغفار والتوبة النصوح في حياة قادة المجتمع وعامة أفراده:

أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم وهو الغفور الرحيم.

لا تعليقات

اترك تعليق

آخر التغريدات: