صورة الأمير في كتابات الإمام البشير

بقلم: د. عبد الحفيظ بورديم-

إنّ الأمير والبشير حازا صفاء النسب وعلوّ الحسب فكلاهما قائد فكرة وبعيد النظرة، آمنا بالجزائر دولة وبالإسلام عقيدة، فبذلا شبابهما لتمكين الجزائري من حقه في حياة الأبرار وأنفقا شيخوختهما في مدافعة مكائد الاستعمار، وكان البذل منهما سمحا بلا تردد حتى أتاهما اليقين.

وإن يكن الأمير قد سبق بالوجود فكان كمن يرسم معالم الطريق لمن يأتي بعده، ركب الخيل سبعة عشر عاما كانت أشلاء، وضرّج جنرالات فرنسا دماء، وألحق الهزائم بالجيوش الجرارة في العمران والبيداء، فإنّ البشير عرف قدر سلفه واستفاد من درسه فعلم مواطن قوته وثغرات ضعفه، فكان لا يفتأ يثني عليه ويحدّث بفضله.

ومن الشهادات الموثقة أنّ الفيلسوف روجيه غارودي، وقد أذهلته شهامة الجندي المسلم الذي أبى أن يطلق عليه رصاصة الإعدام امتثالا لروح الإسلام، أدهشته صورة للفارس الأمير في مكتب الإمام البشير.
وحق للدارس أن يسأل ما سرّ تلك الصورة في مكتب رئيس جمعية العلماء، فإنها إن لم تكن اعترافا للأمير بالسبق ووعدا على الوفاء بالعهد، فماذا تكون؟

ومن يقرأ كتابات البشير فإنه سيجده يرسم صورة مثالية للأمير في بطولته وشجاعته ويعلي قدر دولته وحكمته، ثمّ يعتذر لهزيمته ويفضح من كان سببا من أسبابها.

وهو حين يفعل ذلك فهو يعلي راية المجد وصانعه، ويغيض الذي ران المرض على قلبه وسمعه وبصره.

1/ بطولة الأمير

يذكر البشير شراسة الاستعمار الفرنسي وقبحه ويؤكد فظاعة جرائمه التي أحرقت كل أخضر وأبادت كلّ عامر بالحياة تبتغي نشر الخوف في النفوس وإذلال كلّ ذي كرامة، ورأى البشير لو أنّ الجزائر ثارت فأهلكت كل عمران في سبيل التحرر من فرنسا لما "كانت ملومة ولا موسومة بالوحشية"
هذه المعاني النفسية التي ألهبت صدر الإمام هي ذاتها التي جعلته يثني على الأمير فينزله منزلة عالية يستحقها فيقول عنه "الأمير البطل عبد القادر بن محي الدين المختاري" وذلك لأنه قضى سبعة عشر عاما في ثورة مسلحة كما يقول.

ووصف الأمير بالبطل ليست عفوا أو كلاما مرسلا، فالبشير إمام في البيان العربي، ويعرف أنّ النعت إذا توسط بين البدل والمبدل منه صار لازما في ثبوته، فالأمير بطل، وعبد القادر بطل، ولو أنه أخر النعت فقال " الأمير عبد القادر البطل" لنزلت الدلالة عن لزومها.

إنّ الإمام البشير لم يكن يرى الأمير إلاّ بطلا، وكيف لا يكون وهو الذي تولّى إمارة الجهاد شابا يافعا، ولم يكن قد أَعِدّ لها من قبل، فأحسن التنظيم والترتيب والمسايفة؟

ولن تستقيم بطولة الفرد ما لم يحسن كيف يملأ الكون بزئير الأسود من أمته، والأمير لم يكن بطلا يقاتل وحده بل كان قائدا يحسن توجيه الأبطال معه، وقد فطن البشير إلى هذا فقال: "تجلى الجزائري عن بطولة كاملة يرفدها الروح المركب بيد الإسلام من حقيقة العربي والبربري التي أصبحت بفضله حقيقة واحدة"

وفي هذا ينقل البشير البطولة من الفرد إلى الجزائري، وهو مقدام بطبعه عزيز بفطرته ولكنه مثل غيره يقتفي أثر قائده، فلما تجلت القيادة في الأمير تجلت في الجزائري ضرورة لازمة، ومن آياتها امتزاج العرى بين أبناء الأمة كلهم فصار الجزائري مسلما وكفى لا يتزين إلا بقيمه وشعاره، وبفضله سقطت كل دعوى نتنة من دعاوى العرقية البليدة، لقد توحّد العربي والبربري في ظل راية الإسلام التي أعلاها الأمير.

فما أحوجنا اليوم إلى قيادة كقيادة الأمير وبصيرة كبصيرة البشير.

2/ دولة الأمير

يعترف البشير أنّ الجزائريين صنعوا أكبر مقاومة في التاريخ الإنساني بلغ مداها أربعون سنة، قاد الأمير سبعة عشر منها عرفت حتى لا تحتاج إلى برهان وشهد بها قادة فرنسا قبل غيرهم، وما كان لها أن تطول لو أنّ الجزائريين لم يجدوا من الترك ضغثا ومن الجار نكثا.

وليست العبرة بالمقاومة فحسب، فذلك أمر لم ينقطع فقد تولاه المقراني وبوعمامة ونسومر وبوبغلة وكثيرون، ولكنّ الأمير الشاب، بفضل تدبيره الحكيم واستعداده العبقري، نقل الحرب من ظهر الخيل وصليل السيوف إلى إقامة أركان الدولة وفرض أسبابها وانتزاع الاعتراف بها.

يسجل الإمام البشير ذلك فيقول: "إنّ الأمير كوّن حكومة أرقى من حكومة الترك التي لم يبق لها أثر بعد الاحتلال الفرنسي، وضرب السكة ونظّم القضاء والإدارة والحرب وجميع مقومات الحكومة"
والبشير ذكي حين يفاضل بين حكومة الأمير وحكومة الترك، فيجعل الأولى أرقى، وخلف المنطوق مفاهيم عديدة: أولاها أنّ الترك في آخر عهدهم استبدوا فقضت سنة الكون بأفولهم، وثانيها أنّ دولة الترك في لحظة ضعفها تخلت عن راية الجهاد، وثالثها أنّ الأمير خرج من عامة الناس وسوادهم فلم يكن قبل باشا ولا بايا ولا آغا، ورابعها أنّ الأمير علم زوال حكم الترك وضعف شوكتهم فلم ينتظر أن تضيع الجزائر بل استلم إمارة الجهاد وأحسن استلامها، خامسا إنّ الأمير الشاب استقلّ بالرأي ومشورة أصحابه ولم يتّكل على ذي منعة من تركيا أو غيرها.

فأيّ حكمة في تنبيه البشير إلى ضرب السكة وأيّ سرّ في الإشارة إلى تنظيم القضاء؟
ليس عجيبا أن يوافق ما صنعه الأمير ما يصبو إليه البشير، فضرب السكة إعلان استقلال اقتصادي وفرض لقيمة في المعاملات بين الأفراد ومع الدول، وتنظيم القضاء هو إقامة للعدل الضامن للعمران وحفظ الاجتماع.

وإن يكن الأمير قد تحدّى وضعا عالميا تآمرت فيه الصليبية على الخلافة واقتطعت الأراضي من البلاد الإسلامية، فهو لم يكن يحارب لينتصر وحسب، بل كان يجتهد في استعادة دولة الإسلام في الجزائر، وتلك وخزة قاسية في جنب الصليبي الذي ظنّ أن تركيا هي الإسلام، فإذا بالأمير يفاجئه.

ومثله فإنّ البشير قد ظلّ يعمل على مناجزة الظلم الفرنسي ويحاكم مراسيمهم وقوانينهم إلى الحق والشرع، وأبى أن تكون له وظيفة عند الإدارة الفرنسية فظل حرا يعلم الناس كيف يكونون أحرارا.
لكأنّي بالبشير كان يقتدي بالأمير..

3/ هزيمة الأمير

يخوض أصحاب الأهواء في شأن الأمير فيزعمون أنّه استحب الحياة وباع دينه بدنياه، ويكيلون له سيلا من الشتائم فيعيبون عليه توقيفه القتال ورضاه بالأسر، وهم لا يعذرونه بل يتصيدون ما يحسبونه خطأ فيطعنون طعن الغادرين، وينسون أنّ تركيا صارت ضغثا وأنّ الجار صار نكثا وبعض المشايخ رمثا.
فما رأي الإمام البشير في نهاية الأمير؟

يقول: "إنه لم يكن بدعا في قادة الحرب التسليم فقد اتبع سنة من كان قبله، أما أسباب تسليمه فنحن نعرف منها أشياء ونظن به أشياء، هي الشبه بمقامه وحاله ومقامه، أما ما نعرفه فهو اختلال صفوفه وخذلان كثير من المارقين له – منهم بعض مشايخ الزوايا الصوفية وبعض الامراء من الجيران- خذلانا تكون نتيجته اللازمة الاضطرار إلى قتالهم، ومعنى هذا أنه بين عدوين، ومضطر الى الحرب في ميدانين. وأما ما نظنه به فهو أنه كان ينوي إعادة الحرب مع الفرنسيين، بعد اتصاله بمقر الخلافة واجتماعه بأهل الحل والعقد فيه، وهذا ما نفسر به اختياره اسطمبول دار هجرة، ويؤيد هذا التفسير تلكؤ فرنسا في السماح له بالسفر إليها، كأنما خامرها شيء من هذا المعنى، أو استدلت بالقرائن عليه"
ولا يقول مثل هذا إلاّ محبّ معتذر عارف بالصراع وأساليبه خبير بالحرب ومكائدها شجاع في قول الحق ووصف الأمراض الداخلية.

إنّ البشير في هذا النص يسمي الموقف الأخير الذي اختاره الأمير (تسليما) وتلك إشارة لغوية تحمل معان عميقة، فالتسليم لا يكون إلا طوعا وبإرادة، فهو لم يكن مساومة أو ضعفا، فذلك شأن (الاستسلام). ولا يذكر البشير الفرق بين (الاستسلام والتسليم) لأنّه يثق في بيان العربية وهو يريد أن يحفظ صورة الأمير نقية في ذاكرة الأجيال.

ويعتذر البشير مبيّنا معقولية موقف الأمير، فهو ليس القائد الوحيد الذي أوقف القتال، إلاّ أنّه يؤكّد أنّ الأمير لم يكن بدعا في ذلك، فهي سنة بين قادة الحرب فيهم منتصر ومنهم منهزم، وفي المنهزمين من يموت ومنهم من يِؤسر، ومن الأسر ما يكون طوعا ومنه ما يكون كرها..

ثمّ يذكر البشير أسبابا معروفة ألجأت الأمير إلى (التسليم) حدّدها في اثنتين هما: اختلال صفوف الجند بكثرة القتلى من الرجال الفرسان وكثرة من يعولهم من النساء والأطفال والشيوخ ضحايا الحرب التي لا معين له فيها، وخذلان الأصدقاء ممن كان يرجو مساعدتهم فمنهم خليفة الباب العالي الذي ترك الجزائر لمصير موت محتوم وسلطان المغرب الذي طأطأ الرأس بعد معركة (ايسلي) 1844 فوقع معاهدة مغنية في 1845 ثمّ وجّه حربه على الأمير وشيوخ الطرقية الذين أفتوا بحرمة القتال تحت راية الأمير.

ويظن الإمام البشير خيرا بالأمير، فيجزم أنّه كان ينوي إعادة الحرب على الفرنسيين من اسطمبول لإيمانه بأنها دار الخلافة واجتماع راية الجهاد بها.

إنّ البشير حين يعتذر للأمير فهو يستفيد من وقائع التاريخ ويعيد تنزيلها بشجاعة فاختلال الصفوف وخذلان الأصدقاء كفيلان بإيقاع الهزيمة بأشدّ الأبطال شكيمة وأقواهم عزيمة، ولذلك فالعبرة ليست في تبرئة الأمير، ولكنها في معرفة الأمراض الداخلية لتجاوز الهزيمة في كل مشروع مستقبلي.

4/ خلاصات

مكّنتنا هذه المراجعة، لتحديد موقف الإمام محمد البشير الإبراهيمي من جهاد الأمير عبد القادر، الخلوصَ إلى نتيجة مركزية وأخر تتبعها، فأمّا المركزية فمفادها اعتراف البشير ببطولة الأمير وسبقه بالجهاد وحكمته في إقامة الدولة ثم الاعتذار له وما كان من تسليمه، وهي صورة مثالية للبطل حين يهب نفسه لأمته فتتبعه في بطولته ويوحد الإسلام رحمها لينفي عنها العصبيات المقيتة والعرقيات النتنة، وأما التي تتبعها فعديدة نجملها في ثلاث: أولها أنّ المشاريع الكبرى إذا اختل صف أبنائها وخذلها الأقربون فإنّ مآلها الهزيمة مهما عظمت قيادتها ومهما قويت إرادتها، وثانيها أنّ الأمراض الداخلية يبعثها الخوف والحسد فتنتهي إلى الخيانات القبيحة، وثالثها أنّ الانتصار للأمير ليس انتصارا لشخص بل هو انتصار للجزائر حرة وقوية.

فيا لكما من رائدين أمير وإمام.


الهوامش:
23شوال الموافق 15جوان 2020.. قراءة ممتعة.

لا تعليقات

اترك تعليق

آخر التغريدات: