محمد المبارك.. مدرسة علمية فكرية دعوية تسبق زمانها

بقلم: محمد خير موسى-

كان السيد المبارك الجزائري أول المهاجرين الجزائريين وصولًا إلى بيروت جراء بطش الاحتلال الفرنسي، وكانت زوجته حاملًا آنذاك، وفي بيروت ولد أول مولودٍ للمهاجرين الجزائريين أسماه والده "محمد" وانتقل مع أسرته طفلًا إلى دمشق ودخلها قبل وصول الأمير عبد القادر الجزائري إليها.

ترعرع الطفل في أكناف والده ليصبح اسمه في شبابه الشيخ محمد المبارك ويغدو أحد أعلام دمشق في العلم والأدب والزهد، وله العديد من الرسائل الأدبية التي ألفها على شكل المقامات وطبعت في دمشق آنذاك، كما أن له محاورات شعرية رائقة ورقيقة مع الأمير عبد القادر الجزائري، وكانت له حظوة في الدولة العثمانية فمنحته السلطنة لقب "قاضي إزمير" واقتطعت له أرضًا في حوران.

كان للشيخ محمد ولد اسمه عبد القادر شب في رياض العلم، وكان أعجوبة زمانه في اللغة العربية، فكان يلقب "القاموس السيار" من شدة حفظه للمعاجم واستظهاره لها، وكان من تلاميذه في "مكتب عنبر" الشيخ علي الطنطاوي الذي قال في وصف أستاذه: "لم أر فيمن قرأت عليه وكنت تلميذًا له، من كان في درسه حياةٌ كحياة درس الشيخ المبارك، لقد كان أصمعي زمانه وأبا عبيدة عصره، ينشر العربية ويحبب بها الطلاب في مكتب عنبر".

وفي عام 1919 تأسس المجمع العلمي العربي، الذي عرف بعد ذلك بمجمع اللغة العربية بدمشق، وهو أقدم مجمع للغة العربية على الإطلاق، وقد كان الشيخ عبد القادر المبارك المعروف حينها بعبد القادر المغربي أبرز مؤسسيه، وكان محمد كرد علي أول رؤسائه عام 1919.

ومن بصمات الشيخ عبد القادر المبارك التي لا يمكن أن تنسى أنه كان صاحب مصطلح "الهاتف" لتعريب "التليفون" الذي اعتمده مجمع اللغة ليصبح الاسم الذي يطلقه العرب قاطبةً على هذه الآلة.

وفي عام 1912 توفي الشيخ محمد المبارك والد الشيخ عبد القادر، ودفن في سفح قاسيون، وفي السنة ذاتها رزق الشيخ عبد القادر مولودًا فأسماه على اسم والده الراحل "محمد" ليغدو في السنوات القليلة القادمة عنونًا كبيرًا في سوريا التي تتقاذفها الأيدولوجيات والأيدي الطامعة.

موسوعية التخصص العلمي والمعرفي والفكري

ترعرع محمد المبارك في ظل أسرةٍ زادها العلم والمعرفة، وأرسله والده إلى المدارس الحكومية، كما زج به في حلقات العلم عند كبار العلماء، فكان ينتظم صباحًا في المدرسة وفي المساء يثني الركب في دروس العلامة بدر الدين الحسني، وقد درس على يديه إلى جانب علوم الشريعة واللغة والمنطق، علوم الرياضيات والفيزياء، وكذلك في دروس الشيخ سليم الجندي وفي حلقات والده الشيخ عبد القادر المبارك، وكان كثير القراءة لابن تيمية وابن القيم، ومعجبًا بشدة بكتابات الأمير شكيب أرسلان.

وبعد نيله الشهادة الثانوية دخل محمد المبارك كليتين معًا في جامعة دمشق، حيث كان هذا متاحًا للطالب حينها، وهما كلية الحقوق وكلية الآداب وتخرج فيهما معًا بتفوق باهر، فأوفدته الجامعة السورية بمنحةٍ لإكمال الدراسة في جامعة السوربون ليدرس في كلية الآداب بمعهد الدراسات الإسلامية التابع لها ثلاث سنوات، فتنقل الأستاذ محمد المبارك في هذه السنوات الثلاثة بين ثلاثة تخصصات على النحو الآتي:

خصص السنة الأولى لدراسة الأدب العربي والثقافة الإسلامية، فالتقى بالمستشرقين وعرفهم عن قرب وكان محاورًا بارعًا لهم، ماهرًا في نقض الكثير من طروحاتهم، وخصص السنة الثانية لدراسة الأدب الفرنسي وعصوره وفنونه وأعلامه، وكان من أبرز أساتذته في هذه السنة المستشرقان المشهوران وليم مارسيه ولويس ماسينيون، أما السنة الثالثة فقد جعلها خالصةً لدراسة علم الاجتماع، والتقى بكبار العلماء الفرنسيين في هذا التخصص ونهل منهم، وأوغل من خلالهم في صميم المجتمع الفرنسي الذي كان آنذاك نموذجًا للحضارة الغربية.

وقال عن دراسته لعلم الاجتماع: "هذه الدراسة وسعت آفاقي، وأكسبتني بعض المزايا الفكرية، لا سيما في طرائق البحث وأساليب التفكير، ولكنها لم تستطع أن تؤثر في معتقداتي، ولا أن تغزو عقلي، بل زودتني بمعلوماتٍ نافعة ومناهج مفيدة، وأثارني جانبها السلبي، وحفزني للرد عليها، فتولدت في نفسي كثيرٌ من الأفكار الجديدة، واكتشفت كثيرًا من جوانب عظمة الإسلام وخصائصه".

وفي باريس كان الأستاذ محمد المبارك حريصًا على مد جسور التواصل مع الشخصيات والمؤسسات الفاعلة، فالتقى الأمير شكيب أرسلان لينهل منه مباشرة بعد تأثره بكتاباته، كما كان على صلة وثيقة بجمعية العلماء الجزائريين، وكان فاعلًا معهم في أنشطتهم الدورية والفكرية في باريس.

وهذه الموسوعية العلمية والفكرية لم تكن موسوعية كميةً فقط بل هي موسوعيةٌ نوعيةٌ وصفها الدكتور القرضاوي بقوله: "الأستاذ المبارك من الذين جمعوا بين الثقافتين، وهذا هو العنصر المفقود الذي نشكو من ندرته، بل من فقدانه في حياتنا، هناك أناس درسوا دراسةً مدنية، وهناك أناس درسوا دراسةً دينيةً، وبين الطائفتين فجْوة أو جفْوة، ولكن قليل من الناس من جمع بين الدراسة الدينية والدراسة المدنية، من جمع بين القديم والحديث، بين علم الشرق وثقافة الغرب، أحد هؤلاء كان الأستاذ المبارك".

العودة إلى سوريا

عاد الأستاذ محمد المبارك إلى دمشق عام 1938 بحصيلة معرفية ثرية، وثروة فكرية غزيرة ليعمل فترةً وجيزة في المحاماة ثم ليدخل سلك التعليم، فأوفد للتعليم في مدارس حلب، وهناك كان في استقباله وترتيب أموره الشاعر عمر بهاء الدين الأميري الذي كان من أبرز أعمدة وأركان جماعة الإخوان المسلمين التي انخرط فيها الأستاذ محمد المبارك مع الدكتور مصطفى السباعي فور عودته إلى دمشق.

أقام المبارك في حلب سنتين مدرسًا في ثانوياتها ومن الطريف أن يكون أمين الحافظ رئيس سوريا القادم أحد طلابه في الثانوية، وبعد عودته إلى دمشق عين مفتشًا لمادة اللغة العربية، وفي إحدى الجولات التفتيشية إلى مدارس حلب تعرف إلى مدرسة اسمها سامية البيانوني فأعجبته وخطبها، ورفض والدها أول الأمر لأنه لم يكن يريد أن يغرب ابنته إلى دمشق البعيدة، فتوسط  الشاعر عمر بهاء الدين الأميري عند والدها الشيخ أحمد حمدي البيانوني وهو ابن عم الشيخ أحمد عز الدين البيانوني والد علي صدر الدين البيانوني الذي سيكون مراقبًا عامًا لجماعة الإخوان المسلمين لاحقًا.

تأسيس كلية الشريعة والأسبقيات العلمية

كان المبارك خبيرًا في التخطيط التربوي، وله باعٌ كبيرٌ في وضع المناهج وقد مارس ذلك عبر حياته في العديد من الدول، لكن الإنجاز العلمي الأكبر الذي يمكن نسبته إلى الأستاذ محمد المبارك هو مشاركته يدًا بيدٍ مع الدكتور مصطفى السباعي في تأسيس كلية الشريعة بجامعة دمشق.

كان بعد التأسيس شخصيةً محوريةً في وضع مناهج كلية الشريعة، ومن أهم ما وضعه مادة "نظام الإسلام"، هذه المادة التي غدت جزءًا أصيلًا من مناهج كليات الشريعة في عموم البلاد الإسلامية، فكان الذي استحدث فكرتها وأول من كتب فيها هو الأستاذ محمد المبارك.

وفي ذلك يقول الشيخ علي الطنطاوي: "ومن الحق أن نقرر أن ممن يسعى في تعميم مادة "نظام الإسلام" على مدارس الشام والسودان والمملكة العربية السعودية والأزهر أخانا الأستاذ محمد المبارك".

وعن أهمية هذه المادة التي لم تكن قد ألف فيها من قبل في مجال العلوم الشرعية يقول الدكتور يوسف القرضاوي: "من خصائص تفكير الأستاذ المبارك النظرة الشمولية للإسلام.

إن عيب كثيرين أنهم يأخذون الإسلام مجزءًا، يأخذون جانبًا وينْسون جانبًا أو جوانب، ولكن الذين وفقهم الله، هم الذين ينظرون إلى الإسلام من جميع جوانبه، لا يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، إنما يؤمنون بالكتاب كله، وبالإسلام كله، فالإسلام وحدة لا تتجزأ، الإسلام كلٌ شامل.

وهذه هي نظرة الأستاذ المبارك، وعلى هذا الأساس كان يتبنى في كل ما شارك فيه من مناهج التربية في الجامعات الإسلامية والعربية فكرة تدريس مادة اقترح أن تسمى "نظام الإسلام"، مادة يدرس فيها الإسلام كله، كوحدة لا تتجزأ، اقترح ذلك في جامعة الأزهر، وفي جامعة أم درمان، وفي الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وفي جامعة الملك عبد العزيز، واقترح ذلك في كل جامعة شارك فيها، مادة "نظام الإسلام"؛ أن ينظر إلى الإسلام كله شاملًا، ويدرس على هذا الأساس.

وهو قد شارك في هذا، وألف في هذا بالفعل، وقد نال تأليفه في هذا الموضوع إعجاب كثيرين من أهل الشرق والغرب، وحتى من المستشرقين أنفسهم على قلة المنصفين منهم؛ هذه النظرة الشاملة يتميز بها تفكير الأستاذ المبارك، ومؤلفات الأستاذ المبارك".

لم يكن سباقًا في تفكيره وتأليفه لمادة "نظام الإسلام" فقط، بل كان له قصب السبق في مجالٍ علميٍ آخر يذكره العلامة مصطفى الزرقا إذ يقول: "كان الأستاذ محمد المبارك أول من فكر بضرورة إعادة النظر في علم الاجتماع الذي يدرس بوضعه الحالي الذي يؤدي إلى الإلحاد، حيث يرى ضرورة كتابة علم اجتماعٍ إسلامي متفق مع مسلمات الإسلام وثوابته في القرآن والسنة النبوية، وقد كلف في آخر حياته في الجامعة الأردنية بتدريس علم الاجتماع الإسلامي على صعيد الجامعة للطلاب من جميع الكليات".

وبعد مرض الدكتور مصطفى السباعي تولى محمد المبارك عمادة كلية الشريعة من عام 1964 حتى عام 1966، وخلال تدريسه الأكاديمي ألف عشرات الكتب منها: "نظام الإسلام؛ العقيدة والعبادة" و"نظام الإسلام؛ الحكم والدولة" و"نظام الإسلام؛ الاقتصاد" و"نظام الإسلام العقائدي في العصر الحديث" و"نظرة الإسلام العامة إلى الوجود وأثرها في الحضارة" و"الفكر الإسلامي الحديث في مواجهة الأفكار الغربية" و"المشكلة الثقافية في العالم الإسلامي" و"بين الثقافتين؛ الغربية والإسلامية" و"نحو وعي إسلامي جديد" و"ذاتية الإسلام أمام المذاهب والعقائد" و"نحو إنسانية سعيدة" و"نحو صياغة إسلامية لعلم الاجتماع" و"الأمة والعوامل المكونة لها".

تسليف الصوفيين وتصويف السلفيين

"إن منهجي هو تسليف الصوفيين، وتصويف السلفيين" هكذا يردد الأستاذ محمد المبارك على الدوام في بيان منهجه الدعوي، فهو لم يكن مجرد أكاديمي تعرفه أروقة الجامعات وقاعات الدرس، بل كان داعيةً منخرطًا في مجتمعه، يمد جسور الصلة بين مكوناته المختلفة لا سيما الإسلامية منها.

والقصد من عبارته عن تسليف الصوفيين وتصويف السلفيين، أن العديد من أتباع المدرسة السلفية كان يعيش حالةً من الجفاف الروحي فكان يدعو إلى تطعيم العمل السلفي بروحٍ صوفية تزيده رقةً وتزكية، وفي المقابل فإن العديد من أتباع الصوفية غرقوا في الانحراف عن منهج العقيدة الحق فكان لا بد من تطعيم صوفيتهم بالعقيدة السليمة التي يحرص عليها أتباع المدرسة السلفية.

إن دعوة الأستاذ محمد المبارك هي عنوان لجهوده في إيجاد قدر مشترك بين عموم المدارس والتيارات الفكرية الإسلامية، وضرورة التقريب بين التيارات المختلفة في واقع العمل الإسلامي، وهذا جهدٌ كبيرٌ يدل على وعيٍ متقدمٍ ورؤيةٍ ثاقبة.

هذا هو الأستاذ محمد المبارك في العلم والدعوة والفكر، وقد أبدع الدكتور القرضاوي في وصف همته العالية وجمعه بين العلم والفكر والدعوة إذ يقول:

"الحقيقة أنا قد نجد كثيرًا من الناس وعاظًا أو دعاة، لكننا قلما نجد الداعية العالم المتمكن، وقد تجد الداعية العالم، ولكنك قلما تجد العالم المفكر الذي يفكر للإسلام ويفكر بالإسلام، أي يفكر بمنطق الإسلام، وبمنطقٍ من أصوله ونصوصه وروحه العامة، لكننا نحمد الله تعالى أن كان الأستاذ المبارك أحد الذين يفكرون بالإسلام ويفكرون للإسلام، وهكذا عاش لهذا الدين وعاش بهذا الدين.

هو أحد العقول القلائل في هذا العالم الإسلامي التي تفكر بالإسلام وتفكر للإسلام، ولو أحببنا أن نعد عشرة عقول في العالم الإسلامي تفكر للإسلام وبالإسلام، لكان الأستاذ المبارك من ألمعها؛ ونحمد الله على ذلك".

لم يكن الأستاذ محمد المبارك أقل حضورًا في العمل السياسي السوري من حضوره في ساحات العلم والفكر والدعوة، وعن التجربة السياسية للأستاذ محمد المبارك سيكون مقالنا القادم بإذن الله تعالى.

لا تعليقات

اترك تعليق

آخر التغريدات: