وقفات مع خير جمعـية أخـرجت للنّاس

بقلم: د. موسى عبد اللاوي -

الحمد لله أن: (الإسلام ديننا، والجزائر وطننا، والعربية لغتنا)، فهذا شعارنا، وهذا منهجنا.
لذلك أقول-ولله الحمد والمنة – أن علاقتي بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين ليست وليدة اليوم؛ وإنمّا تعود إلى عشرات السنين.

الوقفة الأولى: فمنذ أن فتحنا أعيننا بمدينة تسمى عين البيضاء بالشرق الجزائري وهي مدينة العلم والعلماء ولد وترعرع بها كوكبة من العلماء والمشايخ أمثال: الشيخ محمد العيد ال خليفة والشيخ السعيد زموشي والشيخ زيناي بلقاسم والفقيه لخضر بوكفه والعلامة غلام عبداللي -رحمة الله عليهم – لم يسبق لي أن عرفت لا حزبا ولا جمعية؛ وإنما وجدنا في بلدتنا الصغيرة» عين البيضاء وجدنا أمامنا تراث أم الجمعيات التي ترتكز على شيئين مهمين ألا وهما:

أولا: «الإسلام والوطن» كما جاء في سؤال وجواب الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس -رحمه الله – حينما كتب سؤالا وجوابه مفصلا في مقال عنوانه:

لمن أعيش؟

أعيش للإسلام وللجزائر

وقد كان اهتمامنا منصَبّاً على مطالعة آثار الشيخ عبد الحميد بن باديس وكذا» عيون البصائر» للشيخ محمد البشير الإبراهيمي -رحمهما الله – هذا منذ أن كنت في بلدتي ومسقط رأسي «عين البيضاء» بأم البواقي هذه البلدة التي تتميز بعذوبة مائها ونقاوة هوائها، البلدة الطيبة التي زارها العلامة ابن باديس وأوصى خيرا بمشايخها وألقى بها دروسا. البلدة التي كانت قلعة من قلاع الإسلام، فكانت الحاضنة الأولى لشباب الصحوة الإسلامية، ولقد كتبت عنها وعن نشاط شبابها الملتزم وعن مكتبة مسجد الشنتلي –بدر حاليا – مجلة الدعوة الإخوانية بمصر في مطلع الثمانينيات.

الوقفة الثانية: وفي مرحلة الثانوية فتحت ببلدتنا وسط المدينة -بمسجد الشنتلي سابقا – وحاليا مسجد بدر مكتبة للمطالعة وإلقاء الدروس والمحاضرات وكذا ندوة تقام كل خميس بعد صلاة العصر يشرف عليها الشيخان الجليلان العلامة الشهيد غلام عبداللي -رحمة الله عليه – والمفكر الكاتب الداعية عبد العزيز كحيل -حفظه الله ونفع به وبارك في مجهوداته – وكانت المكتبة تستقطب خيرة شباب البلدة خلقا والأوائل في الدراسة

وفي تلك المرحلة عرفنا تكوينا علميا أكاديميا وتربية أخلاقية عالية تخللتها بعض المخيمات الشتوية والصيفية كانت برامجها تمزج بين الاستجمام والترويح عن النفس والتكوين العلمي والخلقي تجسيدا لمقولة: «اخشوشنوا فإن الحضارة لا تدوم» وفي هذه المرحلة تعرفنا على بعض كتب رجال الإصلاح أمثال عبد الرحمن الكواكبي صاحب كتاب «طبائع الاستبداد» ومحمد عبده صاحب مجلة «العروة الوثقى» وكتاب «الإسلام بين العلم والمدنية» وجمال الدين الأفغاني صاحب كتاب «البيان في الأنجليز والأفغان» والعروة الوثقى مع محمد عبده وبعض كتب الإخوان كسيد قطب في «ظلال القرآن» وحسن البنا وكتب الشيخ كتب يوسف القرضاوي وكتب الشيخ محمد الغزالي وكتيبات الراشد وأبو الحسن الندوي ككتابه الرائع «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين» وكتاب «ردة ولا أبا بكر لها «و كتب أبو الأعلى المودودي ككتاب»دين الحق» وكتابه مصدر قوة المسلم والعالم وحيد الدين خان وكتابه الذي تأثرت به كثيرا وهو «الإسلام يتحدى» كتاب في العقيدة ترجمه ظفر الإسلام خان ومراجعة وتقديم عبد الصبور شاهين، يرد الكتاب على شبهات أهل الإلحاد، ميزة الكتاب أنه يعالج موضوع الإعجاز العلمي للقرآن الكريم، وكذلك إثبات الأدلة على البعث والقيامة، ومناقشة القائلين بصدفة وجود الكون، والقائلين بالتطور بأسلوب فريد جمع فيه كل الأدلة العلمية من فيزياء ورياضيات وعلوم طبيعية وفلك للبرهنة على أنه لا تضاد بين العلم والقرآن، ورغم هذا التكوين من مختلف المشارب والمدارس الفكرية، لم تكن لنا أي صلة بأي تنظيم أو حزب أو جمعية.

الوقفة الثالثة: وفي المرحلة الجامعية لما التحقت بجامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة وكنت من المولعين بقراءة كتب الشيخ محمد الغزالي -رحمه الل- ومنبهرا بأسلوبه الأدبي في الكتابة وسعة فكره الذي يظهر في كتبه ومقالاته ودروسه ومما حصل لي مع شيخي العلامة المفكر محمدا لغزالي –رحمه الل- حين طبع «كتابه السنة بين أهل الفقه وأهل الحديث» فرحت بالكتاب فرحا شديدا وأظهرت سروري وانبساطي لشيخي الإمام محمد الغزالي فقال لي –رحمه الله – هل قرأت لابن باديس وعيون البصائر للإبراهيمي قلت: بعض المواضيع هنا وهناك. فقال متواضعا –رحمه الله- : «أنا أشهرتني وأظهرتني وسائل الإعلام ولم يكن للعلامة ابن باديس والعلامة الإبراهيمي الحظ في ذلك ولم تساعدهما الظروف حينها على الظهور لعوامل شتى مختلفة ولكن؛ أقر لهما، إنهما أحسن علما وفكرا، واطلاعا؛ مني وعيون البصائر لم أر مثلها».

رحمة الله عليهم فقد كانوا خير منادٍ في أمة استيقظت بعد رقاد وانتبهت بعد سهاد فما ذهبت كلماتهم سدى ولا جهودهم ضياعا وتلك هي آثار الإخلاص في أعمال الرجال.

الوقفة الرابعة: ولما استخلفت الشيخ علي الساسي -رحمة الله عليه- كمفتش للشؤون الدينية بولاية أم البواقي، نهاية التسعينيات ترك لي مكتبة ثرية بمؤلفات رجال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فانكببت أطالع ما فيها من درر, فقرأت بعض كتب الشيخ أحمد حماني مثل :»كتاب صراع بين السنة والبدعة» وكتاب الدلائل البادية على ضلال البابية وكفر البهائية وكتاب أحمد توفيق المدني «حياة كفاح –مذكرات –»وكتاب الدكتور عمار طالبي» ابن باديس حياته وأثاره» وبعض مقالات الشيخ عبدالرحمن شيبان «أذكر منها مقال حول القضية الفلسطينية وثاني على القضية الجزائرية وأخر حول معهد ابن باديس، وكتاب فلسفة التاريخ من منظور إسلامي –دراسة معاصرة- وكتاب «نزيف قلم جزائري» للدكتور عبد الرزاق قسوم، وكانت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين قد استأنفت عملها لمواصلة تبليغ رسالتها زارنا وفد الجمعية في ولاية أم البواقي بقيادة الشيخ عبد الرحمن شيبان-رحمه الله -وكان حينها رئيس الجمعية الشيخ أحمد حماني-رحمه الله – فقمت باستقبال الوفد الذي كان يرأسه الشيخ شيبان فرحبت به وعملت على تهيئة الظروف لذلك، ولعب الحاج بلقاسم قرام -رحمة الله عليه – دورا كبيرا من حيث الاستقبال والإكرام ببيته العامر، كما استقبل السيد الوالي الوفد وخصص الإقامة الرسمية للولاية للشيخ عبدالرحمن شيبان وحضر ابنه من مدينة عين مليلة وشاركنا مراسيم تكوين وتنصيب مكتب ولاية أم البواقي، وهذا كان أول التحاق رسمي بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين وكنت من المؤسسين الأوائل الأساسيين لفرع جمعية العلماء شعبة أم البواقي.

الوقفة الخامسة: وفي الحركة النقلية التي باشرتها الوزارة الوصية عُيِّنْتُ للعمل كمدير للشؤون الدينية والأوقاف بولاية عنابة وقد زارنا فيها كذلك الشيخ شيبان-رحمه الله- لكن هذه المرة كرئيس للجمعية، فاستقبلناه في القاعة الشرفية للمطار هناك ورحبنا به ووفرت له كل الظروف والوسائل لإنشاء مكتب الجمعية لشعبة ولاية عنابة، كم تجاوب معنا السيد والي الولاية بتسهيل عملية الاستقبال والإيواء والترحاب، وتم عقد لقاء في قاعة المسرح الجهوي بعنابة وفيه تم تشكيل مكتب شعبة ولاية عنابة، وعند مغادرة الشيخ شيبان لعنابة ودَّعناه في المطار وأذكر أنه قال لي: اطلب منك يا ابني أن توفر مكتباً لشعبة ولاية عنابة وفعلا كنت منحتُ لأعضائها مكتبا وقاعة لعقد اجتماعات بالمسجد العتيق «سيدي أبي مروان الشريف».

وقد ساعدني كذلك رئيس بلدية برحال آنذاك بتجهيز مكتب الشعبة الولائية، وبعد الانتهاء من هذه الترتيبات كنا قد حددنا موعدا لتدشين مكتب الشعبة الولائية لعنابة، وكنت قد اتصلت بالشيخ الرئيس عبد الرحمان شيبان رئيس الجمعية لأبشره وأطمئنه؛ ولكن في اليوم المحدد لفتح المكتب حينها… فاجأنا السيّد الوالي بأن الأمر يحتاج إلى تريث ومزيد من الوقت بحجة أن أعضاء الشعبة الولائية لعنابة حينها كُتبت حولهم ملاحظات بسبب انتماء بعضهم للحزب المحظور قانونيا والبعض الآخر لأحزاب وحركات إسلامية أخرى.

فقمت على عجل بالسفر إلى العاصمة لمقابلة الشيخ الرئيس عبد الرحمن شيبان فاستقبلني في فناء بيته بحيدرة وقدم لي القهوة وحلويات المقروط، وأنا في حيرة من أمري، فكلمني قائلا: ما الذي جاء بك في هذا اليوم الذي من المفروض أن تكون في عنابة لافتتاح مكتب الشعبة كما ذكرت لي سابقا بأن تاريخ اليوم هو المحدد لذلك؟.

فأخبرته بالمستجدات والذي حدث، وأن التحقيقات التي أجريت حول المرشحين لتولي شعبة ولاية عنابة كانت حولهم ملاحظات من قبل الجهات الأمنية حينها، فقال لي-رحمة الله عليه – سأراجع الأمر، وسأرسل الأستاذ عثمان امقران بصفته منسقا جهويا للشرق الجزائري.

سادسا وأخيرا:

أريد أن أو أكد بأن علاقتي بالجمعية هي علاقة راسخة وهو ما يظهر جليا في جميع دروسي بالمساجد، فكثيرا ما استدل في دروسي ومقالاتي ومداخلاتي بمقالات وفوائد الشيخين الإمامين ابن باديس والإبراهيمي -رحمهما الله-

كما تربطني علاقة طيبة برئيس الجمعية شيخنا الفاضل الدكتور عبد الرزاق قسوم -حفظه الله – ولما كنت مديرا للشؤون الدينية والأوقاف بالعاصمة كنت لا أدخل مكتبي بالطابق الثاني حتى أسلم على الشيخ قسوم -حفظه الله- وكانت تربطني علاقة طيبة حسنة مع جميع أعضاء الجمعية ولازالت والحمد لله.

وقد منّ الله علي بأن اختارني الشيخ قسوم رئيس الجمعية كعضو في الهيئة الاستشارية العليا للجمعية، وأنا أعتبر ذلك مفخرة لي وهو كوسام شرف بالنسبة لي يؤكد علاقتي المتينة بجمعيتنا العريقة الأصيلة.

وأسأل الله أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه ولما فيه الخير والصلاح لديننا ولأمتنا، لوطننا ولمجتمعنا وللمسلمين عامة، وللإنسانية كافة، قال الله-عزّ وجلّ -: «إن أريد إلاّ الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أُنيب».

لا تعليقات

اترك تعليق

آخر التغريدات: