حقائق وأباطيل في ذكرى الأمير عبد القادر: البطل الجزائري والشخصية العالمية (2)

بقلم: عبد الحميد عبدوس -

تطرقنا في الحلقة السابقة إلى المحاولات الرامية إلى نشر بعض الأباطيل والتهم عن البطل المجاهد الأمير عبد القادر من خلال سعي البعض إلى حصره في ممارسات طرقية منحرفة بدعوى إبراز ميوله الزهدية وأفكاره الصوفية، كمثال على ذلك ـحسب رأينا ـ ما جاء في الفيلم الوثائقي «عبد القادر مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة» للمخرج سالم إبراهيمي الذي عرض في القناة السادسة للتلفزيون الجزائري بمناسبة مرور الذكرى137 لوفاة الأمير عبد القادر بن محيي الدين الجزائري.

في هذه الحلقة نتطرق إلى أباطيل وتهم أخرى حاولت تشويه تاريخ وجهاد الأمير عبد القادر هذا الرمز الجزائري المشرق على غرار اتهامه بالانتماء إلى التنظيم الماسوني وخيانة المقاومة الشعبية.
ولابد في هذا السياق أن نلاحظ أن ذكرى مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة مرت هذا العام في شبه فتور رسمي، وفي المقابل ازدحمت مواقع التواصل الاجتماعي، وخصوصا موقع «فيسبوك» بتمجيد هذه الذكرى، حيث اهتمت معظم الآراء الواردة في الموضوع بتصحيح صورة الأمير عبد القادر وتبرئته من المتهم والافتراءات التي ألحقت به، ورمته بشبهات الانتماء إلى تنظيم الماسونية، والاستغراق في ممارسات طرقية منحرفة اعتمادا على ميوله الزهدية وتربيته الصوفية وحتى اتهامه بخيانة المقاومة الشعبية، كما وجه بعض المدونين عبارات اللوم والتنديد بموقف وزارة الثقافة التي تجاهلت الذكرى اهتمت بقضايا فرعية وخلافية، وأصحاب هذه الآراء طالبوا رئيس الجمهورية بالتدخل لوضع حد للانحراف المتواصل لبعض مسؤولي قطاع الثقافة عن المهام الثقافية الحقيقية المنوطة بهذه الوزارة.
حقا، كان من المؤسف، بل من المريب أن تتجاهل وزارة الثقافة الجزائرية ذكرى وفاة الأمير عبد القادر الجزائري في الوقت الذي حرصت فيه السفارة الأمريكية في الجزائر ـعلى سبيل المثال ـ على تكريم ذكراه، والإشادة به عبر منشورها على صفحتها الرسمية على الفيسبوك.

لقد كان الأمير عبد القادر أحد عظماء التاريخ الإنساني، وقد أورد الكاتب والإعلامي عبد العزيز بوباكير في مقال له بعنوان «تحف الأمير والدوق دومال» وصفا للماريشال الفرنسي سولت اعتبر فيه الأمير عبد القادر الجزائري بأنه إلى جانب محمد علي المصري والإمام شامل الداغستاني –كلّهم مسلمون– أعظم ثلاث شخصيات في القرن التاسع عشر.

ولا غرابة في ذلك فقد تسابق زعماء العالم من أمثال الإمبراطور نابليون الثالث إمبراطور فرسا، والقيصر ألكسندر الثاني قيصر الروس، والملكة فيكتوريا ملكة انجلترا، والملك غاريبالدي ملك إيطاليا، والملك أوتون الأول ملك اليونان، والملك غيوم الأول ملك بروسيا، والرئيس أبراهام لنكولن، رئيس الولايات المتحدة ،وسلفه الرئيس الأميركي جامس بوكانان لتكريم الأمير عبد القادر على الإشادة بخصال الأمير عبد القادر القيادية والإنسانية وإتحافه بالهدايا القيمة ،خصوصا بعد إنقاذه لأرواح ما يقارب 15000 مسيحي بدمشق سنة 1860.

في سنة 2013 وبمناسبة الذكرى الثلاثين بعد المائة لوفاة الأمير عبد القادر صرحت الأمريكية بيتي بوشهولز، مديرة متحف مدينة «القادر» لقناة (الحرة) قائلة: «إن الأمير عبد القادر كان محلّ إعجاب كبير من قبل الأميركيين في الوقت الذي كان يقاوم فيه المستعمر الفرنسي، وكتبت عنه العديد من الصحف الأميركية مثل «نيويورك تايمز» مقالات صورته فيها بطلا حقيقيا، حتى أن بعض الأميركيين كانوا يلقبونه بجورج واشنطن الجزائر.

أما رئيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية المرحوم فرحات عباس فيقول عن الأمير عبد القادر الجزائري: «بأنه قد جمع الحذاقة والدبلوماسية الفائقة مع العبقرية العسكرية السامية والمهارة الحربية الرائعة».

ووصفته حفيدته الأميرة بديعة الحسني الجزائري بأنه أشبه «بالجبل الشامخ الذي يحتوي على كنوز نادرة».
ويرى الرئيس السابق للجنة الدولية للصليب الأحمر جاكوب كيللنبيرغر «إن بعضا من القوانين التي سطرها الأمير عبد القادر لم تفقد من قيمتها حتى اليوم».

أما الكاتب البريطاني الشهير روبيرت فيسك فوصفه بأنه «قدوة للمسلمين ومثار إعجاب للغربيين» وقال عنه في جريدة (الأندبندنت) البريطانية: «الأمير عبد القادر نموذج للأمير المسلم، والشيخ الصوفي المحارب الشرس الإنسان، الذي حمى شعبه ضد البربرية الغربية، وحمى المسيحيين من بعض المتشددين الإسلاميين. حظي الأمير عبد القادر باحترام أعدائه قبل حلفائه».

هذا البطل الجزائري والنموذج الإنساني اتهمه الكاتب اللبناني جورجي زيدان الذي ولد بعد سنة واحدة (1861) من المأثرة التي قام بها الأمير عبد القادر بإنقاذ المسيحيين بدمشق بقوله: «إن الحركة الماسونية الرمزية دخلت دمشق بمساعي الأمير عبد القادر الجزائري». جورجي زيدان المعروف برواياته التاريخية التي بدأ إصدارها من أواخر القرن التاسع عشر واستمرت في الصدور إلى العقد الأول من القرن العشرين وبلغت 17رواية عن التاريخ الإسلامي وكانت عبارة عن صياغة أدبية للطروحات الاستشراقية عن التاريخ الإسلامي وتشويه شخصياته ورموزه بوقائع خيالية مختلقة، ورغم قلّة مصداقية الكاتب جورجي زيدان في سرد الحقائق التاريخية فقد لقي ادعاؤه عن الأمير عبد القادر بالانخراط في التنظيم الماسوني قبولاً لدى بعض المؤرخين والمثقفين العرب، مع أن حفيد الأمير عبد القادر الأمير سعيد الجزائري نَشرَ مقالاً بتاريخ رمضان 1329هـ (سبتمبر 1911) أي بعد وفاة الأمير بتسع وعشرين سنة، نفي فيه بشدّة انتساب الأمير إلى الجمعيّة الماسونية، وتَحَدّى القائلين بانتسابه إلى التنظيم الماسوني أن يبرزوا شيئًا من الأدلّة المادية ولكنّهم لم يفعلوا!.

وقد ذهب المؤرخ التونسي عبد الجليل التميمي إلى الاعتماد على رسائل مزوّرة ليؤكد انتساب الأمير إلى الماسونية، ولم يكتف بذلك بل أخذ يكيل التهم إلى الأمير مدعيا أنّ الأمير كان غارقا في الترف والتبذير خلال إقامته بدمشق يقول التميمي: «إنّ المتتبع لحياة الأمير عبد القادر بدمشق سوف يثير انتباهه تهافت الأمير على اقتناء الدور والأراضي الفلاحية والحصول على المال مهما كانت الوسائل المتبعة في ذلك ففي البداية أقرّت الحكومة الفرنسية منح الأمير راتبا سنويا قدره 15 ألف فرنك فرنسي وقد بلغ مع السنين 300 ألف فرنك فرنسي وهو مبلغ خيالي للغاية».
وفي المقابل يذكر الكولونيل الانجليزي شارل هنري تشرشل في كتابه: (حياة الأمير عبد القادر) الذي ترجمه وقدم له المرحوم الدكتور أبو القاسم سعدالله في معرض حديثه عن المخصصات المالية التي يقبضها الأمير من الحكومة الفرنسية: «..وعند التأمل في عادات عبد القادر يصبح هذا الدخل أكثر مما يحتاجه، بل يصبح بذخًا، وكان يمكنه أن يعيش عيشة أمير بهذه الثروة وينغمس في التباهي، ولكنه كان خاضعًا لمبادئ أخرى. فعبد القادر الذي كان دائمًا معارضًا لإرضاء النفس قد نظر إلى هذا المرتّب الكبير كأمانة، لذلك قرر أن يأخذ منه ما هو ضروري لمصاريفه الخاصة، وأن يصرف الباقي على الآخرين. فقد كرّس دخْلَه على تلبية حاجات كثير من أولئك الذين رفضوا بنبلٍ أن ينفصلوا عن مصيره…».

كتابات عبد الجليل التميمي غير العلمية وغير الموثّقة هي التي اعتمد عليها كاتب لبناني يدعى اسكندر شاهين في كتابه «الماسونية.. ديانة أم بدعة» للترويج لتهم التميمي عن الأمير عبد القادر، والغريب أنه شارك به في الطبعة 19 لمعرض الجزائر الدولي سنة 2014.

ومن الكتاب الذين اتهموا الأمير عبد القادر بخيانة المقاومة الشعبية الروائي الجزائري رشيد بوجدرة.رغم أنه اعتذر عن ذلك في وقت لاحق.

أما الأمير عبد القادر فقد قال عن نفسه: «لو جمعت فرنسا سائر أموالها وخيرتني بين أن أكون ملكا عبدا أو أن أكون حرا فقيرا معدما، لاخترت أن أكون حراً فقيرا»

وقد أورد المؤرخ والداعية الليبي الدكتور علي الصلابي نصا تاريخيا مهما جاء فيه: «يقول رئيس وزراء بريطانيا الأسبق ويليام كلادستون الذي حكم بريطانيا بين 1868-1874 (وعرف بأنه أخبث وأمكر رئيس وزراء بريطاني بعد هاميلتون)، يقول: حاولت بكلّ ما أملك أن أقنع الأمير السيد عبد القادر الجزائري بمنصب إمبراطور العرب لكي نوظفه ونستغله ضد العثمانيين، وبالرغم من العداء الشديد الذي كان بينه وبين الأتراك فإنّني لم أفلح بالرغم من كلّ الإغراءات والوعود والمزايا التي وضعتها فوق الطاولة للأمير بما فيها استقلال الجزائر وخروج المحتل الفرنسي من الجزائر، لكنه كان يرفض ذلك جملة وتفصيلا ومن دون نقاش…».

هذه هي بعض الحقائق والأباطيل عن الأمير عبد القادر الجزائري الذي التحق بجوار ربه في 26 ماي 1883. وقد كان ومازال وسيظل-بإذن الله – فخرا للجزائر وللعرب والمسلمين وللإنسانية المحبة لقيم الشهامة والسلام والتسامح.

لا تعليقات

اترك تعليق

آخر التغريدات: