الأمير عبد القادر الجزائري البطل الذي يشرف ضفتي المتوسط (الشط الأوسط)

بقلم: محمد صلاح الدين المستاوي-

في إهدائه لكتابه عن الأمير عبد القادر الجزائري كتب الأستاذ “برونو إيتين” Bruno Etienne الذي رحل عن هذا العالم في الأشهر الماضية كتب ما ترجمته “إلى محمد صلاح الدين المستاوي اهدي هذه المغامرة الخارقة للعادة لبطل يشرف ضفتي المتوسط (بين ظفرين) ”الشط الأوسط“ وأمضى وكان ذلك بتاريخ 23 ماي سنة 2003 في مدينة”اكس ان بروفانس“”Aixen Provence" حيث دعاني للمشاركة في ندوة نظمها المرصد الديني الذي ظل يشرف عليه ويديره لسنوات طويلة.

تصفحت الكتاب وتجولت آنذاك بين مختلف فصوله وقد قال برونو إتيان Bruno Etienne أنني تفرغت لمراجعة ترجمته إلى العربية ذات صائفة قضيتها في لبنان، وكأن الرجل أراد أن يطلع القارئ العربي ويجعله يشترك مع القارئ الفرنسي في الاستمتاع بهذه الرحلة في حياة الأمير عبد القادر وقد كتبها “برونو إتيان” Bruno Etienne بأسلوب غير معهود في الكتابات العربية تمتزج فيه الأحداث التاريخية الثرية التي عرفتها حياة هذا المجاهد الكبير مع الخيال السابح في عالم الروحانيات والغيبيات والمعتقدات حتى الشعبية منها.

والحق يقال لقد استنكفنا معاشر من يكتب باللغة العربية في مختلف مظاهر وجوانب الثقافة الإسلامية عن أن نغوص في هذا الواقع الثري جدا لأعلامنا وعلمائنا ورموزنا الروحية والاجتماعية تاركين ذلك الميدان للمستشرقين الذين والحق يقال هم من لفتوا أنظارنا إلى عمق وثراء وتنوع هذا النوع من الموروث الثقافي والروحي فانكبوا على الكنانيش وكتب المناقب والسير يحققونها ويعرضونها ويكتشفون ما فيها من الجوانب –التي من الخطأ تجاهلها وعدم الاستفادة من مضامينها... إنني لا استبعد إن يكون “برونو إيتين” Bruno Etienne قد أسرته شخصية هذا البطل الإسلامي وهذا القائد والزعيم الروحي الذي أبلى البلاء الحسن في ميدان الجهاد الأصغر وهو يقاوم الاحتلال الفرنسي للجزائر حيث صمد صمود الأبطال واستطاع أن يحقق الانتصارات التي جعلته يحكم جزءا لا بأس به من التراب الجزائري الذي لم يستطع المستعمر الفرنسي أن يسيطر عليه، ولأن الحرب في ساحات القتال كر وفر ونصرر وهزيمة فقد كان الأمير عبد القادر في كل أحواله بطلا في الحرب وبطلا في السلم وهو يلقي السلاح ممليا شروطه على أعدائه الذين لم يستطيعوا أن يفلوا في عضده أو يضعفوا عزيمته، كما أبلى الأمير عبد القادر في ميدان الجهاد الأكبر البلاء الحسن وقد ترقى درجاته درجة بعد أخرى إلى أن بلغ القمة، وكيف لا وهو سليل الشرف والنسب المحمدي وابن الأسرة العلمية العريقة وشيخ الطريقة الصوفية الممتدة بالسند المتصل منه إلى والده إلى جده إلى سلطان الأولياء سيدي عبد القادر الجيلاني من جمع الله فيه وله الرئاستين العلمية الشرعية والروحية الربانية "ذرية بعضها من بعض، ذلك هو الأمير عبد القادر الجزائري الذي كانت له صولات وجولات في الحرب والنزال والدفاع عن الأوطان، و(الجهاد سنام)، كما كانت له صولات وجولات في عالم الروح ويا له من عالم فسيح، انه بحر عميق لا ساحل له لا يستطيع السباحة فيه والخروج منه بسلام إلى شاطئ السلامة إلا السباحون المهرة، هؤلاء يركبون سفينة النجاة التي قوامها وحجر الزاوية فيها والغاية منها الحب الذي هو دين وهل تبقى للدين قيمة إذا جرد من الحب كما يفعل به لبعض ممن لم يذوقوا حلاوة هذا المشرب؟ فإذا هم يرغون ويزبدون خوفا من انتهاك حدود الشرع ناسين انه وبدون حقيقة ونورانية وربانية قد ينقلب البعض بالشرع إلى نشر عداوات وأحقاد وتصفية حسابات فيهلكون وهم يظنون إنهم يحسنون صنعا!!

الأمير عبد القادر الجزائري الذي انتهى به الترحال إلى بلاد الشام حيث قضى بقية عمره في جهاد روحي متواصل بعد أن مر بفرنسا من جنوبها إلى عاصمتها باريس في وضع الأسير وهو الأمير الأبي العزيز النفس فما وهن ولا استكان وتشهد على ذلك صفحات جهاده فقد ظل في كل مراحل جهاده –حتى وهو أسير- يلقن من كانوا خصومه بالأمس دروسا في القيم الأخلاقية السامية وكان يقيم عليهم الحجة في انه لن ينكث عهدا ولن يغير من رأي، وهذه السيرة العطرة التي أعجب بها الخاص والعام وكل من بلغه خبر الأمير عبد القادر واقترب منه من عامة الناس وقاداتهم ورؤسائهم، فكانت نورانية كلماته المشرقة تسري إلى قلبوهم وعقولهم، لقد تفتحت عليه الجمعيات والمنظمات وكبار رجالات المجتمع الغربي في فرنسا وفي انقلترا وأصبح هؤلاء هم من يدافع على شهامة ورجولة وشجاعة هذا البطل الذي لولا استناده إلى الرصيد الروحي الكبير الذي اكتسبه وورثه لكان من أولئك الذين يسهل شراء ضمائرهم.

لقد اختار الأمير عبد القادر بعد مروره بدار الخلافة العثمانية وبعد زياراته للبنان وفلسطين حيث بيت المقدس بعد أن كان في فترة مبكرة من عمره قد رحل إلى تونس ومصر والحجاز والعراق، اختار الأمير عبد القادر أن تكون العشرون سنة الأخيرة من عمره هناك في دمشق في جوار من أحبه وسار على دربه واغترف من بحره الشيخ الأكبر سيدي محي الدين بن عربي طيب الله ثراه، لقد ترسم خطاه وكتب أروع آثاره “المواقف” وغيرها من المؤلفات نثرا وشعرا-وكأنه يشرح ويبين ما في “الفتوحات المكية” و“فصوص الحكم” و“ترجمان الأشواق” وغيرها من تآليف الشيخ الأكبر من كنوز لا يزال إلى اليوم الباحثون والدارسون في الشرق وفي الغرب منكبين عليها فيبهرهم الشيخ الأكبر بروحانيته وعمقه وبقوة شخصيته وكثيرا ما يكون ذلك سبيلا بالنسبة للعشرات والمئات للتتلمذ على الشيخ الأكبر حتى بعد رحيله عن هذا العالم.

هناك في دمشق الشام كان قصر الأمير عبد القادر الجزائري ملاذا ومقصدا ليس فقط للأهل ومن أخرجوا معه من الجزائر ومن رافقوه في أسره بفرنسا ولكن أيضا يقصده قصر الأمير عبد القادر العلماء وطلبة العلم والباحثون عن الحقيقة والذين بهرتهم شخصية هذا المجاهد من غير المسلمين من كبار القادة والعلماء والباحثين مثلما لا تزال إلى اليوم تبهر الكثير من الباحثين والدارسين الجادين الغربيين والذين لا يتسع المجال حتى لذكر بعضهم فضلا عن استقصاء ذلك والذين لا شك أن منهم صديقنا “برونو إتيان” Bruno Etienne صاحب كتاب “الأمير عبد القادر” الذي حرص على نقله إلى اللغة العربية ليطلع قراء العربية على صفحات من حياة ومواقف الأمير عبد القادر فضلا على مضامين كتابه الجليل “المواقف” ومما بهر به الأمير عبد القادر الجزائري متابعي مسيرة حياته سواء من عاصروه أو من جاؤوا بعدهم والذين منهم “برونو إتيان” Bruno Etienne ذلك الباحث الجاد الذي فتحت له أبواب الأرشيف العسكري والسياسي الفرنسي على مصراعيها ليضمن كتابه عن “الأمير عبد القادر” الكثير من هذه الوثائق والمراسلات الهامة جدا والتي قد يكون لم يسبق إلى كشفها.

من هذه المواقف العظيمة تلك السماحة وذلك الرفق والتسامي والقبول للآخر والرفض للتعصب والكراهية والحقد والوقوف في وجه الظلم أيا كان مصدره ومهما كان من يتسلط عليه هذا الظلم فلا خلط في ذهن الأمير عبد القادر، ولا تحميل لأحد جريرة آخر ولا بد من قبول الآخر والرضا بالتنوع ولابد من التعايش وكل تلك قناعات لدى الأمير عبد القادر لا يستعملها ولا يتاجر بها لينال عليها المقابل من ذلك موقف الأمير عبد القادر مما جرى من مصادمات بين المسلمين وبالخصوص الدروز-وقد يكون ذلك بغض طرف من بعض من بأيديهم السلطة في دار الإسلام- وبين المسيحيين من أهل الشام فقد وقف الأمير عبد القادر يمنع العدوان عليهم واضطهادهم وفتح لهم أبواب قصره يحيطهم بحدبه وعطفه ورعايته ويمنعهم بماله من هيبة ووقار ومكانة رفيعة وبمن حوله من أهل وتلاميذ وأتباع من أن نصل إليهم يد معتد.

يا لها من إنسانية عالية، ويا له من تسام وترفع، فالله في فهم الأمير عبد القادر الجزائري هو رب العالمين وليس رب المسلمين فقط ولأجل ذلك فحق الجميع العيش في امن وسلام، ينبغي أن يكون سيرة المسلم التي يعيشها عن قناعة، فذلك هو هدي الإسلام، وهدي نبي الإسلام وهدي جميع الأنبياء الذين دعوا إلى نفس الرسالة عليهم السلام أجمعين “لا نفرق بين احد من رسله” “لا إكراه في الدين” وكان هذا الموقف العظيم الشريف من الأمير عبد القادر الذي حافظ على أرواح الآلاف من مسيحي الشرق العربي في تلك الفتنة كان صفحة أخرى من صفحات الفخار في كتاب حياة الأمير عبد القادر الجزائري التي استحق بها الإعجاب والتقدير والاحترام من طرف ليس فقط المسلمين ولكن أيضا من طرف أولئك الذين حاربوه وأسروه وأحفادهم وأحفاد أحفادهم.

فالسلام على الأمير عبد القادر مجاهدا في ساحة القتال والسلام عليه مجاهدا في عالم الروح والصفاء والإشراق الذي لم ينقطع مدده والسلام عليه يوم التحقت روحه الطاهرة ببارئها راضية مرضية والسلام عليه يوم يبعث حيا.

لا تعليقات

اترك تعليق

آخر التغريدات: