العربي التبسي العلامة والمصلح الثائر

بقلم: طارق عزيز فرحاني-

العلامة الشيخ العربي التبسي الشهيد بلا قبر، هو أحد الفاعلين في الحركة الإصلاحية الجزائرية، الذي ترك بصمة في التاريخ الجزائري بموافقه وجهوده في مجال التربية والتعليم والثورة، كيف لا وهو الشيخ الثائر الذي قدم ماله للثورة ومواعظه لأجل تحسيس الجزائريين بضرورة تحرير الوطن من براثن المستعمر الفرنسي، إلى أن لقى ربه شهيدا مقبلا غير مدبر.

مولد ونشأة الشيخ العربي التبسي

هو العربي بن بلقاسم بن مبارك بن فرحات الجدري التبسي، وآمنة بنت عبيد بن فرحات الجدري التبسي، ولد يوم 01 جويلية 1891م في دوار (بلدية حاليا) السطح قنتيس دائرة العقلة ولاية تبسة وينحدر من فرقة الجدور عرش العلاونة إحدى بطون قبيلة اللمامشة، وقد عُرف في السجلات التي كتبها أعوان الإدارة الاستعمارية الفرنسية بلقب جدري وفرحات، واشتهر أكثر بلقب العربي التبسي، وكان وحيد والديه اللذان لم ينجباه إلاّ بعد عقد من زواجهما حسبما تذكر تقارير الإدارة الاستعمارية الفرنسية المحفوظة بأرشيف ولاية قسنطينة.

ولم بلغ من العمر ست سنوات توفي والده بلقاسم، فعاش بذلك حياة اليتم مبكرا، وسرعان ما تزوجت والدته بعمه عمار مثلما كانت تقتضيه عادة وأعراف قبيلة اللمامشة وسائر القبيلة الجزائرية، فتلقى العربي الرعاية من عند عمه عمار الذي كان عطوفا رحيما به، ومعوضا لابن أخيه حرمان عاطفة الأبوة التي افتقدها بفقدانه والده، أما والدته آمنة فكانت سيدة فاضلة مؤمنة، بدوية شديدة المراس حاطت ابنها العربي بمزيد من العناية دون سائر إخوته، وأخذت بيده ورفعت من معنوياته في الأسرة، وبخاصة بين إخوته.

نشأ العربي التبسي في وسط عائلي يعتمد على الفلاحة في معيشته، حيث كان عمه فلاحا يتنقل بماشيته بين التل والصحراء ليوفر لها الكلأ والدفء مثلما جرت عليه عادة قبيلة اللمامشة التي كان أفرادها ينتجعون خلال رحلتي الشتاء والصيف التي تبدأ بعد حرث الأرض وبذرها في موسم الخريف وبعد ذلك تتجه العائلات إلى المناطق الدافئة وتقيم في الخيام وترعى ماشيتها، ثم تنتهي الرحلة بمجرد اعتدال المناخ خلال فصل الربيع، حيث يعود عمار مع أفراد عائلته لأرضه ويقيم معهم في كوخ ليحصد منتوج أرضه البعلية صيفا، وقد اشتغل مع عمه في الزراعة حينا ورعي الماشية حينا آخر.

تأثير الأسرة والمحيط في شخصية العربي التبسي

أثرت عدة عوامل في تكوين شخصية الشيخ العربي التبسي أهمها: مولده في وسط عائلة محافظة، التي استمد منها الصفات الحميدة والآنفة وهو ما ساهم في صقل شخصيته وتكوينها تكوينا سليما، إضافة إلى احتكاكه بعمه عمار الذي كان حافظا للقرآن الكريم كله، حيث كان ملزما له ويصحبه في حله وترحاله الحالة طيلة طفولته وخلال ذلك كان يحفظ القرآن الكريم على يد عمه عمار، ولم يكتفي بذلك بل واستمد الاخلاق الحميدة من عمه عمار الذي عرف بتدينه الشديد وحبه للعلم ولأهله من معلمين وطلبة، وقد أجرى لطلبته الجرايات والزكوات، ومن جانب آخر فقد تتلمذ أيضا على يدي جده مبارك شيخ القبيلة، فنشأ بذلك في وسط متشبع من الناحية الدينية، وهذا هو الأساس الذي أعطى لشخصية الشيخ العربي تلك الأبعاد التي تميز بها طوال حياته.

ومن جهة أخرى تأثرت شخصية الشيخ العربي التبسي بالمحيط الذي نشأ فيه فقد وُلد في مضارب فرقة الجدور المعروفة لدى سائر عشائر قبيلة النمامشة بكثرة حفظ رجالها للقرآن الكريم وحرصهم الشديد على تحفيظه لعامة أبناء العشيرة ولغيرهم أيضا، فوالده بلقاسم وعمه عمار بقيا من حفظة كتاب الله بأكمله في العشيرة، كما أن والداه كان من دارسي مبادئ العلوم العربية والدينية، بينما كان أعمامه: الحفناوي، الصادق، مسعود، أحمد، محمد، وعثمان يحفظون كتاب الله، لذلك سميت خيمتهم بخيمة القرآن الكريم، حيث تولوا تحفيظ أبناء العشيرة كلها القرآن الكريم، وكذلك كان أبوهم مبارك عالما وملما بالعلوم الدينية.

الظروف التي نشأ فيها الشيخ العربي التبسي

ولد الشيخ العربي التبسي في ظروف جد قاسية، ميزها قانون الأهالي الذي سلطته السلطات الاستعمارية الفرنسية على رقاب الجزائريين، لأجل أن تسيطر عليهم، وما انجر عنه من تأثيرات على الحياة الاجتماعية والواقع الاقتصادي للجزائريين الذين حرموا من التعليم ومن جميع الحقوق ومن متطلبات الحياة، لأجل منعهم من الثورة على السلطات الاستعمارية الفرنسية، ومع ذلك تجدر الإشارة إلى أن الشيخ العربي التبسي تكتم بشدة عن تناول طفولته ومراحل شبابه والحديث عن الذكريات التي تعود لهاته الفترة وهذا ما أحدث نقصنا في المعلومات المتعلقة بهاته الفترة، وما تعلق بظروف تربيته القاسية والصارمة التي جعلت منه رجلا موضوعيا يستنكف عن اجترار ذكرياته، إضافة إلى كون إخوته لا يعرفون عنه كثيرا من المعلومات المتعلقة بطفولته وشبابه ومرد هذا يعود لفارق السن الذي كان يبينهم وبين أخوهم الذي كان يكبرهم بعشرين عاما، حيث لم يعرفوه إلاّ كبيرا ناضجا، ووفاة أغلب أصدقائه ومعاصريه ومقربيه في تبسة وقسنطينة، وعدم تعرضهم لشيء من طفولته في كتاباتهم.

تعليمه

مثلما تطرقنا في هذا المقال فقد عرفت الخيمة التي ولد فيها الشيخ العربي التبسي بخيمة القرآن الكريم، وهناك تمكن من حفظ القرآن الكريم على يد والده أولا، ثم على يد عمه عمار ثانيا وهو فتى دون سن العاشرة، وقد رأى عمه فيه علامات النجابة ومخايل الذكاء فتركه عهدة عند الشيخ الطيب بن الحفناوي الرشاشي الذي ينحدر من قرية زوي الواقعة بين بلدتي الشريعة وخنشلة، وهو شيخ الزاوية الرحمانية بها، وكان له الفضل في التربية والتعليم بالمنطقة، وقد أحبه الشيخ العربي التبسي وكان يذكره في دروس القرآن، وقد مكث سنتين كاملتين في زاوية أولاد رشاش بزوي، ليعود بعدها إلى دوار السطح وقد حفظ القرآن الكريم كاملا وسنه يقارب الثالثة عشر، وذلك أواخر سنة 1904م.

وبعد عودته إلى دوار السطح قرر الشيخ الطيب الرشاشي أخذ تلميذه معه إلى زاوية الخنقة المعروفة بزاوية خنقة سيدي ناجي أو بخنقة الليانة، القريبة من مدينة بسكرة، ومكث فيها مدة ست سنوات أتقن خلالها حفظ القرآن الكريم بالقراءة المغربية، وتعلم أيضا مبادئ العلوم العربية والدينية، وليظل بالزاوية طالبا للعلم إلى نهاية سنة 1909م، وفي زاوية الخنقة التي كانت تضم عددا من المساجد والمدارس والمصليات والزوايا، قرأ على يد الشيخين الفاضلين سيدي حامد مدرس الفقه والعربية، وسيدي سالم مدرس القراءات.

وبتوصية من أساتذته في زاوية الليانة انتقل ليزاول دراسته في زاوية سيدي مصطفى بن عزوز النفطي الجريدي الرحماني سنة 1910م بالجريد التونسي جنوبا، وبها حفظ متون العقيدة وعلم الكلام والمنطق والفقه وعلم الأصول واللغة العربية والأدب شعره ونره وبلاغته، فأتقن متونها من المكودي، والأجرومي، وابن عاشر، ومتن سيدي خليل، ودرس على يد كبار علماء الزاوية أمثال الشيخ الحداد والشيخ محمد بن أحمد النفزاوي والشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ التابعي بن الوادي، وغيرهم.

محتوى بعض الكتب التي درسها الشيخ العربي التبسي

من بين الكتب التي درسها الشيخ العربي التبسي هو كتاب متن إبن عاشر المسمى المرشد المعين على الضروري من علوم الدين، والذي كتبه العلامة عبد الواحد بن أحمد بن علي ابن عاشر الانصاري نسباً، الأندلسي أصلاً، المتوفي سنة 1040 هجري/ 1631 ميلادي، نشأ بفاس التي ولد بها سنة 990 هجري، وبها تلقى تعليمه، وقد ذكر الفضيلي أنه من حفدة الشيخ أبي العباس أحمد بن محمد بن محمد بن عمر ابن عاشر السلاوي المتوفي سنة 765 هجري، وقد تصدَّر للتدريس والمشيخة والخطابة، وشارك في جل العلوم وخصوصا في علم القراءات والرسم والضبط والنحو والإعراب وعلم الكلام والأصول والفقه. ويختص الكتاب بموضوع العقيدة الإسلامية وأصول الدين وعلم الكلام، في الفقه المالكي، وقد شرحه كل من: محمد ميارة، الطيب بن كيران، وابن المؤقت المراكشي، هذا الكتاب الذي يعد عبارة عن منظومة في أصول الدين على مذهب الإمام مالك ضمّت 317 بيتاً من بحر الرجز ذاع صيتها وتلقتها الأمة الإسلامية بالقبول حتى اعتبرت درَّة من دُرر الفقه المالكي.

إضافة إلى كتاب متن الأجُرّومِيَّة وهو كتاب في علم النحو ألفه أبي عبد الله محمد بن محمد بن داود الصنهاجي الشهير بإبن أجرّوم، بدأه بالكلام عن الكلام وأنواعه وتسلسل مع المواضيع بأسلوب بابتكره، سهل المنال للطالبين، ويعتبر من أهم متون النحو العربي ولأهميته البالغة فقد تصدي لشرحها جهابذة العلماء والنحاة قديما، وتدرس في جلّ جامعات اللغة والشريعة الإسلامية، وقد اعتمد عند أهل العلم وتداولوه بالحفظ والإقراء والتصنيف، عشرات الشروح والحواشي على هذا الكتاب الصغير، وهو اللبنة الأولى في هذا الفن العظيم الذي هو النحو، ويبين الكتاب أنواع الكلام وإعرابه، وقد عرض كل ذلك بإيجاز دون أن يكون ذلك على حساب الإيضاح، فبين فيه باب الإعراب، باب المعرفة، علامات الإعراب، ثم عقد فصلاّ في المعربات ثم ابتع ذلك بباب الأفعال، حيث بين أنواعها وأحوالها وإعراب كل حالة وانتقل إلى باب مرفوعات الأسماء ومن ثم باب الفاعل وباب المفعول وبعدها تناول باباً آخر في المبتدأ والخبر والعوامل الداخلة عليه، ومن ثم تحدث في أبواب لاحقة عن النعت والعطف والتوكيد والبدل والمتعديات من الأسماء والمفعول به والمصدر وظرف المكان والزمان، والحال والتمييز والاستثناء والمنادى والمفعول لأجله والمفعول معه ثم اختتم المتن بالمحفوظات من الأسماء.

انتقال الشيخ العربي التبسي للدراسة في جامع الزيتونة

كما أشرنا في الجزء الأول إلى انتقال الشيخ العربي التبسي إلى القطر التونسي لأجل طلب العلم في زوايا نفطة بالجريد التونسي، أين قضى ثلاث سنوات وبضعة شهور بزاوية نفطة ليعود بعدها إلى دوار السطح قنتيس خلال صيف سنة 1912م، بعد أن انتزع توصية من شيوخه في الزاوية تزكيه للالتحاق بالجامعة الزيتونية بتونس، نظرا لما رأوا فيه من مخايل الفطنة والنباهة والذكاء والاستقامة وحب العلم والإرادة في طلبه، وهو ما حصل له بالفعل ليجد نفسه طالبا في جامع الزيتونة، وقبل التطرق إلى الفترة التي قضاها في هذا الجامع والتي امتدت من سنة 1913 إلى غاية سنة 1919م لابد من التعريف به، وببعض أشهر الجزائريين الذين درسوا فيه.

لمحمة تاريخية عن جامع الزيتونة

يعتبر جامع الزيتونة من بين أقدم الجوامع التي بنيت في المغرب الإسلامي، باعتبار أن أول ماكان يقوم به الفاتحون أثناء عملية الفتح هو بناء مسجد ليكون أساسا للحكم والدين، ويعتقد أن عبد الله بن الحبحاب هو الذي  خط هذا الجامع لما كان واليا على إفريقيا مثلما يذكر العلامة عبد الرحمان بن خلدون في كتابه كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر -المجلد الخامس-، وهذا ما يذهب إليه إبن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ –المجلد الخامس-حيث يقول في هذا الصدد: “دخل عبد الله بن الحبحاب إفريقية سنة 735 هجري”، بينما هناك من يرى أن المسجد كان قد بني من قبل أي في عهد حسان بن النعمان على اعتبار أن السنة الأولى التي يقوم بها الفاتحون هي بناء المسجد الذي تنظم فيه حياة الناس السياسية والاجتماعية والدينية. ويقع جامع الزيتونة في قلب مدينة تونس القديمة، وقد ظلت الزيتونة على مر العصور مؤسسة دينية ثقافية لها هيبتها ترتبط بتاريخ تونس ومن هذا الجامع تخرج جموع من العلماء كآل نيفر وآل عاشور وآل بيرم ومن الزيتونة أيضا تخرج مختصون في الإفتاء، الفقه، التفسير، السير، الأصول، والآداب.

أسباب اختيار الطلبة الجزائريين الدارسة في جامع الزيتونة

كان القطر التونسي وجهة للطلبة الجزائريين الذين يريدون طلب العلم بعد الاحتلال الفرنسي للجزائر وما سببه من تدهور للوضع التعليمي والثقافي بها، وبعد أن سدت أمامهم أبواب المعرفة، وقد تخرج عدد من الطلبة الجزائريين من الزوايا وجامع الزيتونة والمعاهد التابعة له. وقد تحكمت مجموعة من الأسباب في اختيار الطلبة الجزائريين لهذه الوجهة يمكن حصرها فيما يلي: كانت البلاد التونسية مقصدا لطلبة العلم الجزائريين القاطنين في الشرق الجزائري والمنحدرين من الحواضر: تبسة، واد سوف، قسنطينة، بسكرة، سوق أهراس، عنابة، وحتى بجاية وبلاد ميزاب ويعود هذا لقربها من هاته المناطق، وللشهرة التي أخذتها منذ العهد الحفصي حيث انتقل الثقل العلمي إلى تونس بعد إنشاء المدارس والجوامع، وتكاثر المدارس الأخرى بها. إضافة إلى أن المجال الجغرافي كان مفتوحا بين الأقطار المغاربية الثلاثة فلم يجد الطلبة صعوبات في التنقل بين هاته البلدان، خصوصا وأنها كانت تخضع لسيطرة استعمارية فرنسية مشتركة، وهذا ما ساهم في حركية طلاب العلم والتجار الذين كانوا يتنقلون إليها في القوافل. وذاع صيت التعليم في القطر التونسي في أوساط الطلبة الجزائريين الذين تفوق كثير منهم هناك خلال فترات زمنية سابقة في مجالات الفقه، الفلسفة، الشعر، علم الحديث، القضاء، المنطق والفقه، خصوصا في فترة القرنين الثالث عشر والرابع عشر ميلادي ومن بين أهم الطلبة الجزائريين الذين أصبحوا أساتذة ومدرسين في الجوامع التونسية نذكر: “إبراهيم بن يخلف التنسي، عبد المنعم الغساني الفقيه، عبد الوهاب بن عبد القادر البجائي، عبد الرحمان الأوصولي، عبد الرحمان الشاطبي، ومحمد بن قريون، حتى أن بعضهم تولى الإمامة بالزيتونة لفترة طويلة أمثال أبو القاسم الغبريني ومحمد بن بلقاسم الأنصاري”.

أشهر الطلبة الجزائريين الذين زاولوا دراستهم في جامع الزيتونة

من بين الطلبة الجزائريين الذين زاولوا دراستهم بجامع الزيتونة وأصبح لهم دور كبير في الجزائر نذكر: صالح بن مهنة، محمد المكي بن عزوز، محمد التوهامي شطة، الحنفي عاشور، بن سماية عبد الحليم، حسين بولحبال، عبد الحميد بن باديس، مبارك الميلي، مامي إسماعيل، الزاهري محمد السعيد، العربي التبسي، أطفيش إبراهيم، أبو اليقضان، رمضان حمود، مفدي زكرياء، هواري بومدين.

التحاق الشيخ العربي التبسي بجامع الزيتونة

التحق العربي بجامع الزيتونة بتوصية من شيوخه النفطيين الجريديين الرحمانيين أواخر سنة 1913م وانضم إلى طلبته فنال شهادة الأهلية سنة 1915م بعد سنتين من الدراسة والتحصيل، ثم نال شهادة التحصيل سنة 1917م، واستمر في دراسته لينال بعدها شهادة التطويع التي تركها سنة 1919م بسبب هجرته إلى مصر، ولينالها عام 1927م بعد عودته من مصر ودراسته بجامعة الأزهر وليحمل العالميتين (عالمية الأزهر الخاصة بالغرباء سنة 1925م، وعالمية الأزهر الكبرى سنة 1927م).

وهكذا ينال الشيخ من جامع الزيتونة شهاداته العلمية الثلاث: الأهلية سنة 1915م، التحصيل 1917م، والتطويع سنة 1927م. وكان الشيخ العربي قد انتخب من قبل زملائه الجزائريين في الدراسة في جامع الزيتونة ليشغل لهم منصب الكاتب العام لجمعية الطلبة الجزائريين الزيتونيين خلال سنوات 1914-1919م، ومن زملائه الذين درس معهم الشيخ مبارك الميلي، ومحمد السعيد الزاهري السنوسي، وقد تأثر في تلك الفترة بالنشاط الفكري والثقافي واللغوي والأدبي والإعلامي والسياسي بتونس، وأصبح من المناصرين الأوائل للزعيم عبد العزيز الثعالبي، ومن رواد الحافل السياسية والعلمية والأدبية والفكرية ولا سيما الندوات التي تقيمها المدرسة الخلدونية والمدرسة الصادقية.

بعض المشايخ الذين درسوا الشيخ العربي التبسي

خلال تواجده في جامع الزيتونة درس الشيخ العربي في جامع الزيتونة على يد أكبار شيوخه أمثال: الشيخ سالم بوحاجب، وعثمان بن الخوجة ومحمد بن يوسف وبلحسن النجار والصادق النيفر والبشير النيفر ومحمد بن بن شعبان والطيب اسيالة ومعاوية التميمي ومحمد الطاهر بن عاشور وعمر بن حمدان المحرشي التونسي المدني ومحمد الطاهر الشابي ومحمد وعبد العزيز جعيط وعثمان بن المكي التوزري ومحمد النخلي القيرواني وحمودة بن تاج، وغيرهم وهم الذين أجازوه في دفتره العلمي ووقعوا له بالإجازة.

أهم المؤلفات العلمية التي درس عليها في جامع الزيتونة

من بين المؤلفات التي درسها الشيخ العربي التبسي خلال الفترة التي قضاها طالبا في جامع الزيتونة نذكر الكتب التالية: “شرح الجمع، شرح منظومة العوام، شرح الرحبية، شرح الجوهرة، السلم المرونق في علم المنطق، شرح الخلاصة، شرح الحلل، شرح نهج البردة، شرح الشافية، شرح بلوغ المرام، شرح الدرة، شرح الفطر، شرح المكودي على الألفية، الموطأ، شرح الكفاية، تفسير البيضاوي، شرح سيدي خليل، المقاصد، شرح جمع الجوامع، المقولات الخمس، الحماسة، شرح سيدي خالد، مسند الامام مسلم، فتح الباري على صحيح البخاري، قطف الثمر الداني”، بالإضافة إلى دراسته لعلوم المنطق والتوحيد والقراءات والفقه والأصول والسيرة والحديث واللغة والأدب والإنشاء والحساب والتاريخ والجغرافيا.

انتقاله إلى جامع الأزهر الشريف في الأراضي المصرية

في أواخر سنة 1919م انتقل الشيخ العربي التبسي من القطر التونسي إلى الأراضي المصرية، وكان في تلك الفترة مقبلا على احتياز امتحان شهادة التطويع العالية بجامع الزيتونة، والتي كانت خاتمة لمشواره الدراسي هناك، وقد سافر على متن باخرة تجارية فرنسية متجهة إلى مصر، بعد إن اختفى في إحدى مقصوراتها، وبمجرد وصولها إلى ميناء الإسكندرية نزل متخفيا، ولم يكن يحمل من النقود شيئا، ليلتحق بالجامع الأزهر برواق الطلبة المغاربة الذين كانوا يعيشون من بر وأموال أوقاف المسلمين الجزائريين ومن الخيرين بمصر، وقد لاقى من شيخ الرواق والمسؤول عنه من سائر إخوانه الجزائريين والمغاربة الترحاب الكبير، مما ساعده على الإقبال بانتظام في سلك الدراسة، التي فاق فيها أقرانه المغاربة والمشارقة من الطلبة المسلمين.

الأسباب التي دفعت العربي التبسي إلى الانتقال صوب مصر

توافرت مجموعة من الأسباب التي دفعت الشيخ العربي التبسي للسفر من القطر التونسي إلى الأراضي المصرية لأجل مزاولة دراسته في جامع الأزهر الشريف ويمكن التعريج عن أهم هذه الأسباب فيما يأتي: الأوضاع القمعية التي عاشتها تونس والجزائر خلال فترة الحرب العالمية الأولى، خصوصا المضايقات التي تعرض لها زعيم النهضة التونسية الحديثة الشيخ عبد العزيز الثعالبي الذي كان مصدر إلهام للشيخ العربي التبسي، لم تكن سنة 1919م سنة مليئة بالأفراح في حياة الشيخ العربي التبسي حيث توفيت في هذه السنة والدته أمنة فرحات، حيث كان وخلال فترة تواجده في تونس يعود لدوار السطح لأجل أن يطمئن على أحوالها وظروفها وظروف الأسرة ككل، وأيضا كان الشيخ العربي التبسي محبا للعلم فزادت رغبته في طلب المزيد منه في جامع الأزهر الشريف، وقد وجد فرصة مواتية للسفر لمصر فلم يتوان في استغلالها لتحقيق أهدافه التي يسعى إليها، خصوصا بعد ما سمعه عن تفوق وتقدم مصر وعلمائها وعن حركية النهضة فيها.

اتصال الشيخ العربي التبسي بالسيد محمد رشيد رضا

استغل الشيخ العربي التبسي الفترة التي تواجد بها في الأراضي المصرية لأجل أن يتصل بالسيد محمد رشيد رضا الذي أسس جريدة المنار في شهر مارس 1898م والذي حرص على أن تُعنى إلى الإصلاح الديني والاجتماعي للأمة، وإبطال الشبهات الواردة على الإسلام وتفنيد ما يعزى إليه من الخرافات، وقد توطدت العلاقة بين الرجلين وظل محمد رشيد رضا يرسل جريدة المنار إلى الشيخ العربي التبسي بعد عودته إلى الجزائر إلى حين توقفها. وقد أتصل أيضا بالكتاب والأدباء والعلماء والفقهاء والمصلحين والسياسيين، وكما أنه كان يحضر جلسات الأربعاء للأديب طه حسين ومسامرات العقاد والمازني، وأحمد حسن الزيات، كما سمع لشوقي وحافظ إبراهيم، وعلي الجازم وغيرهم، وتتبع تحركات الزعيم المصري سعد زغلول باشا.

أهم مشايخ جامع الأزهر الذين درسوا الشيخ العربي التبسي

درس الشيخ العربي التبسي في جامع الأزهر على يد العديد من المشايخ أهمهم: الشيخ يوسف الدجوي، الشيخ عبد الوهاب النجار، ومصطفى المراغي، ومحمد شاكر، وعبد الرحمان قراعة وحسنين مخلوف وحسين والي وسيد المرصفي، وغيرهم، وبجامع الأزهر درس كل العلوم الشرعية ومتون اللغة العربية، والبلاغة وشروحها، الفقه وأمهاته، وعلم التفسير ومدارسه، والحديث وجرحه وتعديله، والمنطق وعلم الكلام والتوحيد والتاريخ.

نشاطه في الأراضي المصرية

كتب الشيخ العربي التبسي مجموعة من المقالات خلال فترة تواجده في الأراضي المصرية ركز فيها جهوده للحديث عن الأوضاع التي كانت تعشيها الجزائر، ونشرت هذه المقالات في صحف المقطم واللواء والمؤيد المصرية، وفي سنة 1925م تخرج من جامع الأزهر وهو يحمل شهادته العالمية الخاصة بالغرباء، ولم يكتف  بها بل تحصل أيضا على الشهادة العالمية الكبرى سنة 1927م متبحرا في العلوم العربية والدينية والواقعية، ليلتحق بالجزائر التي دخلها من تونس خلال أواخر شهر سبتمبر 1927م، لتبدأ مسيرة أخرى في حياة الشيخ العربي التبسي تميزت بنشاط إصلاحي وتربوي وتعليمي مكثف.

لا تعليقات

اترك تعليق

آخر التغريدات:

    Message: Invalid or expired token., Please check your Twitter Authentication Data or internet connection.
%d مدونون معجبون بهذه: