بيت الأمة الجزائرية

بقلم: محمد الهادي الحسني -

أطلقت على "نادي الترقي" عدة أوصاف، ولكن أصدقها وأدقها في رأيي هو الوصف الذي أطلقه عليه الإمام محمد البشير الإبراهيمي، حيث سماه "بيت الأمة الجزائرية" و"معقل الأمة". (آثار الإمام الإبراهيمي ج1 ص 261 وص 274).

لقد أسست – قبل تأسيس نادي الترقي وبعده – عدة نواد في شرق البلاد وغربها وجنوبها، ولكن لم يحرز أحد من تلك النوادي ما أحرزه نادي الترقي من شهرة ومن صيت، كما لم يكن لأحدها ما كان لنادي الترقي من تأثير على حياة الجزائريين في كثير من المجالات. وقد تجاوزت شهرة هذا النادي حدود الجزائر إلى خارجها، وذلك بسبب ما عرفه هذا النادي من حوادث، وبسبب من كان ينشط فيه من علماء وشعراء..

لم يكن الجزائريون – خاصة سكان مدينة الجزائر– يجدون مكانا يجتمعون فيه، يناقشون فيه أمورهم، ويتحدثون فيه عن شؤونهم، ويطرحون فيه قضاياهم حتى هدى الله بعضهم لتأسيس هذا النادي، الذي لم يلبث أن صار هو محرك الحياة الدينية، والسياسية، والأدبية، والاجتماعية، وحتى الرياضية.. لقد زار الإمام محمد عبده الجزائر في 1903، فلم يجد مكانا لائقا يلتقي فيه مع علماء الجزائر ومثقفيها، فكان يلتقيهم في بعض بيوت سراتهم، كبيت الإمام عبد الحليم ابن سماية، وزار بعده الشيخ محمد الأخضر حسين الجزائر فكان يلتقي بعض علمائها في المتاجر.. كما زارها الشاعر الكبير أحمد شوقي فكأنه مازارها، وزارها محمد فريد الزعيم المصري، خليفة الزعيم مصطفى كامل فلم يكن لزيارته أي صدى...ولا شك أن من أسباب ذلك خلو الجزائر – خاصة عاصمتها – من ناد ثقافي، يجمع نخبتها، ويعالج قضاياها... لقد أجمع الذين كتبوا عن الجزائر في عقد الثلاثينيات على أن "نادي الترقي" كان يعج بالحركة، وكان هو المحرك والموجه لنشاط الجزائريين في شتى المجالات منذ تأسيسه في جويلية 1927 إلى قيام الحرب العالمية الثانية – لقد انزعجت فرنسا من نشاط "نادي الترقي" والنوادي ذات النزعة الوطنية – دينيا وسياسيا – ففكرت وقدرت، ثم قررت إصدار تعليمة تمنع بموجبها تلك النوادي من بيع المشروبات – القهوة والشاي – لصد الناس عنها، ولحرمانها من مدخول مالي يضمن تسييرها وبقاءها.. خاصة أن أغلب تلك النوادي وأهمها وأكثرها نشاطا وتأثيرا في الجزائريين إنما هي النوادي ذات التوجه الإصلاحي دينيا، الاستقلالي سياسيا، وأنها "أماكن للمقاومة الإسلامية للتوسع الفرنسي". (الوناس الحواس: نادي الترقي ودوره في الحركة الوطنية الجزائرية. ص 117، وظهر أثر نادي الترقي في الناس وأثر منشطه – الشيخ الطيب العقبي- في أولئك المنحرفين – خاصة من الشبان وعمال الميناء، حيث هجروا الفواحش، والانحراف و"أصبحوا الجُند الواقي لحركته، حتى أسماهم العقبي بالجيش الأزرق". (أحمد مريوش: الشيخ الطيب العقبي... ص 130)، وكان من أبرزهم محمد نافع الذي بعدما نضج وعيه، وتخلص من المراهقة الفكرية والسياسية، صار من أشد أنصار الشيخ العقبي وأخلص أتباعه فأطلق عليه لقب "الحاج موسكو"، تذكيرا بتوجهه الشيوعي السابق. لقد عرف نادي الترقي عدة حوادث، كان لها أثرها في تاريخ الجزائر الحديث، وأهم هذه الحوادث هي:

* تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وكانت تعقد فيه اجتماعاتها، ويلقي فيه أعضاؤها محاضراتهم، ودروسهم، وقصائدهم – واستمرت الحال كذلك إلى قيام الحرب العالمية الثانية وخروج الشيخ العقبي من الجمعية مع بقائه مسيطرا على النادي وجماعته، فاضطرت الجمعية – بعد عودتها إلى النشاط – لشراء مركز خاص بها في عهد الإمام الإبراهيمي..

* تأسيس "المؤتمر الإسلامي" الذي ضم أهم التيارات السياسية الموجودة في الجزائر، وهو أول تجمع سياسي لأكثر الجزائريين، وإن كانت مطالبه لا ترقى إلى ما يتطلع إليه الجزائريون، فأثمرت فرنسا بمكر لإجهاض هذا التجمع، فاغتالت مفتي الجزائر(كحول) واتهمت رمز نادي الترقي الشيخ العقبي وعباس التركي وجمعية العلماء.. وغلقت النادي حتى زهق الباطل، وعاد النادي إلى سيرته من النشاط...

* القرار السيادي برفض جمعية العلماء إرسال برقية تأييد لفرنسا عشية الحرب العالمية الثانية رغم المحاولات التي بذلتها فرنسا، وهي محاولات ظاهرها فيه "الرحمة"، وباطنها من قِبله الخسّة وعدم المروءة، لأن فرنسا لا تستحق أن يقف معها الشرفاء، ويكفي أن يكون بجانبها الأراذل، و"الطيور على أشكالها تقع"..

* تأسيس لجنة مساندة فلسطين، رغم ما كانت تعانيه الجزائر تحت الطغيان الفرنسي، ولكن تطبيقا للمبدأ الإسلامي "مَن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم"، كما جاء في حديث رسول الله، عليه الصلاة السلام.

ومن المترددين على النادي والمتأثرين بأفكاره الشهيد محمد بوراس، مؤسس الكشافة الإسلامية الجزائرية، التي أسست على تقوى من الله.. ثم أصابها ما أصابها..

لو كان القائمون على أمر هذا البلد على شيء لسارعوا إلى إحياء مثل هذه الأماكن التي لها علاقة بملحمة الشعب الجزائري والحفاظ عليها، ولكن مادامت الأمور "كما نعرفها" فلا نملك إلا التذكير عسى أن ينتفع المؤمنون، ويأتي الله بقوم يحبونه ويحبون الجزائر.. ويعيدونها سيرتها الأولى مسلمة العقيدة، "عربية الوجه واليد واللسان"، بعدما:

ظهرت في هذه البلاد *** طائفة البلع والازدراد

كما قال سيدي عبد الرحمان الأخضري.

لا تعليقات

اترك تعليق

آخر التغريدات: