محمد رفعت الفنيش يروي بعض ذكرياته مع مالك بن بني: عاش بسيطا ومات فقيرا وكان مولعا بالموسيقى الهندية

حوار: زهية منصر-

الدكتور محمد رفعت الفنيش خبير دولي في الاقتصاد، مقيم منذ سنوات في واشنطن، حيث اشتغل في البنك الدولي لسنوات، يعد من المقربين جدا من المفكر الراحل مالك بن نبي، حيث لازمه في القاهرة خلال سنوات 1958 ـ 1960، وصاحبه في رحلاته إلى سوريا ولبنان سنة 1959، كما استقبله في 1971.

من ينفي عن بن نبي خدمة الثورة الجزائرية فهو واهم

وقد تبادل الرجلين رسائل تكشف عن عمق العلاقة التي قال عنها بن بني في مذكراته "محمد رفعت أحد تلاميذي بليبيا ومن أكثر من أمن لهم مشاعر الأبوة".

وقد كشف الأستاذ الفنيش عن اهتمام الطلبة الأمركيين بفكر مالك بن نبي، وقد لمس هذا في عدة مناسبات منها آخر محاضرة ألقاها حول فكر بن نبي على طلبة الماجستير والدكتوراه في إحدى الجامعات الأمريكية بإشراف وزارة الخارجية الأمريكية. وفي هذا الحوار يعود بنا الدكتور محمد رفعت الفنيش إلى بعض ذكرياته عن مالك الفيلسوف ومالك الإنسان.

كنت أحد المقربيت جدا من الراحل مالك بن نبي عل يمكنك أن تعود بنا إلى بداية تلك العلاقة؟

هي قصة طويلة تعود إلى عام 1956 عندما كنت طالبا في كلية التجارة بجامعة القاهرة. حيث اطلعت ذات يوم على مقال في مجلة “روز اليوسف” في عددها 1461 الصادر في جوان 1956 مقالا للأديب المصري إحسان عبد القدوس بعنوان “الاستعمار في نفوسنا!” لخص فيه “الحديث الفلسفي الممتع" الذي دار بينه وبين المفكر الجزائري مالك بن نبي.

فأدركت يومها قيمة هذا الرجل الذي بدا لي كلامه غير معهود، حيث كان ذكيا في الإشارة إلى ظاهرة هي بحد ذاتها أخطر من الاستعمار، ألا وهي القابلية للاستعمار، وهذا في الوقت الذي انكب فيه المفكرون العرب يومها على معالجة ظاهرة الاستعمار، فقلت يجب أن أتعرف على هذا الرجل الذي لم يخرج من الجامعة المصرية، فبحثت عنه في الأحياء الراقية في القاهرة، لكني اكتشفت أنه يسكن في أحياء الطلبة في الدقي والمعادي، ويتقاسم معهم متاعب الحياة. فبقدر ما كان كبيرا وعملاقا بأفكاره وبأخلاقه. كانت حياته بسيطة ومتواضعة جدا، فزرته أول مرة رفقة طالب تونسي يدعى محمد القيوني، ثم تعددت الزيارات إلي كثيرا قبل أن نسكن معا بالمعادي خلال سنتي 1957-1958 .

لنعد قليلا إلى الجو الفكري الذي عاش فيه بن نبي في القاهرة خاصة وأنه غادر الجزائر هروبا من الضغوطات وبحثا عن أفق أوسع بمصر..

في مصر تشكلت حول مالك بن نبي حلقة ضمّت مجموعة من الطلبة العرب والمسلمين منهم عمر كامل مسقاوي، عبد السلام الهراس، الطيب الشريف، بلقاسم بغدادي، عبد الصبور شاهين، صبحي صالح، عمار طالبي، عبد الرحمان الغرفي… وغيرهم. فكانت النواة التي شكلت فيما بعد ندوة أو حلقة مالك بن نبي بالقاهرة ثم الجزائر لاحقا، حيث كان هذا المفكر العملاق يطرح قضايا بشكل مختلف، ويعالج أفكارا لم يسبقه إليها أحد، فكان أن تعاون مع مسقاوي وشاهين على ترجمة كتبه إلى اللغة العربية. حيث كان يراجع بنفسه الترجمات لأن شاهين لم يكن متمكنا من اللغة الفرنسية بطريقة تمكنه من ترجمة ونقل كل أفكار بن نبي دون خطأ.

وقد ساهمت شخصيا في ترجمة كتاب "لظاهرة القرآنية" فكنت أنتقل إلى السويس حيث كان يشتغل مدرسا في المدرسة الإعدادية وحيث كان بن نبي يطلع على الترجمات ويصححها بنفسه.

برغم ما كانت تمثله مصر يومها كمركز لحركة الثقافة والفكر العربي، لكن بن نبي لم يجد مكانه هناك لماذا؟

كانت صلات بن نبي بالنخبة المصرية محدودة في البداية، حيث لم يختلط بالأسماء المعروفة ولم تدرك هي قيمة هذا الرجل. لكنه دأب على ندوة العالم المصري من أصول جزائرية الأستاذ محمود شاكر، والتي كانت تضم بعض أعلام الثقافة المصرية والعربية مثل ناصر الدين الأسد، الذي أصبح فيما بعد رئيسا لمجمع اللغة العربية بالأردن، وعبد الله التل الفلسطيني، والكاتب الفلسطيني إحسان عباس. الذي تحدث في مذكراته عن هذه الندوة التي ضمت أيضا المناضل المغربي علال الفاسي والزعيم التونسي صالح بن يوسف أثناء وجودهما بالقاهرة. وكثيرا ما ذكر مالك بن نبي فضل الأستاذ شاكر عليه، حيث ذكر في إحدى حواراته أنه جسن لغته العربية على يد الأستاذ شاكر.

كانت لكم أيضا رحلات مع الأستاذ بن نبي، هل لكم أن تعودوا بنا إلى بعض أجوائها؟

رافقته في رحلته الأولى إلى سوريا ولبنان في عام 1959، حيث ألقى محاضرة في نادي الطلبة المغاربة في دمشق عن “رسالة المسلمين إلى العالم”. ثم توّجهنا إلى طرابلس وبيروت أين قدم مالك مجموعة محاضرات، بالعربية والفرنسية حاول فيها الإجابة عن السؤال “كيف نبني مجتمعا أفضل؟”، وتطرق فيها إلى منطق المشكلات وعوائق النهوض. فكانت له حظوة عند مثقفي وعلماء بيروت وطرابلس، حيث استضافته جمعية التوحيد، وجمعية المقاصد، وجمعية عباد الرحمان. وهي ذاتها الجمعية التي آزرت الفضيل الورتلاني في محنته، وجمعت آثاره وأصدرتها في كتاب بعنوان: “الجزائر الثائرة".

عند الحديث عن فكر مالك بن نبي هناك من انتقده لأنه لم يقدم شيئا للثورة الجزائرية؟

وماذا كان يريد هؤلاء من مالك بن نبي أن يقدم للثورة أكثر مما قدم، هذه كلها ادعاءات، فقد عشت معه منذ ستة وخمسين، وتبادلنا رسائل سأسلمها لاحقا إلى الأرشيف الوطني الجزائري، تكشف أن مالك كرّس حياته لقضايا العالم العربي والجزائر خاصة، ولم تكن له قضية خاصة أقول هذا الكلام، وقد عرفت الرجل عن قرب عاش بسيطا، ومات فقيرا وقد أسميت ابني مالك تقديرا له، وكان لدى مروره من طرابلس أين حاضر في بنغازي والبيضاء، في الجامعة الإسلامية، ونادي الشباب العربي التقدمي، والبرلمان. وتعرف هناك على المثقفين الليبيين منهم الشيخ محمود صبحي ومنصور بن المحجوب ومبروك بن المحجوب، كما اتصل بمسؤولي مكتب جبهة التحرير الوطني بليبيا منهم الدكتور لمين الدباغين. كما اجتمع بالسياسيين الليبيين في العهد الملكي، وفي العهد الجماهيري. وقد كانت لي معه أحاديث في الإذاعة الليبية التي أشرفت عليها آنذاك. ولا أعلم مصيرها إلى اليوم.

حدثت لكم قصة طريفة في الزواج فأنت من زوجته للمرة الثانية، وهو الذي زوجك كيف حدث هذا؟

نعم أنا من زوّجته من سيدة جزائرية جاءت إلى طرابلس عن طريق تونس إبان الثورة رفقة أخويها، اقترح مالك في البداية أن نعقد القران ونرسل له زوجته إلى القاهرة، لكنه فجأة غيّر رأيه وقدم إلى طرابلس للمرة الثانية في جانفي1961، وحضرت شخصيا حفل زواجه ومكث معنا أياما قبل أن يعود إلى القاهرة. فرد لي الجميل بأن كان وكيلي في الزواج، حيث حضر بدوره زواجي في طرابلس في ديسمبر 1962 وأسميت بعدها ابني مالك على اسمه.

لكن هناك من لامه على الزواج من فرنسية؟

وهل هناك في الإسلام ما يمنع هذا، هذه السيدة أسلمت قبل أن يتزوجها بن نبي، وقد كرست حياتها له وجاهدت معه، وأخلصت له وأخلص لها بدوره وقد أسماها خديجة، وبقي وفيا لها، وأعاد الزواج مرة أخرى لأنها كانت مقعدة، ولم يطلقها، لكن بقيت على ذمته، وكان يزورها ويحسن إليها إلى حين رحيلها.

نعرف الكثير عن بني نبي المفكر فماذا عن الإنسان؟

مالك الإنسان كان حريصا على أفكاره دقيقا ومنظما وصاحب ذوق رفيع، كان مولعا بالموسيقى، خاصة الموسيقى الهندية، فكان إنسان بمعنى الكلمة، نقيا تقيا بدون تعصب، يصلي، وحج أكثر من مرة، كان يركز كثيرا على الواجبات لأن الحق في النهاية نتيجة حتمية للواجب مصداقا لقوله تعالى: ”لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”. كان مالك ينظر إلى هذه الآية لا كقول للتبرك، لكن كقانون تاريخي يعني غيّر نفسك تغير التاريخ فالتغيير النفسي يسبق عند بن نبي التغيير الاجتماعي والاقتصادي، كان يمثل بحق مدرسة فكرية قائمة بذاتها، هو رجل تقي نقي ينظر بفراسة المؤمن... كان يجمع بين روحانية الصوفي فقلبه معلق بالآخرة، وحماس الداعية – عاش لنهضة الجزائر والعالم الإسلامي- وصرامة ودقة المهندس بمنطقة الرياضي فقد كان رجلا سبق زمانه.

في سياق الحديث عن التغيير عن مالك بن نبي وبصفتكم خبيرا اقتصاديا ما رأيكم في من يُرجع حراك الشارع العربي إلى أجندة اقتصادية غربية؟

الأجندة الغربية كانت دائما موجودة طالما هناك مصالح وحسابات أجنبية في الأقطار العربية، وهذا كله معروف لكن ماذا فعلنا نحن حتى نقف في وجه تحقيق هذه الأجندات، فيجب أن نتوقف عن لوم الآخرين ونبحث عن طريقة نخدم بها نحن مصالحنا، وكيف ندافع عنها أي كيف نقوم نحن بواجباتنا، ذلك ما ركز عليه مالك بن نبي وما كان سيدعوا إليه لو بقي حيا.

هل يعني هذا أنكم تساندون من يرفعون اليوم شعار الإسلام هو الحل؟

لا، لا أعني هذا، ولكني أقول إن التيارات الإسلامية التي طالما رفعت شعار الإسلام هو الحل هي اليوم أمام تحد كبير لتطبيق على أرض الواقع ما رفعته كشعارات، وأعتقد أن هذه التيارات اليوم مدعوة لإعادة النظر في سيرة الرسول والبحث عن تحقيق مشاريع فوق الأرض وليس البحث عن الحنة في السماء.


المصدر: الشروق اليومي: 14/12/2011

لا تعليقات

اترك تعليق

آخر التغريدات:

    Message: Invalid or expired token., Please check your Twitter Authentication Data or internet connection.