عبد اللطيف سلطاني الشيخ الإمام المصلح

بقلم: محمد الطيب-

عبد اللطيف بن علي بن أحمد بن محمد سلطاني القنطري الجزائري، ولد الشيخ بالقنطرة ببسكرة يوم الأحد 8 جوان 1902م (1320هـ).

قتل والده وعمره سنتان وثمانية شهور، فواصلت مسؤولية تربيته وإخوته أمه السيدة عيشوش بنت أحمد ابن الصغير، وكانت محفزة له على التعلم وطلب العلم، انتقل في 1916 إلى سيدي عقبة فحفظ بعضا من القرآن الكريم، ثم انتقل إلى زاوية الشيخ علي بن عمر ابن الشيخ علي بن عثمان بطولقة، فيها قرأ والده وإخوته، فأتم بها حفظ القرآن، بعد ذلك التحق بجامع الزيتونة سنة 1922، فتتلمذ على أيدي الشيوخ الكبار كأحمد بيرم، محمد الطاهر بن عاشور، محمد رضوان وصالح المالقي حتى تحصل على شهادة التطويع سنة 1929.

كان الشيخ عضوا عاملا بالجمعية منذ تأسيسها، ثم انتخب في 1936 عضوا إداريا في المجلس الإداري، وبعد تأسيس معهد الشيخ بن باديس بقسنطينة في 1947 عين مدرسا به، ثم ناظرا لمساعدة مديره الشيخ العربي التبسي، وفي سبتمبر 1956 عين أمينا للمال في إدارة الجمعية ومديرا لمركزها في الجزائر، قال حينها الإمام البشير الإبراهيمي: "رأيت كرئيس لجنة الإفتاء الشرعي توسيع دائرة اللجنة بزيادة أعضائها، فزاد خمسة من العلماء المشهود لهم بسعة الإطلاع وحسن الإدراك لحوادث العصر وهم المشايخ: عبد اللطيف القنطري خطيب جامع كيتشاوة بالعاصمة، أحمد سحنون خطيب الجامع الكبير بالعاصمة، نعيم النعيمي مفتش الأوقاف بقسنطينة وأحوازها، مصطفى الفخار مفتي المدية في العقود التالية، والفضيل اسكندر الإمام والمدرس بالمدية، وكل منهم مشهور بالذكاء واستحضار النوازل وبالبراعة في تنزيل الأحكام الشرعية على النوازل الفقهية".

تولى إمامة مسجد العناصر (الرويسو) بعد تمام بنائه منذ 10 أوت 1954 إلى 22 جويلية 1960، ثم انتقل إلى جامع صلامبي (المدنية) وذلك في الفترة ما بين (1960-1962)، بعد اندلاع الثورة طلبت منه "لجنة التنسيق والتنفيذ" المسيرة لها في العاصمة، أن يتولى جمع المال لها من أبناء الوطن المخلصين، فقام بذلك، مع الدعوة لها في المسجد "الرويسو" الذي كان يأم فيه، وفي جوان 1956، طلبت منه اللجنة أن يسمح لها بعقد اجتماعاتها في منزله فلبى ذلك على خطورته الشديدة لكونه يسكن في حي أكثر سكانه أوربيون، فكانت تلك اللجنة تعقد اجتماعاتها في منزله، بإشراف البطل الشهيد عبان رمضان، مع السادة بن يوسف بن خدة، وتمام عبد المالك، وإبراهيم شرقي وغيرهم، وله مسار طويل عريض في ميدان الكفاح الثوري ساقه في مذكراته.

بعد تحرير البلاد، عرض عليه وزير الأوقاف الأول، الشيخ أحمد توفيق المدني، أن يتولى الإمامة الأولى والخطابة في جامع كتشاوة بالعاصمة، بعد تحريره من قبضة المستعمر الذي كان حوله إلى كنيسة (كتدرائية) بعد احتلاله للوطن، فلبى العرض، وبدأ الصلاة والخطابة فيه مع دروس الوعظ وصلاة الجمعة، وأول صلاة صلاها فيه كانت صلاة عيد الفطر في 24 فبراير 1963، ويتحدث عن هذه الفترة فيقول: "فسلكت فيه ذلك المسلك المعروف مني، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بصراحتي المعروفة عني، من غير مجاملة ولا تملق على حساب الدين والأخلاق، فلم يعجب هذا السلوك مني رئيس الدولة، السيد بن بلة، حيث عارضته في قضية خروج المرأة إلى الشارع، بدون التقيد بالآداب الإسلامية التي كانت تتحلى بها المرأة الجزائرية المثالية، فقد دعاها إلى ذلك ورغبها فيه، وحثها عليه في خطاب ألقاه من شرفة نادي "الترقي" في العاصمة يوم 23 مارس 1965، فأحدث بهذا ثلمة كبيرة في بناء الأسرة، فتصدع الحصن الحصين، وانتشرت الرذيلة، وماتت الفضيلة، وكثر فراق الزوجات لبيوت الزوجية، وهروب الأزواج عن زوجاتهم وأولادهم، وخربت البيوت العامرة، فهل يليق السكوت في مثل هذه الحالة!؟"، فعارضته أنا بخطبة يوم الجمعة 26 مارس 1965 وكان موضوعها (المرأة ومكانتها في الإسلام)، وكانت مذاعة بواسطة الإذاعة الجزائرية، فغضب، أو "أغضب"، واستدعاني إلى قصر الحكومة يوم الخميس فاتح أفريل 1965، فقابلني وزيره لدى الرئاسة، السيد عبد الرحمان الشريف، وأبلغني غضب الرئيس من خطبتي يوم الجمعة، وقال لي: يقول لك الرئيس: إن كان ما صدر منك عن هفوة أو سبق لسان فإني أرجو أن لا يتكرر، فقلت له: أبلغه عني أني تعمدت ما قلته عن قصد، وأتحمل مسؤوليته، ولا أسكت عن كل أحد أراد فساد أخلاقنا، أو محاربة ديننا كائنا من كان، ولازلت أزيد. ولما أبلغه عني هذا أبعدني ـ بواسطة وزير الأوقاف في ذلك الوقت السيد التجاني الهدام ـ عن الخطبة والصلاة فيه، ابتداء من يوم الجمعة 6 أفريل 1965م، برسالة من وزارة الأوقاف في اليوم الموالي وبإمضاء كاتبها العام، السيد الطاهر التجيني، ولم تمض عليه في الرئاسة إلا مدة يسيرة، وأطيح به عن منصبه بواسطة هواري بومدين ومن معه، طلب مني نفس الوزير الذي كان بواسطته إبعادي العودة إلى الجامع، فعدت إليه في 2 جويلية 1965، وكنت متطوعا بالصلاة فيه من يوم التحاقي بالتعليم في سبتمبر 1964".

وبعد التحاقه بسلك التعليم في 1964، عمل سنتين في ثانوية "حسيبة ابن بوعلي" للإناث في القبة، ثم انتقل ـ بطلب منه ـ إلى ثانوية الإدريسي للذكور خاصة، وهي في ساحة أول ماي بالجزائر، وبقي يعلم فيها إلى أن بلغ سن التقاعد والإحالة على المعاش، فناله بداية من أول جانفي 1971، وتولى إمامة صلاة الجمعة في جامع ابن فارس بحي القصبة بعد ترميمه وإصلاحه والتزم ـ متطوعا ـ بذلك من وقت افتتاحه في 1966 حتى جمعة 1971، وكان قد أدى فريضة الحج سنة 1968، حضر المؤتمر العالمي لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة بدعوة من رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة المنعقد بين 12 فبراير إلى 17 سنة 1977، التقى هناك في تلك سنة بالشيخ الألباني، فتحدث معه على قضايا الأمة، ومنه عن التأليف كوسيلة للتوجيه والإرشاد، وقد ألف عدة كتب منها: "سهام الإسلام، المزدكية هي أصل الاشتراكية، في سبيل العقيدة الإسلامية، مذكراته التي انتهى من تحريرها في مارس 1983، والتي نشرت سنة 2011 في أعداد يومية الشروق الجزائرية، ظل مرشدا مصلحا حتى وفاته في أفريل 1984، ودفن بالعاصمة في جنازة مهيبة، رحمه الله.

لا تعليقات

اترك تعليق

آخر التغريدات:

    Message: Invalid or expired token., Please check your Twitter Authentication Data or internet connection.
%d مدونون معجبون بهذه: