التوسل بالنبي- صلى الله عليه وآله وسلم- غير دعائه

بقلم: الشيخ عبد الحميد بن باديس-

دعاؤه هو الطلب منه قضاء الحوائج وهذا ممنوع بالأدلة المتقدمة والتوسل به أن تطلب من الله وتسأله به صلى الله عليه وآله وسلم، مثل أن تقول اللهم إنني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة مثل ما في حديث الأعمى الذي تكلمنا عليه في الجزء الثالث من المجلد الثامن وذكرنا دلالته على جواز التوسل به عليه الصلاة والسلام ومن التوسل به التشفع أو لاستشفاع به، وكله بمعنى الطلب من الله به فالله هو المدعو وهو المطلوب منه، وهذا كله جائز لا كلام لنا فيه غير أن سيدي الطالب لم يفرق بين دعائه والتوسل به فذهب يستدل بالجائز على الممنوع مسويا بينهما، وما ذكره عن البيهقي وفي العتبي- على تسليم صحته وعلى ما في سنده- لا يخرج عن التوسل والاستشفاع به صلى الله عليه وآله وسلم وهو غير دعائه وطلب الحوائج منه الذي قامت الأدلة على منعه من كل مخلوق لأنه من العبادة التي لا تكون إلا للخالق، وما نقله من كلام الشيخ ابن تيمية هو في بيان أن استجابة دعاء الداعي لا تكون دليلا على أن دعاءه مشروع كما هو صريح كلامه، ويكفي دليلا على مراده هذا هذه العبارة الأخيرة مما نقله من كلامه وهي قوله: "فهذا القدر إذا وقع يكون كرامة لصاحب القبر إما أنه يدل على حسن حال المسائل فلا" وكون السؤال وقع من بعض الناس له مخالفين أمره وقوله إذا سألت فاسأل الله، شيء وكونه شرعه لنا ودعانا إليه شيء آخر وقد خفي على سيدي الطالب هذا القدر من الفرق ما بينهما فجعل سؤال بعض الناس دليلا على المشروعية ولو تأمل الفصل الطويل الذي نَقلَ بعضه من كلام الشيخ ابن تيمية لظهر له الفرق جليًا.

نصحني سيدي الطالب إذا يسر الله لي زيارة القبر الشريف أن أسأله عليه وآله الصلاة والسلام الشفاعة، وقد يسر الله لي ذلك وله الحمد والمنة منذ عشرين سنة، وقد دعوت الله وحده وتوسلت له بنبيه وتوجهت إليه به أن يميتني على ملته، ويجعلني من أنصار سنته، وأهل شفاعته، إلى أشياء أخرى قد استجاب الله تعالى بعضه (1)، وأنا أرجو الاستجابة في الباقي وجزاء نصيحتك أيها الأخ أنني أنصحك بالتأمل الجيد فيما تقرأ وتكتب والتثبت التام فيما تعزو وتنقل فإننا لا ندين إلا بما ثبت عن رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم-، من آية قرآنية أو سنة نبوية قولية أو فعلية، وما كان عليه السابقون مما رواه الأئمة في كتب الإسلام المشهورة، فعليك إذا نقلت أن تبين الكتاب وتعين المحل المنقول منه ليكون لقولك قيمة في مقام البحث والنظر، والله يتولى إرشادك وتسديد خطاك في سنن العلم والدين (2)


(1) كذا في الأصل ولعله بعضها.

(2) ش: ج 2، م 6، ص 92 - 96 غرة شوال 1351هـ- فيفري 1933م.

لا تعليقات

اترك تعليق

آخر التغريدات: