المربي الفاضل الأستاذ محمد الشريف بغامي

بقلم: د. عبد الحق مواقي-

الكتابة في حضرة الأستاذ الفاضل والمربي اللامع الشيخ محمد الشريف بغامي مهمة صعبة، يكاد يكون فيها المرء “كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ”، فكيف لك أن تكتب عن هذه الشخصية المتميزة وأنت تدرك أنك لن تعطي للرجل حقة ولو بالجزء اليسير، والأكثر إيلاما من ذلك وشدّة، الكتابة عن ساعاته الأخيرة أو أيامه الأخيرة في هذه الدنيا قبل أن يلاقى ربه طاهرا محتسبا ويبعثه إلى جنات الخلد بإذن الله.
فالموت، جانب من الحياة الدنيا وجزء مكمل لها، ولا وجود لحياة من دون موت، لكن مرارتها تجعل النّاس تنفر منها أو حتى الخوض فيها، فالرسول -صلى الله عليه وسلم – وصفها على أنها “هادم اللذات”، واتفق النّاس أن يسارعوا في أن تكتمل لديهم كلّ الأشياء والبرامج والمشاريع إلاّ هذه الثنائية التي تجمع الموت – الحياة، فالكل يتمنى ألاّ تكتمل، لكنها تكتمل وتلك سنة الله في خلقه الذي يقول: “الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ”( ).

بيني وبين الشيخ محمد الشريف بغامي

تعرفت على الشيخ محمد الشريف بغامي منذ سنوات خلت ليست بالكثيرة إلاّ أنّها كانت كافية أن أنبهر بطيبة هذا الرجل المتميز، فقد كانت بيننا لطائف كلما التقينا بين الفينة والأخرى، وهذه اللقاءات التي عادة ما تكون في مناسبات وطنية أو دينية يكون أحدنا أو كلانا من المحاضرين فيها أو المشاركين بالنّظر لانشغال كلّ واحد منا في معركته مع الحياة، فكان يمزج بين الحزم والتواضع وبين الشدة واللين، وكان في كلّ ذلك رجلاً مثقفاً ومصلحاً عارفاً بأمور الدين والدنيا ومحاوراً مقنعاً، وكان -رحمه الله تعالى – يلقاك دوما بوجهه الطلق الباسم وكلامه الممتع، وكانت مجالسه الممتعة وأحاديثه العذبة تطرد الهموم وتداوي الكلوم.

من هو الشيخ محمد الشريف بغامي

يقول الأستاذ المربي والشيخ الفاضل محمد الشريف بن محمد بن احمد بن عبد الرحمان بغامي عن نفسه: “ولدت يوم 17 ماي 1961م في قرية من قرى الأوراس تسمى “تاجرة” وكانت محضنا للجهاد والمجاهدين إبان الاحتلال الفرنسي، وهي بلدية من بلديات “اينوغيسن” ومن الأوراس، والأوراس إذا ذكرت في الجزائر وفي الوطن العربي تذكر معه البطولة والجهاد فمن الأوراس انطلقت الثورة التحريرية المباركة لتحرير البلاد والعباد”.

حفظت ما تيسر لي من القرآن الكريم على يد والدي الذي كان معلما للقرآن الكريم وكان مناضلا في الحركة الوطنية، ثم حفظت بعضا من الأجزاء الأخرى على بعض الشيوخ بقريتي وبعض القرى المجاورة، ثم انتسبت إلى التعليم الابتدائي والمتوسط والثانوي، وشاءت الأقدار أن التحق بالمعهد التكنولوجي بعد إجراء مسابقة لتكوين المدرسين ولما كنت من الأوائل، وُجهت إلى معهد خديجة بباتنة لتكوين أساتذة التعليم المتوسط، ولما تخرجت التحقت كمعلم للغة العربية واللغة الفرنسية أيضا فعملت في البداية معلما في الابتدائي ثم المتوسط (متوسطة أسماء)، ثمّ شاء الله أن التحق بمعهد اللغة والأدب العربي بجامعة باتنة مطلع الثمانينيات.

ولما تخرجت التحقت بالتعليم الثانوي، وفي خلال تلك الفترة، أرشدني الشيخ عمر دردور بالانتقال من وزارة التربية والتعليم إلى وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، فكان له ذلك، فعملت أستاذا بالمعهد الإسلامي لتكوين الإطارات الدينية بتمنراست في ثمانينيات القرن العشرين، بصفتي أستاذا ثمّ مديراً للدراسات، ثم مديراً لمعهد سيدي عقبة حيث ضريح عقبة الفاتح للمعهد الإسلامي لتكوين الأئمة سنة 1987 م”.

انتقل بعد ذلك الشيخ محمد الشريف بغامي إلى معهد تيزي وزو وبالضبط إلى مدينة عزازقة حيث عين مديراً لمعهد سيدي عبد الرحمن اليلولي من نوفمبر 1991 إلى 27 فيفري 1993م حيث لفترة، ليرتقي في مناصب التوجيه في التفتيش بمديرية الشؤون الدينية والأوقاف لولاية باتنة، وبخنشلة التي حل بها مفتشاً وموجهاً ثم رئيساً للمصلحة، قبل أن يتم تعينه مديراً لمعهد تكوين الأئمة بباتنة وهي آخر منصب تقلده الفقيد قبل وفاته.

مـشـاركـاتـه العلمية

كان -رحمه الله – شعلة متوقدة من العلم والأدب، وكان قلمه سيالا، لا يترك ملتقى أو مناسبة دينية أو وطنية إلاّ كان له فيها أثر طيّب، فقد كان كثير المشاركات في الملتقيات محاضراً أو مؤطراً وقد شارك الشيخ محمد الشريف بغامي في العديد من الملتقيات منها:

– عضو التوجيه بكلية العلوم الاجتماعية والاسلامية بباتنة

– عضو المجلس العلمي والتوجيه بالمتحف الجهوي التاريخي لولاية خنشلة (2002-2011)

– المساهمة الفعالة في اللجنة الولائية لإحياء المناسبات الوطنية بولاية خنشلة من حيث البرمجة والتوجيه والقاء المحاضرات مع المساهمة في الندوات التاريخية.

مـشاركاته الإعلامـية:

استضيف الشيخ في الكثير من البرامج التلفزيونية والإذاعية؛ كبرنامج “من كلّ فج عميق” في القناة الثقافية السعودية حين ترأس وفد الحجيج الجزائريين إلى البقاع المقدسة سنة 2017
المساهمة في إعداد حصص إذاعية في إطار برنامج “نور على نور” بإذاعة باتنة الجهوية حول مجموعة من أعلام منطقة الأوراس بعامة، ومازالت تلك الحصص تذاع في الإذاعة الوطنية وإذاعة الأوراس مع حصة تلفزيونية حول “علماء الجزائر”.

المساهمة في إعداد حصص إذاعية في إطار برامج متعددة منها: “زوم على المجتمع” و”واقع ورؤى” و”في رحاب رمضان” و”حياة الصحابة” وحصص تاريخية أخرى بإذاعة خنشلة الجهوية والقناة الإذاعية الوطنية الثانية الناطقة بالأمازيغية.

وفاته
توفي الشيخ محمد الشريف بغامي -رحمه الله – في 13 من شهر جويلية 2019 بمستشفى باتنة، ودفن بمقبرة بوزوران بباتنة وقد نعاه الكثير من رجال العلم والدين في الجزائر عامة.

قالوا عن الشيخ محمد الشريف بغامي

الأستاذ الدكتور مسعود فلوسي:

“النّاس في هذه الحياة صنفان: صنف يعيش لنفسه ولا يرى الدنيا إلاّ مجالاً لتحقيق رغباته وقضاء مآربه وتلبية شهواته، لا هدف له في الحياة إلاّ هذا ولا يرى غيره من النّاس وما يربطه بهم من علاقات وتعاملات إلاّ وسائل لتحقيق هذا الهدف، فهو خسيس النّفس دنيء المآرب، لا خير فيه، بل هو وأمثاله في كلّ مجتمع سبب كلّ شرّ وعِّلة كلّ بلاء يحيق بالبلد والعباد..

وصنف يرى نفسه جزءا من الإنسانية ككلّ ومن أمته بصفة خاصة ومن مجتمعه بصفة أخص، فهو يتحرك في الحياة وبين عينيه أنه فرد من جماعة يسره ما يسر بقية أفرادها ويسوؤه ما يسوؤهم، ولذلك تراه لا يسعى إلاّ لتحقيق مصلحة الجماعة ودفع ما يسيئ إليها ويضر بها، وحتى إن عمل لمصلحة نفسه في شأن من شؤونه الخاصة فهو حريص ألا يكون ذلك على حساب الجماعة وألا يكون سبباً إلى الإضرار بها أو ببعض عناصرها. والأفراد الذين من هذا النوع هم من تنهض بهم الأمم وتصلح بهم الأحوال وبجهودهم يستقيم نهج الأصلح ويتحقق الوعي والتغيير وتتقدم الشعوب وتعلو مكانتها بين الأمم الراقية، وحتى في فترات الضعف والانتكاس يكونون هم صمام الأمان الذي يحفظ المجتمع من السقوط ويحميه من الانهيار بما يبذلونه من جهود إصلاحية وما يحاربونه من مظاهر الفساد والإفساد. ومن هذا الصنف الثاني أخونا العزيز وصديقنا الكريم الأستاذ الشيخ محمد الشريف بغامي رحمه الله وطيب ثراه وجعل الجنة مستقره ومثواه، الذي فارقنا راحل عن هذه الدار الفانية”.

الدكتور شهر الدين قلالة:

“الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، إنا لله وإنا إليه راجعون. تفقد هذه الولاية، بل الوطن والأمة، رجل من رجالها، الأستاذ محمد الشريف بغامي الذي نفقده ونحن قائلين: إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلاّ ما يرضي ربنا، وإنا على فراقك يا محمد الشريف لمحزونون.

نفقد رجلا إذا دعينا أن نختصر قيمته في حياة الناس في هذا البلد لقلنا: إنه كان المعلم، وكفى به وصفا، محمد الشريف بغامي رحمه نذر حياته للتعليم والتربية والتزكية والتوجيه مذ نعومة أظفاره. عرفه أهل باتنة معلما، اشتغل في التعليم في بداية الثمانينات في مراحل التعليم بالتدرج؛ التعليم الابتدائي، ثم المتوسط (متوسطة أسماء). ثم بدا له أن يشرف تعليما وتوجيها وتربية على من يتقدم الناس في عباداتهم، في توجيههم، في صلواتهم، فاتجه إلى قطاع الشؤون الدينية يشرف على أئمة المساجد تعليما وتوجيها وترشيدا، فكان أول مرة في التعليم بمعهد تمنراست للإطارات الدينية معلما، ثم بدا له أن يكون مشرفا وموجها كمدير للدراسات، ثم تقلد المنصب نفسه في معهد سيدي عقبة ، ثم تقلد منصب الإدارة مديرا للمعهد نفسه، حتى توجه بعد ذلك إلى معهد تيزي وزو. ثم ارتقى في مناصب التوجيه في التفتيش بمديرية الشؤون الدينية والأوقاف لولاية باتنة، ثم توجه بعد ذلك إلى ولاية خنشلة مفتشا وموجها ومرشدا ثم رئيسا للمصلحة، يرعى الأئمة ومعلمي القرآن ويحنو عليهم ويأخذ بأيديهم”.

الدكتور عز الدين كيحل (أستاذ سابق في معهد سيدي عقبة وأستاذ التعليم العالي في كلية الحقوق بجامعة بسكرة حاليا):

ها هو ذا الأستاذ محمد شريف بغامي يفارقنا إلى جوار ربه بعد مسيرة عمل لم يعرف فيها معنىً للكلل والملل.. ها هو ذا يلقي عصاه ويرتاح من عناء الدنيا بعد أن نالت منه ومن أسرته التي لا شك في تقصيره في حقها في سبيل عمله، لقد كان عمله هو محور اهتمامه بالليل والنهار، لا يفكر إلاّ فيه، ولا يتحرك إلاّ حيث ينفع المؤسسة ويخدم الطلبة.. ها هو ذا يترجل بعد أن ملأ صحيفته من الخير والحسنات، نحسبه كذلك ولا نزكيه على الله نسأل الله ز وجل أن يرحمه برحمته الواسعة، ويجزل مثوبته، ويبوئه الفردوس الأعلى.

آثاره
لم يترك الأستاذ محمد الشريف بغامي مؤلفا أو كتابا، وذلك ربما يعود لكثرة انشغالاته ونشاطه المتواصل والدؤوب الذي أخذ كلّ وقته، إلاّ أنه ترك مجموعة كبيرة من المحاضرات والدروس المخطوطة التي شارك بها في العديد من الملتقيات العلمية والأدبية والدينة والوطنية، والتي تنتظر الاهتمام بها لتصدر في كتاب يتناول حياة وآثاره.

الخاتمة
يوم 13 جويلية 2020 مرت الذكرى الأولى لالتحاق الأستاذ محمد الشريف بغامي بالرفيق الأعلى وإذ لا يسعنا في هذا المقام إلاّ أن نعزي أنفسنا والجزائر عامة وخاصة أسرة الشؤون الدينية في فقدان رجل من طينة الكبار لذا كانت هذه الوقفة لنتذكر الرجل وما قدمه.

آخر التغريدات: