حكم الزردة والوعدة

بقلم: الشيخ أحمد حماني-

فحوى السؤال: كنّا نزور المشايخ بنّية خالصة ونتبرك بآثار الصالحين ونتمسّح بقبورهم ونتوسّل بهم ونقيم الزردات والوعدات كلّما اشتدّت بنا المحن فنظفر بالمنن وتفرج علينا، حتّى جاء البادسيّون([1]) وقطعوا علينا هذه الاحتفالات البهيجة وغابت علينا وغضب علينا ديوان الصالحين.

أفليس من الخير أن نعود إلى الزردة والوعدة ونحيي ما اندثر، فإنّ ذلك عادات الآباء والأجداد، زيادة على الرجاء في تبديل الأحوال، وانصراف الأهوال وإرضاء الرجال وعسى أن تنفرج عنّا المحن وتكثر المنن.
هذا ما يقوله بعض الناس ويودّ أن تُسَبِّح الأمّة فتذهب الغمّة وما علينا في الزردة والوعدة وقضاء زمن كثير في الأفراح والأيّام والليالي الملاح والقَصْبَة والبَنْدِير، والتهويل والشخير والنحير، وما رأيكم دام فضلكم ؟

عبد الله الغفلان زمورة (ولاية غليزان).

الجواب :

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتّبع هداه.

أوّلا: سؤال محيّر لا ندري أصاحبه جادّ به أم هازل؟ فإن كان جادّا أجبناه بعلمنا ولا عتب علينا، وإن كان هازلا بنا؛ فإنّا نعوذ بالله أن نكون من الهازلين.

فقول السائل: «كنا نزور المشايخ بنية صالحة».

الصواب: «كنّا نزورهم بغفلة فاضحة، أعيننا مغفلة وعقولنا معطّلة».

فالشيوخ كانوا عاطلين عن كلّ ما يؤهّلهم للزيارة ! فلا علم ولا زهد ولا صلاح؛ ولكن نسب مرتاب في صحّته، فكنّا – كما قيل –: نعبدهم ونرزقهم.

والزيارة الشرعية تكون للشيخ إذا كان من ذوي العلم والفهم والصلاح؛ فيكتسب منه الزائر العلم والدين والصلاح، ويأخذ منه المنقول والمعقول، ويرجع بفوائده جمّة، كما كان عالم المدينة بها وأبو حنيفة في العراق.

هذه هي الزيارة هي المأذون فيها، وكانت تضرب إليه آباط الإبل([2])، فأمّا إذا كان الشيخ كالصنم فماذا يستفيد منه الزائر ؟ أعلما أم زهدا أم صلاحا أم نصيحة وعقلا ؟

إنّ المشايخ كانوا خلوا من كلّ ذلك، وفاقد الشيء لا يعطيه.

والذين كان لا يمكن الاستفادة من علمهم لم يَرِدُوا في سؤالكم، ولا يمكن أن يخطروا ببالكم مثل ابن باديس والتبسي رحمهما الله، فقد كان يزورهم الطلاب ويرجعون من عندهم بعلم وفير ونصائح جمّة، أفادت الوطن والأمّة.

وإنّما حكمت بأنّك لا تريد هذا الصنف المقيّد من العلماء، لأنّك ذكرت مع زيارتهم البركة والتمسّح بالقبور والزردة والوعدة، ونسيت الهردة والوخدة والفجور والخمور، فقد أنقذوا الأمة من هذه الشرور وخلّصوها من قبضة مشايخ الطرق، فكان ذلك مقدمة لتحريرها ورفع رايتها، ولم يكن لغالب مشايخ الطرق إلا فضيلة النسب الشريف وهو مظنون، وإن صحّ ففي الحديث: «مَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ»(رواه مسلم) ([3])، وأمّ الشرفاء قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يَا فَاطِمَةُ لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا»(رواه البخاري ومسلم) ([4]).

فإذا أردت أخذ البركة من المشايخ، فاقصدهم للعلم والفضل والصلاح والزهد، واقتد بهم، واعمل عملهم تنتفع، وتحصل لك أنواع من البركة الحقيقية لا المتخيّلة.

ثانيا: وأمّا قولك «نتمسّح بقبورهم»:

فإنّ مثل هذا التمسّح نوع من الشرك، ولا يكون إلاّ للحجر الأسود بالكعبة فقط مع التوحيد الخالص لله، وقد قال له عمر يخاطبه: «وَاللهِ مَا أَنْتَ إِلاَّ حَجَرٌ لاَ تَنْفَعُ وَلاَ تَضُرُّ، وَلَوْلاَ أَنِّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ»([5]) (متفق عليه).

فإن كنت مع الحجر الأسود -كما قال عمر- فلا بأس أن تقبّله، أمّا غيره فلا يجوز لك التمسّح به؛ فإنّ التمسّح به وتقبيله شرك يتنَزّه عنه المؤمن الموحّد. إنّ المؤمن يعلم – كما علم عمر – أنّه حجر، والله يقول في مثله من الجماد الذي كان يفتن العباد: ﴿إنْ تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشركِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾[فاطر: 14].

فالبركة المستفادة من هذا التمسّح هي الرجوع إلى عهد الجاهلية والشرك بالله.

هذا هو التمسّح بالقبور، فإنّها أجداث، فإن قصدت ساكني القبور، فإنّ ذلك منك أضلّ ألم تر أنّ صاحب القبر كان حيّا يرزق ثم جاءه الموت، والموت كريه لا يحبّ زيارته أحد من الأحياء، فلم يستطع دفعه عن نفسه واستسلم مكرها له، ولو استطاع أن يفتدي منه، لبذل له الدنيا وما فيها.

فمن رجا الخير من ميّت أو دفع الضرّ المتوقّع فلا أضلّ منه، فادع في كلّ ما يصيبك الحيّ الذي لا يموت فإنّه النافع الضّار وحده والله يوصي عباده فيقول : ﴿ومِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ والنَّهَارُ والشَّمسُ والقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ واسْجُدُوا لله الذي خَلَقهُنَّ إنْ كُنتُمْ إيَّاهُ تَعْبُدُون﴾[فصلت: 37].

ثالثا : فأمّا قولك «كنّا نتوسّل بهم»:

فإنّ التوسّل الشائع بين الناس وهو الدعاء – «الدُّعَاءُ هُوَ مُخُّ العِبَادَةِ»([6]) – شرك محض، فالتوحيد أن تدعو الله الذي خلقك – ولو عظمت ذنوبك – فإنه معك يسمع دعاءك، فإن كان لا بدّ من التوسّل فتوسّل بصالح أعمالك، كما فعل الثلاثة أصحاب الغار حينما نزلت عليهم الصخرة وسدّته عليهم، فاستجاب لهم من يعلم شدّتهم([7]). هذا هو التوسّل الصحيح، وغيره قد يوقع صاحبه في الشرك، فلا تحم حوله.

رابعا : وأمّا قولك «كنّا نقيم الزردات والوعدات كلما اشتدّت بنا المحن»:

فإنّ هذه الزردات كانت من آثار غفلتنا، منافية ليقظتنا، وكان علماؤنا رحمهم الله يسمونها (أعراس الشيطان)، لما يقع فيها من سفه وتبذير وعهر وخمر واختلاط وفجور، وإنّما كان يشّد إليها الرحال من تونس حتّى المغرب الغافلون منّا المستهترون بالدين والأخلاق ممن نامت ضمائرهم وكانت من أعظمها زردة (سيدي عابد) بناحيتكم، يأتيها الفسّاق من تونس والمغرب وما بينهما، وسل الشيوخ من الأحياء ينبئونك، وكانت هذه الزردة كثيرة لأنّ لكلّ قوم إلههم من أصحاب القبور من حدود تبسة إلى مغنية، كانت القبور تعبد من دون الله ولكلّ قوم من يقدسونه. فـ(سيدي سعيد) في تبسة،و(سيدي راشد) في قسنطينة و(سيدي الخير) بالسطيف و(سيدي بن حملاوي) بالتلاغمة، و(سيدي الزين) بسكيكدة و(سيدي منصور) بولاية تيزي وزو و(سيدي محمد الكبير) في البليدة، و(سيدي بن يوسف) بمليانة و(سيدي الهواري) بوهران و(سيدي عابد) بغليزان و(سيدي بومدين) بتلمسان و(سيدي عبد الرحمن) بالجزائر ويزاحمه (سيدي امحمد) وليعذرني الإخوة ممن لم أذكر آلهة بلدانهم وهم ألوف!.

ففعل هؤلاء القوم مع هؤلاء المشايخ يشبه فعل الجاهلية مع هبل واللات والعزّى، وخصوصا إقامة الزردة حولها والذبح لها والتمسح بالقبور.

أفترانا نحيي آثار الشرك ونحن الموحدون ؟

لقد وقف العلماء وقفة صادقة ضدّ هذه المناكير في الزرد، لا فرق بين علماء الإصلاح وغيرهم ممن كان يناصر جمعية العلماء ومن كان خارجها حتّى قضوا على الزردة، وساء ذلك الدوائر الاستعمارية فأرادت أن تحييها وتحافظ عليها، وفي علمي أنّ آخر زردة قسنطينة، أقامها سياسي فشل في سياسته الإدماجية، فعادى العلماء واتّهمهم وأقام زردة بثيران المعمرين وأخرافهم، وأين مدينة قسنطينة عرين أسد الإصلاح، لكنّه دفن نفسه ولم تقم له قائمة([8]).

فمن يريد أن يسير اليوم بإحياء الزردة والوعدة، فبشره بخيبة تصيبه مثل خيبة الأمس فأحذر يا صاحب السؤال!.

خامسا: ثم إنّ الطعام واللحم المقدّم في الزردة لا يحلّ أكله شرعا لأنّه مما نصّ القرآن على حرمة أكله فإنه سبحانه وتعالى يقول :﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ والدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ﴾[المائدة: 3]. فاللحم من القسم الرابع أي مما أهل لغير الله، أي ذبح لغير الله بل للمشايخ([9]).
فزردة (سيدي عابد) أقيمت له وهكذا (سيدي أحمد بن عودة) و(سيدي بومدين)الخ..

أقيمت له الزردة ليرضى وينفع ويدفع الضّر.

وتقول: «إنّ هذه الذبائح قد ذكر اسم الله عليها».

فأقول: ولو ذكر اسم الله فإنَّ النّية الأولى وهي تقديمها إلى صاحب المقام، يجعلها لغير الله.
برهان ذلك، فعل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، مع والد الفرزدق وسحيم، فإنّ سحيما علم أنّ غالبا نحر ليطعم الناس فنحر، فسمح به غالب فنحر العشرات، فغالبه سحيم ونحر مثله وكثر المنحور حتىّ عدّ بالمئات، يريدان الفخر، فلما جاء الأمر إلى علي رضي الله عنه نهى الناس عن أكل لحمها واعتبرها مما أهلّ لغير الله، ولا شكّ أنّ ناحريها قد ذكروا عند نحرها اسم الله، لكنّ الناحرين قصدا بذلك التباهي والافتخار، فكانت مما أهل به لغير الله([10]).

فلحم الزردة حرام، وطعامها حرام، لأنّه صنع بذلك اللحم؛ والحضور في الزردة حرام، لأنه تكثير لأهل الباطل، ولو كان الذي حضر إماما أو رئيس أئمة أو دكتورا أو عالما، فإنّه عار أن نزرد بأموال الدولة ونحن غارقون في الديون، وقد شاهدنا في تلفزتنا ما يحبّ الأوروبيون أن نكون عليه من اللعب بالثعابين. فكلّ من أحيا فينا الغفلة التي كنّا فيها بالأمس ليس بناصح لنا بل غاش، ولن يفلح في مقاصده، وسيكون كما قال الله في مثله ممن جعلوا المال للكيد بالمسلمين: ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾[الأنفال: 36].

وهذا وعد من الله صادق، ولن يخلف وعده.

سادسا: وأمّا قولك «حتى جاء البادسيّون»:

فالحق أنّ ابن باديس وأصحابه إنّما دقّوا الجرس فاستيقظ الشعب ورأى الخطر المحدق به فانفضّ عنهم، ولم يأت ابن باديس بدين جديد ولا بطريق جديد، وإنما تلا كتاب الله وحدّث بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسار بسيرة السلف الصالح رضي الله عنه أجمعين، وكفى ابن باديس أن أيقظ المسلمين.

سابعا: إذا أردنا أن تزول المحن عنّا فلنجتنبها ونخالف طريقها: نعبد الله وحده، ونطيع الله ورسوله ونوحّد الكلمة فيما بيننا ونعتصم بحبل الله المتين، ونجتنب الخلاف والنزاع، ونؤمن بالله ونستقيم ونعمل الصالحات، فلا بدّ من العمل المتواصل؛ لأنّ الله يأمر به ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ والْمُؤْمِنُونَ﴾[التوبة: 105].

هذه وسائل النجاح وليست إقامة الوعدات والزردات ودعاء غير الله فهذا عمل الخاسرين.

فإن طلبنا النجاح وزوال المحن بغير هذه الطريقة، فنحن في ضلال وخسران، كما أقسم على ذلك ربّ الناس.
﴿وَالعَصْرِ إنْ الإنْسَانَ لفِي خُسْرٍ إلاَّ الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وتَوَاصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.
هذا جواب سؤالك، يا أخا زمورة! وسنعود للموضوع، والسلام عليكم وعلى كل من اتّبع الهدى.


المصدر: جريدة الشعب اليومية: الاثنين 18/11/1991 رقم 9 – رياض الإسلام ([11])

الهوامش:
([1]): نسبة إلى الشيخ ابن باديس رحمه الله، و هو لقب يريدون به التنفير عن دعوة الشيخ كما نفروا من دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه بلقب الوهابية، ومن دعوة الشيخ أمان الجامي رحمه الله بالجامية.

([2]): حديث عالم المدينة أخرجه أحمد في مسنده (2/299)، والترمذي في سننه (2680) وقال هذا حديث حسن، والحاكم في مستدركه (1/168) وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، والبيهقي في الكبرى (1/385)، والحديث ضعفه الألباني في المشكاة (246)، والضعيفة (4833).
([3]):كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار: باب: فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، رقم (6853).
قال الإمام النووي رحمه الله في شرحه على مسلم: «مَعْنَاهُ: مَنْ كَانَ عَمَلُهُ نَاقِصًا، لَمْ يُلْحِقْهُ بِمَرْتَبَةِ أَصْحَابِ الْأَعْمَالِ، فَيَنْبَغِي أَلَّا يَتَّكِلَ عَلَى شَرَفِ النَّسَبِ، وَفَضِيلَةِ الْآبَاءِ، وَيُقَصِّرَ فِي الْعَمَلِ».
([4]): البخاري (2753)، ومسلم (504)، ولفظه: « قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لاَ أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا».
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: «قوله: «لا أغني عنك من الله شيئا» أي: لا أنفعك بشيء دون الله، ولا أمنعك من شيء أراده الله لك؛ فالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يغني عن أحد شيئا حتى عن أبيه وأمه.

قوله: «يا فاطمة بنت محمد ، سليني من مالي ما شئت» أي: اطلبي من مالي ما شئت؛ فلن أمنعك؛ لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مالك لماله، ولكن بالنسبة لحق الله قال: «لا أغني عنك من الله شيئا».
فهذا كلام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأقاربه الأقربين: عمه، وعمته، وابنته؛ فما بالك بمن هم أبعد ؟ فعدم إغنائه عنهم شيئا من باب أولى.

فهؤلاء الذين يتعلقون بالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويلوذون به، ويستجيرون به الموجودون في هذا الزمن وقبله: قد غرهم الشيطان واجتالهم عن طريق الحق؛ لأنهم تعلقوا بما ليس بمتعلق؛ إذ الذي ينفع بالنسبة للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو الإيمان به واتباعه.

أما دعاؤه والتعلق به ورجاؤه فيما يؤمل، وخشيته فيما يخاف منه؛ فهذا شرك بالله، وهو مما يبعد عن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعن النجاة من عذاب الله.

ففي الحديث امتثال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأمر ربه في قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ﴾[الشعراء/214]، فإنه قام بهذا الأمر أتم القيام؛ فدعا وعم وخصص، وبين أنه لا ينجي أحدا من عذاب الله بأي وسيلة، بل الذي ينجي هو الإيمان به واتباع ما جاء به.
وإذا كان القرب من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يغني عن القريب شيئا؛ دل ذلك على منع التوسل بجاه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأن جاه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا ينتفع به إلا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولهذا كان أصح قولي أهل العلم تحريم التوسل بجاه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ». انتهى مختصرا، أنظر: مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (9/285-288).
([5]): صحيح البخاري: كتاب الحج: باب ما ذكر في الحجر الأسود، (1597)، ومسلم في صحيحه كتاب الحج: باب: استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف، (3027).
قال الحافظ في الفتح: «قال الطبري: إنما قال ذلك عمر لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام ، فخشي عمر أن يظن الجهال أن استلام الحجر من باب تعظيم بعض الأحجار كما كانت العرب تفعل في الجاهلية ، فأراد عمر أن يعلم الناس أن استلامه اتباع لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا لأن الحجر ينفع ويضر بذاته كما كانت الجاهلية تعتقده في الأوثان».
وقال النووي في شرحه على مسلم: «أراد به بيان الحث على الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في تقبيله ، ونبه على أنه لولا الاقتداء به لما فعله، وإنما قال: وإنك لا تضر ولا تنفع ؛ لئلا يغتر بعض قريبي العهد بالإسلام الذين كانوا ألفوا عبادة الأحجار وتعظيمها ورجاء نفعها ، وخوف الضرر بالتقصير في تعظيمها ، وكان العهد قريبا بذلك، فخاف عمر - رضي الله عنه - أن يراه بعضهم يقبله ، ويعتني به، فيشتبه عليه فبين أنه لا يضر ولا ينفع بذاته، وإن كان امتثال ما شرع فيه ينفع بالجزاء والثواب فمعناه أنه لا قدرة له على نفع ولا ضر، وأنه حجر مخلوق كباقي المخلوقات التي لا تضر ولا تنفع وأشاع عمر هذا في الموسم؛ ليشهد في البلدان، ويحفظه عنه أهل الموسم المختلفو الأوطان. والله أعلم.».

([6]): حديث: «الدعاء مخ العبادة»: ضعيف بهذا اللفظ، أخرجه الترمذي في سننه (3371)ت.مشهور، وقال الترمذي: «هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هٰذَا الوَجْهِ، لا نَعْرِفُهُ إِلا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ».[انظر: المشكاة (2231)، وهداية الرواة (2/ 409)]، وقال الألباني عقب قول الترمذي المذكور قريبا: «قلتُ: وهو ضعيفٌ؛ لِسُوءِ حِفْظِه-أي ابن لهيعة-، فيُستَشهَد بِه، إلا ما كان مِن رِوايةِ أَحَدِ العَبادِلة عنه، فيُحْتَجُّ به حينئذ، وليس هٰذا منها، لٰكنّ مَعناه صحيحٌ بدليلِ حديثِ النُّعمان» أحكام الجنائز (ص:247).
قلت: ولفظ حديث النُّعمان رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ»، أخرجه أبو داود في سننه (1479)، والترمذي في سننه (3372)ت.مشهور، وابن ماجة في سننه (3828)، وصححه الألباني رحمه الله في صحيح الترغيب والترهيب (2/275) رقم (1627).
([7]): أخرجه البخاري برقم (3465) ومسلم برقم (6949)، وفي هذه القصة دليل على فضل الأعمال الصالحة والتوسل بها إلى الله، فحين تدحرجت عليهم الصخرة فسدت عليهم الغار توسلوا بصالح أعمالهم إلى الله، وكان كل واحد منهم يقول: «اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه».

قال الشيخ ابن باز رحمه الله: «وفيه عبرة وإرشاد إلى الضراعة إلى الله وإلى سؤاله عند الكرب والشدة، وأنه سبحانه قريب مجيب يسمع دعاء الداعي ويجيب دعوته إذا شاء سبحانه وتعالى، وفيه دلالة على أن الأعمال الصالحات من أسباب تيسير الأمور وإزالة الشدائد وتفريج الكروب، وفيه دليل على أنه ينبغي للمؤمن إذا وقع في الشدة أن يضرع إلى الله ويفزع إليه ويسأله ويتوسل بأعماله الصالحة كإيمانه بالله ورسوله وتوحيده وإخلاص العبادة له، وكبر الوالدين وأداء الأمانة والعفة عن الفواحش».[انظر: موقع الشيخ: سؤال: أصحاب الكهف وأصحاب الصخرة].

([8]): وهي زردة ابن جلول، انظر تفاصيلها في البصائر العدد الأول.
([9]): قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الاقتضاء: «قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ ظاهره أنه ما ذبح لغير الله، مثل أن يقال هذا ذبيحة لكذا؛ وإذا كان هذا هو المقصود فسواء لفظ به أو لم يلفظ، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه النصراني للحم وقال فيه باسم المسيح ونحوه، كما أن ما ذبحناه نحن متقربين به إلى الله سبحانه كان أزكى وأعظم مما ذبحناه للحم وقلنا عليه باسم الله؛ فإن عبادة الله سبحانه بالصلاة له والنسك له أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور، فكذلك الشرك بالصلاة لغيره والنسك لغيره أعظم شركا من الاستعانة باسم هذا الغير في فواتح الأمور؛ فإذا حرم ما قيل فيه باسم المسيح والزهرة فلأن يحرم ما قيل فيه لأجل المسيح والزهرة، أو قصد به ذلك أولى...؛ وعلى هذا فلو ذبح لغير الله متقربا به إليه: لحرم، وإن قال فيه بسم الله؛ كما يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة الذين يتقربون إلى الأولياء والكواكب بالذبح والبخور ونحو ذلك، وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان ...».

وقال الشيخ الفوزان حفظه الله: «قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ يشمل النوعين: ما تقرب به لغير الله، ولو ذكر عليه اسم الله، ويشمل ما ذبح لغير التقرب، وإنما ذبح للحم، لكن سَمَّي عليه غير اسم الله سبحانه وتعالى عند الذبح».[المنتقى من فتاوى الفوزان (49/3)].

([10]): انظر القصة في الإصابة (4/580-581)ت.التركي.

([11]): مجلة منابر الهدى العدد: (3) محرم –صفر 1422ه (ص: 56-59).

آخر التغريدات:

    Message: Sorry, that page does not exist., Please check your Twitter Authentication Data or internet connection.