عبد المالك مرتاض من خلال كتابه “فـي نظريـة النقـد”

بقلم: د. عمـر بـن طريـة-

لا شك وأن الساحة النقدية في الجزائر تشهـد في السنوات الأخيرة تطورا منقطع النظير، وعنّ ذلك في الجهود الجبارة المبذولة من قبل ثلة من الباحثين والدارسين الغيورين على أدب أمتهم و إبداعاتها.و من ثمة ألفينا هذا اللفيف يأخذ عـلى عاتقـه مسؤولية التنظير للنقد عامة، والنقد الجزائري خاصة، كما حاول جاهدا تشفيع ذلك بالجوانب التطبيقية علـى الإبداعات الأدبية والفكرية التي أبدعتها – على وجه الخصوص -  أقلام جزائرية مسهمة بذلك في إثراء صرح الإبداع الإنساني عموما، والجزائري خصوصا.

ومن بين هؤلاء النقاد الأفذاذ  يبرز على قمة الهرم الدكتور عبد المالك مرتاض الذي أثرى الساحة الأدبية والنقدية بأعماله الكثيرة والقيمة. ومن هنا تأتي هذه الورقة البحثية المتواضعة والموسومة ب::عبد المالك مرتاض من خلال كتابه ( في نظرية النقد متابعة لأهم المدارس النقديـة المعاصرة ورصد لنظرياتها) ، وتأسست هذه الورقة البحثية على جملة من العناصر تحوصلت في النقاط الرئيسة الآتية:

*الكتابة و القراءة

*النقد و النقاد الماهية و المفهوم

*النقد: ماهية مستحيلة

*جدلية الإبداع و النقد

*المذاهب النقدية والأصول الفلسفية

*في نقد النقد

*تقويم و مناقشة

*النتائج

*خاتمة

الكتابة و القراءة:

يستهل الدكتور عبد المالك مرتاض كتابه في نظرية النقد بحديث قيّم عن ماهية الكتابة و القراءة مبينا عن العلاقة الرابطة بينهما.

منذ الوهلة الأولى يرى أن الكتابة ما هي إلا نوع من القراءة، و أن الكتابة و القراءة ما هما إلا وجهان لعملة واحدة، و لذلك يقول الدكتور عبد المالك مرتاض في تعريفه للكتابة: " فالكتابة كما نرى و من هذا المنظور بالذات،ليست هي في حين إلا الأمر ومنتهاه إلا قراءة ما على نحو ما " (1)،ثم يضيف بأن الكتابة لا تسلم قيادها إلا لمن أحسن التعامل معها.

و القراءة هي بمثابة مفتاح المعرفة الأول، لأنها تعبير عما في الضمير، وترجمان عما في الجنان، و الكتابة ما هي إلا إيقونة، أو  مماثلا: بمعنى أنها سمة حاضرة تنظيرا وتطبيقا، ثم يشير إلى ما اصطلح عليه بالكتابة الواصفة و يسميها هو "بكتابة الكتابة" أو "لغة اللغة".

ثم ينتقل بنا إلى تعريف الكتابة قائلا: "الكتابة وجود قوامه رسوم سوداء، متفق على نظامها، و كيفية استعمالها تمثل سمات لفظية، متفقا عليها أيضا بين مجموعة لغوية معينة."(2)  و بعدها يعرج الكاتب على طريقة الكتابة وخصائصها فيحو صل لنا جملة منها:

أ)- اقتناص الألفاظ

ب)- التماس الأفكار

ج)- معالجة المعاني

د)- التلطف و التحسس و المراودة

ثم يجلي الجانب الفلسفي للعملية الإبداعية مشيرا إلى أن الألفاظ في الأعم الأغلب قاصرة عن أداء المعنى الذي يختلج في نفس المبدع، وعلى الرغم من ذلك يفضي بما يجول في خاطره، و يتأجج في أعماقه،لأن لا مندوحة له، وعلى الرغم من إيمانه الراسخ بأن الألفاظ في كثير من الأحيان تكون عاجزة قاصرة على أداء المعنى المراد، وفي هذا السياق يقول الدكتور عبد المالك مرتاض: " وإنك لتراه يريد الإفصاح عن أعماق  الذات  ومخبوءاتها والتعبير عن أغوارها بسمات بسيطة تسمى الألفاظ ... ومع ذلك لا يسعه إلا أن يفعل ، ليس مختارا في هذا ".(3)

كما يرى أن الكتابة واجب محتوم، و قدر مقدور على الإنسان، و الكتابة أيضا قائمة في حقيقة مكنونها على حقيقة وهمية، و ما الكتابة إلا هدم و تقويض، و في ذات السياق يقول الدكتور عبد المالك مرتاض :" فالكتابة هدم للكتابة السابقة وتقويض لها". (4)

ثم يخلص إلى سؤال وجيه مفاده: هل الأدب جريمة؟ و يجيب حتما لا (5)  و هل الكتابة ممارسة شريرة؟ ربما لا و ربما نعم و ربما تعلو عن التصنيف الإبداعي (6)

-2- النقد و النقاد: الماهية و المفهوم :

يرى الدكتور عبد المالك مرتاض أن النقد في الثقافة الغربية قبل القرن التاسع عشر كان متوجها إلى  الأدباء، و لم يكن يعنى بنقد الآثار الأدبية و الإبداعية، وكان أيضا يلتبس بمفهوم نظرية الأدب. و لذلك، فإن الثقافة الغربية لم تعرف النقد بمفهومه المعاصر إلا في القرن التاسع عشر. ثم يشير إلى أن العملية النقدية - آنذاك- كانت تقوم على الأحكام الجزئية، و المقتصرة على الحكم بالجودة أو الرداءة على العمل الإبداعي ليس إلا. و الأحكام النقدية المطلقة و التي يصطلح عليها في نقدنا القديم بالأحكام غير المعللة، و يضرب مثالا على ذلك الناقد  " ديدور" الذي أصدر حكما على بعض أعمال " سوفوكلييس " قائلا: " لا يوجد لفظ واحد يضاف، و لا لفظ واحد يحذف ". (7)

كما يشير إلى أن هذه الأحكام و سمت بالأحكام القضائية، أو ما يصطلح عليه بالوظيفة القضائية، لأن مهمة الناقد إصدار الأحكام ليس إلا، وأغلب هذه الأحكام تبلورت في حكمين اثنين هما:

أ) – الجودة / ب) – الرداءة.

ومن ثم يخلص الدكتور عبد المالك مرتاض إلى أن عجز النقاد و إصدارهم مثل هذه الأحكام يرجع إلى عدم القراءة، لأن القراءة هي أساس النقد، و لأنها القدرة على التسلط، والقدرة على النسج. كما أن القراءة الناقدة هي التي تبرز خصوصيات الإبداع، وتظهر تمفصلات النص المبدع.

كما يلحظ الكاتب أن الأحكام النقدية الصادرة قبل القرن التاسع عشر لم تكن لتختلف عن تلك الأحكام التي كان يصدرها الناقد العربي من حيث العموم، و الإطلاق، و الجزئية. والنقد الأدبي لم يظهر إلا مع ظهور الشكلانية الروسية و التي نجمت عنها الشكلانية الفرنسية.  و يطرح الكاتب إشكاليات عديدة أهمها ما يتعلق بـ:

أ) -  الوظيفة الجمالية ( ماهية الإبداع في ذاتها ).

ب) - الوظيفة التقويمية ( التنويرية أو التقديرية ).

ثم يحاول التفريق بين الأدب و النقد، فيقول: " أن الأدب كتابة قوامها الخيال، والنقد كتابة قوامها المعرفة". (8)

ثم ينتقل بنا بعد ذلك إلى الحديث عن ابن سلام الجمحي الذي يعتبره أول من أسس نزعة شكلانية في تاريخ النقد الإنساني. و الشكلانية التي دعا إليها ابن سلام في كتابه طبقات فحول الشعراء تهتم بالنص و ما فيه من ظواهر فنية تبرز في جماليات السطح و عبقرية النسج. و تأسيس هذا الكلام كما يرى الدكتور عبد المالك مرتاض أن المعايير التي استند إليها ابن سلام في تصنيف الشعراء في طبقات يعتمد أساسا على الاختيارات النصية، و كان متجها إلى الشكل قبل المضمون و في هذا السياق يقول الدكتور عبد المالك مرتاض: " أن المعايير التي كان يحتكم إليها في الاختيارات كانت نصية أساسا ". (9)

ثم يعرج بعد ذلك إلى أن شكلانية ابن قتيبة الذي نظر إلى العملية الإبداعية نظرة نقدية تعد مخالفة لمن سبقه من النقاد، فهو يرفض عامل السبق التاريخي في الحكم على الإبداع والمبدعين، بل احتكم إلى النص و جعل المحك الجودة، و بذلك يرى الكاتب أن ابن قتيبة يراعي الجوانب الفنية في اختياره للشعراء و تقديمهم أو تأخيرهم. بمعنى أن ابن قتيبة ينطلق من النص ( الشعر) لا الناص ( الشاعر)، كما أنه امتاز بالجرأة الأدبية في الطرح، ورفضه لمعايير القدامى في تقويم الأعمال الإبداعية، واحتكامه إلى النص، و رفضه مبدأ السبق التاريخي.

ومن هنا أبان الكاتب على أن حداثية ابن قتيبة تنبني أساسا على أن الجديد في زمانه سيكون قديما في غير زمانه، و العكس، لأن كل قديم كان في عهده جديد والعكس، وتبرز حداثة ابن قتيبة في تحديده لدواعي الإبداع و لحظاته، و بها عدّ أول من أثار هذه القضية في تاريخ الشعر العربي، وعلى هذا يقول الدكتور عبد المالك مرتاض :" و أن هذا الكلام يمكن أن يرقى إلى الكتابة التنظيرية، حيث يؤسس الشيخ هنا للأوقات التي يمكن أن تكون أمثل من سواها للكتابة الأدبية شعرها و نثرها ". (10) كما أشار ابن قتيبة إلى أن المكان قبل عامل الزمان في العملية الإبداعية .

النقد ماهية مستحيلة:

يستهل الدكتور عبد المالك مرتاض حديثه عن ماهية النقد بطرح هذه الإشكالية: ما النقد؟ و يري أنه من الصعوبة بمكان أن يسأل المرء عن إشكالية معقدة كل التعقيد بسؤال بسيط كهذا، و من الصعوبة بمكان-  أيضا – أن يجاب عنه كما يجاب عن أي سؤال: لماذا؟  يجيبنا الكاتب بقوله: " ذلك بأن النقد بمفهومه المعرفي المعقد وماهيته الجمالية المتناهية اللطف يندرج في صلب الاهتمامات الفكرية المستمرة…" .(11)   فمنذ أن وجدت العملية الإبداعية، وخصوصا الإبداع الشعري إلا وجد حوله الآراء . أو ما عبر عنه الكاتب " باللغة الواصفة " أو لغة اللغة. و يشير الكاتب إلى أن من  زعم  أنه يقدم إجابة نهائية و جازمة لهذا الإشكال:

"ما النقد؟ " يكون بذلك قد أوصل العقل البشري إلى صورة الكمال النهائي ، و توقف عن التفكير المستمر والمتجدد.  ثم يحدد إطار الإجابة عن هذا السؤال، و التي تتفرع إلى شقين:

أ- النقد النظري

ب- النقد التطبيقي

ويري أن النقد النظري هو نقد تأسيسي تأصيلي، و هو من الضرورة بمكان لأطوار المعرفة وازدهارها . كما أن النقد النظري مجاله البحث في الأصول النظرية، و الجذور المعرفية و الخلفيات الفلسفية، و كل الاتجاهات و التيارات التي أثرت في الجوانب النظرية.

أما النقد التطبيقي، فهو نتاج و ثمرة النقد النظري، و لو لا النقد النظري التأسيسي لما كان هناك نقد تطبيقي، و من ثمة، فإن النقد النظري والنقد التطبيقي أمران متلازمان، أو إن شئت وجهان لعملة واحدة.

و يرى الكاتب أن الغاية الأسمى من النقد النظري و التطبيقي تبرز في أن كليهما يسعى إلى حقيقة النص، أو تأويله، أو تفسيره، أو استكشاف علاقة الدال بالمدلول، أو معرفة الإشارات، أو تقويضه أو تفكيكه، و من ثمة اختلفت الغاية النقدية تبعا لاختلاف الاتجاهات والتيارات الفكرية. وآية القول: أن الغاية المثلى في النقد تتجلى في خدمة النص الأدبي والكشف عن جماليته و سبر أغواره، و الغوص إلى خفاياه و أبعاده.

ثم يعرج بعد ذلك إلى إيضاح العلاقة بين النقد النظري و النقد التطبيقي والمتمثلة في أن النقد التطبيقي هو ترجمة حقيقية لتلك النظريات و الاتجاهات الجمالية والتيارات الفكرية، فيقوم بعملية تصنيفها و فرزها وذلك خدمة للنص الأدبي.

ثم يتحدث عن القراءة المجهرية المتسمة بالدقة و القدرة على التنقير و التنقيب داخل النص الأدبي، و العمل على تعريته.

ولا شك أن القراءة التي يدعو إليها الكاتب ليست أي قراءة، بل " يدعو إلى القراءة الاحترافية التي تمكننا من إنتاج نص على أنقاضها هي ".(12)

كما يومئ إلى قراءة ثالثة تتجاوز القراءتين النظرية و التطبيقية، و التي اصطلح عليها  " نقد النقد "، ثم يشير إلى أن أول من اصطنع مثل هذا المعنى، و أشار إلى مثل هذا المصطلح ولأول مرة العلاّمة عبد القاهر الجرجاني الذي اصطنع  في العربية " معنى المعنى " (13).

ثم بعد ذلك يطرح الكاتب إشكاليات كثيرة تتعلق بالنقد من حيث ضرورته للأدب، و من حيث الماهية و الوظيفة، ومن حيث المناهج و الأشكال، و ما إلى ذلك من التساؤلات التي تؤرق الناقد، و الباحث، والدارس على حد سواء.

وبعد ذلك يحاول التمييز بين النقد الذاتي، و نقد النقد، فيرى أن نقد النقد يختلف أيما اختلاف عن النقد الذاتي، ذلك أن نقد النقد يقع وسطا بين تاريخ النقد والتوقف لدى المعالم الكبرى لهذا النقد عبر مدرسة بعينها، أو عبر عدة مدارس، في حين أن النقد الذاتي يمكن أن ينصب على مراجعة الأعمال النقدية الشخصية، أو الأعمال  النقدية التي كتبت ضمن مدرسة من المدارس، ثم يجتهد في انتقادها من موقف تلك المدرسة النقدية نفسها.(14)

ثم ينتقل إلى الحديث عن قضية الصراع بين القديم و الجديد موضحا أن ابن قتيبة يعتبر أول من أشار إلى هذه القضية، و أوضح أن الحداثة واجهت العرب منذ ظهور الإسلام الذي غير المفاهيم و المرجعيات. ثم يشير إلى حيرة أبي عمرو بن العلاء تجاه شعر المحدثين، وتجلى ذلك في مقولته الشهيرة: "لقد كثر هذا المحدث وحسن حتى لقد هممت بروايته" (15).

ثم يشير إلى أن القضية برزت سافرة لدى الآمدي في كتابه: " الموازنة بين الطائيين البحتري و أبي تمام في أيهما أشعر؟ و في كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه للقاضي الجرجاني.

ومن هنا يمكن القول: بأن قضية القديم و الجديد ليست من القضايا النقدية الحديثة، و إنما هي قضية قديمة قدم النقد العربي القديم.

ثم ينتقل إلى الحديث عن المعارك الأدبية التي احتدم أورها في العصر الحديث بين صادق الرافعي و طه حسين و غيرهما، و على وجه الخصوص حول مسألة القديم والجديد.

إن قضية الصراع بين القديم و الجديد كما يرى الكاتب أنها شملت جميع الآداب العالمية قديمها و حديثها، فأشار إلى الصراع الذي وقع حول كتابات " رولان بارط"  النقدية في بداية الستينات بباريس، ثم يعرج على أهم خصائص النقد التقليدي والممثلة في:

1- الذوق / 2- الوضوح / 3- النظام.

أما النقد الجديد فيقوم على:

1- الوحدة/ 2- الشمولية/ 3- الترابط.(16)

و بعدها يحاور قضية أخرى لا تقل خطورة عن سابقتها، و هي كيف يتعامل النقد التقليدي مع العمل الإبداعي ؟ و يوضح الكاتب أن النقد التقليدي :" يقوم على التماس فهم الإبداع من خلال فهم المبدع "(17).و يضرب مثالا على ذلك بأبي تمام و شعره .

أما النقد الجديد فهو على خلاف، أي أن الإبداع يفهم من الإبداع ذاته، فلا يعترف بالمبدع، ولا بالملابسات و الظروف الخارجة عن صميم الإبداع.

ثم يوجه النقد للموقفين، حيث يرى الكاتب أن التقليديين بالغوا في ربط الإبداع بكل ما يلف حياة المبدع، على الرغم من أننا قد نحتاج إلى بعض اللقطات من حياة المبدع التي تساعدنا على فك بعض الشفرات المتعلقة بإبداعه، كما أن أصحاب النقد التجديدي - أيضا- بالغوا في تنكبهم عن كل ما يتعلق بحياة المبدع، و الظروف المحيطة بالإبداع .

كما عرج الكاتب على قضية أخرى، و هي النقد الجديد بين التحليل و القراءة مشيرا إلى أن النقد القديم لم يعنّ بالقراءة إلا نادرا، و أن هذه القراءة تبلورت في مستويات ثلاثة:

أ)- شرح غريب اللغة

ب)- تخريج مشكلات النحو

ج)- نثر البيت الشعري(18).

كما فعل ذلك المرزوقي و التبريزي في شرحهما لكتاب: "الحماسة لأبي تمام" (19) أما النقد الجديد أولى عناية فائقة للقراءة و التأويل،فألفيناه ينصرف من الشرح إلى التأويل والتحليل. ثم يطرح الكاتب إشكالية أخرى تتعلق بالنقد و القراءة مفادها: هل يمكن أن تحل القراءة مكان النقد؟

يرى الكاتب أن القراءة لا يمكن أن تحل محل النقد، و لا النقد أن يحل محل القراءة. وفي هذا السياق يقول: " فالقراءة شكل من أشكال المعرفة الأدبية الجديدة بحيث لا هي أرفع من النقد درجة و لا هي أحط منه منزلة، لكن كلا منهما يصنف في منزلته ". (20)  و يرى - أيضا – أن القراءة تعين الناقد أثناء الممارسة النقدية . ثم ينتقد تلك الاتجاهات التي حاولت علمنة الأدب، و لكنها فشلت في ذلك فشلا ذريعا وذكر منها: " الشكلانية الروسية، البنوية، التقويضية، و السيميائية  " (21).

وفي النهاية يخلص إلى أن النقد عملية تنظيرية للإبداع،أما النقد التطبيقي فهو عملية تجسيدية للنقد التنظيري، و نقد النقد هو المظهر الثالث للمعرفة النقدية الجديدة، والمتمثل في التعقيب أو التعليق على نقد كان كتب من قبل حول ظاهرة أدبية ما. (22)

كما يخلص أيضا إلى أن النقد هو درجة وسطى بين الفلسفة و العلم و الفن. (23)

جدلية الإبداع و النقد:

يرى الدكتور عبد المالك مرتاض أن النقد لا يمكن – على الإطلاق – أن يكون صنوا للإبداع ، و هذا الرأي بإجماع النقاد قديمهم و جديدهم، لأن نقطة الابتداء ليست واحدة. ومن ثم  فالإبداع الأول هو الكتابة الأدبية على مختلف أنواعها و ألوانها، و التي قوامها الخيال المحض، و السمة الجمالية الشعرية السامقة.

و من خلال هذه الإشكالية أوقفنا الكاتب على أهم سمات الإبداع الأول: (النص الأدبي)

أ)- الخيال الخالص

ب)- الجمالية الإنشائية

ج)- الشعرية الرفيعة

أما النص الثاني: ( النص النقدي) أو ( النص الوصفي ) فله سماته من أبرزها:

أ)- إصدار الأحكام

ب)- التعليق

ج)- الاعتماد على النص الأول في الصياغة المعرفية( التناص مع نصوص  أخرى ).

ثم يخلص من خلال هذه الخصائص و السمات التي يتصف بها كل من النص الأدبي والنص النقدي إلى نتيجة جوهرية تجلت في أن الإبداع سيد نفسه، و النقد يتكئ على غيره. والكاتب بعد ذلك يوجه نقدا إلى أولئك الذين أرادوا أن يجعلوا من النقد إبداعا يضاهي الإبداع الأول ( النص الأدبي ) قائلا: " فلعلهم أن يريدوا الأشياء أن تمثل لهم على غير طبائعها". (24)  

كما أنه يرفض علمانية النقد مطلقا، ويلمح إلى أن الشكلانيين الروس لم يوفقوا في مسعاهم حين أرادوا للنقد أن يكون علميا خالصا. و بعد التحقيق و النظر والتدقيق توصل الكاتب إلى أن النقد يجب أن يصطبغ بالعلمانية والانطباعية، وكل منهما في حدود المعقول، وما تدعو إليه الحاجة. وخلاصة ما توصل إليه الكاتب في قضية النص الأدبي، والنص النقدي، والعلاقة بينهما تمثلت في: " أن العلاقة بين النقد والنص المبدع وسطا بين الأمرين: جانب موضوعي و جانب ذاتي". (25)

وخلاصة القول في المسألة المتعلقة ب هل النقد إبداع كما هو الحال بالنسبة للنص الأدبي المبدع أم أنها على خلاف؟ من خلال الاستقراء تبين أن إبداعية النقد نسبية كما يعرض الكاتب إلى الإشكاليات الثلاث في النقد و هي:

أ- النزعة الفنية

ب- النزعة العلمية

ج- النزعة الاحترافية

ومن خلالها يشير إلى أن كلا من المدرسة الشكلانية الروسية، والنظرية السيميائية حاولتا توحيد القراءة، بمعنى أن النتائج المستخلصة من قراءة أي عمل إبداعي لا بد أن تكون النتائج المتوصل إليها كنتائج المسائل الرياضية. وهذا يعني أنهما نادتا بعلمية النقد، أو علمانية النقد.

و من ثمة، فإن نظرية هؤلاء ما هي إلا دعوة للقضاء على الإبداع و المبدعين، وفي هذا السياق يقول الدكتور عبد المالك مرتاض : " لا لعلمانية النقد الأدبي" لماذا؟ لأنها قتل للإبداع و المبدعين. و من هنا خلص الكاتب إلى أن فنية النقد ممكنة و هي أقرب إلى حقيقة النقد من علميته.(26)      

المذاهب النقدية والأصول الفلسفية:

يرى الدكتور عبد المالك مرتاض أن معظم المذاهب النقدية تنهض على أصول فلسفية، أما الأدب فهو معرفة جمالية أساسها الخيال و الإنشاء. و أن العلاقة بين الفلسفة والأدب جدلية، و هذا ما عبر عنه بجدلية الفلسفة و الظاهرة الأدبية.

و اللغة هي أداة الكتابة. ومن ثمة ألح " در يدا " على وضع علوم ثلاثة:

أ- علم للكتابة

ب- علم للقراءة

ج- علم للتأويل

وكل ذلك انطلاقا من معرفة فلسفية .

ومن أهم النظريات ذات الجذور الفلسفية في النقد الغربي، النظرية التقويضية القائمة على الهدم و البناء. هذه النظرية التي كان لها أثر كبير في توجيه النقد الغربي، وتحريك عجلاته و إدارة دوالييه.

ثم ينتقل إلى النقد الاجتماعي في ضوء النزعة الماركسية و التي يرى الكاتب أنها لم تكن بمنأى عن القضايا الأدبية، بل كان لها رباط متين بقضايا النقد و الأدب، وأشار إلى الماركسية اللنينية، و أوضح  أن لنين كتب دراسات مطولة عن قضايا الفن والأدب و على رأسها تلك المقالات الست عن تولستوي و غيرها. كما أن الماركسية تنطلق من البنية التحتية، و هي كما عرفها الكاتب : " مجموعة من الوسائل والعلاقات المتمخضة للإنتاج ، وهي التي تكون أساسا للتشكيلات، أو الطبقات الاجتماعية ....". (27) و دورها إنتاج الحياة المادية.

أما البنية الفوقية فتعني مجموعة مكونة من النظام السياسي : "جهاز الدولة والنظام الإيديولوجي ؛ القضائي، المدرسي، الثقافي، و الديني الذي يقوم على قاعدة اقتصادية معينة، أو البنية التحتية" . (28)  والنقد الماركسي لا يقوم إلا على الإيديولوجيات،و لا يهتم بالشكل إلا من خلال المضمون. (29)  

في بداية الأمر يتحدث الدكتور عبد المالك مرتاض عن مصطلح سيتردد كثيرا أثناء حديثه عن المنهج النفسي و هو التحليل النفسي، و آية ذلك أنه نحت مصطلحا من صناعته، و هو " التحلفسي " ثم يشير إلى نشأة هذا المصطلح على يد العالم "فرويد" و هو منهج من مناهج علم النفس الإكلينيكي غايته الكشف بواسطة طرائق مختلفة عن هواجس النفس وعللها الباطنية. كما أن هذا المنهج يتعرض إلى تحليل الأزمات النفسية الباطنة الحادة، والتي ترجع أسبابها في نظر فرويد إلى الطفولة المبكرة، وإلى الكدمات والصدمات النفسية ويتأسس التحليل النفسي على ثلاثة أسس رئيسة:

1- نظرية للحياة النفسية و ضعها فرويد، و موضوعها اللاوعي يوجه بعض التصرفات انطلاقا من عناصر مكبوتة.

2- منهج للبحث المعمق النفساني ينهض على هذه النظرية.

3- علاج يباشر هذه المنهجية.

إن نزعة التحليل النفسي تسعى إلى تحليل النفس الباطنية للإنسان تبحث في داخل الإنسان، كما أنها طالت النقد الأدبي وولجت إلى تحليل النصوص الأدبية اعتمادا على تتبع الألفاظ، و البحث عن الوشائج و العلاقات القائمة بين الإبداع والمبدع الخاضع في إبداعه لحالات اللاوعي المتدفق عليه من ذكريات الطفولة المنسية. و انطلاقا من لغة اللاوعي لدى المبدع في التحليل النفسي وصولا إلى الوعي. فهذه أسمى غاية لهذه النظرية، و هذا المنهج.

يرى المحلل النفساني " جالاكان " أن التحليل النفسي معادل موضوعي للسانيات، لم تعد غايتهما الأدب فحسب، بل يستهدفان اللغة.

التحليل النفسي ينظر إلى الإبداع نظرة أفقية خالصة من حيث عنايته بالألفاظ من الوجهة النفسية الصرفة، أما المنهج اللسانياتي فينظر نظرة عمودية، لأنه يهتم بدراسة اللفظ صوتيا و دلاليا. النزعة النقدية الاجتماعية نالت ر ضا و قبولا كبيرين لدى المتعاملين مع النص خلاف النزعة التحليلية النفسية.

ثم يتحدث عن النقد العربي القديم ، ويبين أنه لا يعدم النزعة التحليلية النفسانية، وأدل دليل على ذلك مقولتهم الشهيرة في موضوع  الحال (المقال) " لكل مقام مقال "وكذلك ما ابتدعه الشعراء في غرض الغزل لدليل على أن العرب كانت تهتم بالنفس وما يتصل بها، و الجاحظ أيضا تناول نتفا من الجوانب النفسية في كتابه البيان و التبيين.

مآخذ المنهج النفسي:

1- عدم قدرة الأدباء على ممارسة التحليل النفسي و تطبيقها على النص الإبداعي، ذلك أنهم يجهلون ماهية المصطلحات النفسية و الأدوات الإجرائية.

2- افتقار المنهج النفسي إلى أدوات منهجية و معرفية حقيقية تمكنه من الممارسة النقدية الحقة.

3- عدم قدرة أصحاب المنهج النفسي على ممارسة النقد الأدبي على النص الإبداعي، لأنهم يجهلون الوظيفة الجمالية والفنية للأدب .

علاقة الجديد:التحليل النفسي بالنقد:

- النقد القائم على نزعة التحليل النفسي يتخذ من اللغة وسيلة من أجل التوصل بها إلى النتائج و الكشف عن الحقائق .

- النقد الجديد اللغة وسيلة و غاية في آن واحد للوصول إلى ما يريد .

- اللغة في النقد الجديد ليست حاملة للحقيقة و لا للمعرفة و لا للمعاني.

- اللغة في التحليل النفسي توصل إلى تقصي أعماق الإنسان .

- التحليل النفسي يركز على المبدع الذي أبدع النص من أجل معرفة أسرار نفسه من خلال اللغة.

- النقد الجديد يرفض المبدع، و يهتم بالإبداع .

- اللغة عند أصحاب النزعة النفسية وسيلة لمعرفة الإنسان و سبر أعماقه.

- اللغة عند النقاد الجدد وسيلة لقتل الإنسان، و التاريخ، و المجتمع كافة .

-  اللسانيات تدرس اللغة لغاية اللغة.

-  التحليل النفساني يدرس اللغة من أجل الوصول إلى خبايا و خفايا النفس.

يبدأ الكاتب في تصويب الخطأ الوارد في مصطلح " البنيوية " موضحا أن هذا الاستعمال من الخطأ الفاحش أو الجهل الصراح باللغة العربية مقدما آراء النقاد في هذه القضية من أمثال يونس بن حبيب، و عمر بن العلاء، و سيبويه مصوبا بذلك الخطأ مقدما الصواب و المتمثل في : " البنوية " و ليس " البنيوية " معقبا على أولئك القائلين : بأن الخطأ إذا شاع أمسى استعماله حجة رادا عليهم بأن الخطأ يظل أبدا خطأ و لا سيما إذا صدر عن أهل المعرفة أو من هو أعرف معرفة من النقاد. (30) 

- تحديد ماهية  البينوية  مقارنة مع النزعة القديمة الماركسية و البنوية :

1- تلتقي النزعة النقدية الماركسية مع البنوية في إبعاد المبدع عن العملية النقدية أو ما يعبر عنه بموت المؤلف.

2- النص هو أساس العملية النقدية و لعل هذا ما توصل إليه ابن قتيبة في كتابه الشعر والشعراء في الحكم على الشاعر بحيث ينطلق من النص و يحتكم إلى الجودة و بذلك خالف تين  في نظريته الثلاثية الأبعاد.

أوجه الاختلاف:

يختلفان في أن النزعة النقدية  الماركسية تهتم بالشكل لا المضمون و ترى أن المضمون يعمل في تحصيل الحاصل، وأمرا حادثا بالضرورة.

في نقد النقد:

يرى الدكتور عبد المالك مرتاض أن الترجمة الإغريقية لمصطلح نقد النقد "AMET"سابقة نما وراء اللغة أو ما بعد اللغة يعد ضربا من الركاكة و القصور والعيّ يمكن أن تستعمل لذلك المعنى " اللغة الواصفة " أو اللغة الحاوية أو حتى لغة اللغة أو كتابة الكتابة. (31) و المصطلحان الأخيران من اقتراح الكاتب نفسه.

ثم يشير إلى أن اصطناع مثل هذه المصطلحات ليس أمرا جديدا في التراث الحضاراتي العربي الإسلامي حيث أن علماء المسلمين صاغوا: " زمان الزمان" كما اصطنع الجرجاني صاحب دلائل الإعجاز و أسرار البلاغة و لأول  مرة مصطلح " معنى المعنى " .(32)  

يشير عبد المالك مرتاض إلى أن مصطلح النقد في المعرفة العربية يرجع إلى الصيارفة العرب الذين كانوا يعملون على تمييز الصحيح من الزائف الأصل  للفظ " النقد ".

النقد في اللغة العربية هو تمييز شيء من شيء آخر، ثم يتطرق إلى إشكالية عويصة وهي كيف نميز بين الجودة و الرداءة في الأعمال الإبداعية؟ و ما هو الأساس الذي تنهض عليه هذه العملية؟  ثم يجيب أن هذه العملية كانت خاضعة لمستويات ثلاثة :

1-       تحويل شرح النص من الصوغ الشعري العمودي إلى الصوغ النثري .

2-       شرح الألفاظ  أو  التعابير المعقدة.

3-       تخريج المسائل النحوية التي تساعد على فهم النص .

تحول النقد في العصر الحديث لأنه أصبح يقوم على مذاهب و تيارات مختلفة ومتعددة، و ينهض على معارف فلسفية، و من ثمة فالنقد لم يعد إصدارا لأحكام ساذجة أو موضوعية فحسب، وإنما أمسى ممارسة معرفية شديدة التعقيد تعمد إلى تحليل الظاهرة الأدبية ضمن جنسها الأدبي .(33)

النقد الأدبي جهاز معرفي معقد معمق عمق المعرفة الإنسانية المتطورة .(34)  

نقد النقد في الثقافة الفرنسية لا يعني إظهار النواقص و المعارضة   والهجنة  في عمل النقد الأول،و لكن هو من قبيل إلقاء المزيد من الأضواء على أصول المذهب النقدي و تباين أصوله المعرفية و إيضاح خلفياته و مرجعياته على المستويين المعرفي و المنهجي. (35) 

أما نقد النقد في المعرفة العربية المعاصرة ينصب في – الأعم الأغلب- حول المعارضة لموقف نقدي ما. و ندر أن يسمو إلى البحث عن الأصول المعرفية النقدية على نحو منهجي عميق و لذلك يخلص الكاتب إلى  "أن العالم العربي يملك نقادا كبارا و لا يملك نقدا كبيرا " (36) 

تجربة نقد النقد لدى علي بن عبد العزيز الجرجاني:

قبل أن يحدثنا الدكتور عبد المالك مرتاض عن تجربة نقد النقد في نقدنا العربي القديم يطالب أولئك الذين ينفون وجود نقد عربي لدى العرب القدامى و ينفون أيضا الممارسة النقدية عند هؤلاء النقاد أن يمتازوا بالشجاعة، لأن إنكار الممارسة النقدية لدى النقاد القدامى تعد ضربا من المكابرة و التحمل و التحامل على النقد القديم، ويشير الدكتور عبد المالك مرتاض إلى أن الموسوعة العالمية تعترف بوجود نقد عربي قديم وعلى رأسهم ابن قتيبة والذي اعتبرته الموسوعة العالمية ليس مؤسس النقد العربي فحسب و لكنه أبو البنوية (37)

ثم ينوه بقضية هامة و المتمثلة في مدى إسهام النقد العربي القديم في بناء وإثراء صرح المعرفة النقدية العالمية، و ما أضافه إليها على الصعيدين المعرفي والجمالي و كل ذلك سواء بالاتجاه النقدي الخالص أو الاتجاه النقدي المتأثر بالثقافات الأخرى كالثقافة اليونانية و غيرها، كما يشير أيضا إلى أن النقاد القدامى مارسوا نقد النقد سواء أكان ذلك فيما يتعلق بمفهوم النقد أم ما عرف بالسرقات الأدبية و غيرها وفي هذا السياق يقول الدكتور عبد المالك مرتاض: " و نحن نرى كثيرا من النقاد القدامى مارسوا كتابة نقد النقد إما تحت مفهوم النقد و إما تحت السرقات الأدبية وإما تحت رواية أقوال و آراء نقدية..."(38)   

تقويم و مناقشة :

إن كتاب الدكتور عبد المالك مرتاض في نظرية النقد يتربع على مكانة سامقة في نقدنا الحديث و المعاصر، لأنه محاولة لقراءة نقدنا العربي الموروث عن السلف قراءة تنفتح عن النظريات النقدية الغربية الحديثة المعاصرة،ومحاولة إيجاد مقاربة بينهما،والعمل على تأسيس نظرية نقدية عربية مستقلة. و ذلك بعيدا عن التقيل والمحاكاة للنقد الغربي، و إنما العمل على الاستفادة مما ورد في النقد الغربي من آراء ونظريات يمكن الاستفادة منها من أجل مواصلة الطريق الذي انتهى إليه الأسلاف.

و تتميز القراءة " المرتاضية " بالطرح المنطقي، و القدرة على الإقناع، والغربلة والتمحيص للآراء سواء، أكانت عربية أم غربية، كما أنها تمتاز بالجرأة والغوص محاولة منها لسبر الأغوار و تحديد الأبعاد.

ويتسم الكتاب بتصحيح نظرتنا إلى مفهوم الحداثة والانصراف إلى النظريات النقدية الغربية الحديثة المعاصرة والعمل على إعادة الاعتبار إلى نقدنا العربي القديم.

كما أن الكتاب – في الحقيقة – غني بالمعطيات النقدية الهادفة و المؤسسة لإيجاد نظرية نقدية حديثة معاصرة في نقدنا العربي، و تتسم بالمعلومات و الحقائق النقدية الجديدة المتميزة التي أحدثت قطيعة منهجية معرفية في التعامل مع التراث النقدي العربي القديم، والتعامل مع الحداثة المعاصرة.

و يؤسس الكتاب كذلك لنظرية نقدية جديدة تبصرة لنقادنا العرب المعاصرين للاستفادة منها في كتاباتهم النقدية الحداثية المتأثرة بالمدارس النقدية الغربية المعاصرة.

النتائج:

من خلال هذه القراءة المتواضعة في سفر قيّم من نتاج علم من الأعلام المبرزين في المجال الأدبي عامة، و المجال النقدي خاصة، و الذي كانت له صولات وجولات من أجل التأسيس و التأصيل لرؤية نقدية عربية خالصة، و بناء مشروع نقدي يكون نقطة انطلاق حاسمة تصحح من خلالها المفاهيم، و توضع اللبنات الأساس من أجل الاستفادة من الموروث النقدي العربي، و الانفتاح على المذاهب الغربية الحداثية والنقدية تطعيما و تلقيحا من أجل التكامل و التلاقح، لا المحاكاة والذوبان،و من هنا أفرزت لنا هذه القراءة لفيفا من النتائج أحسبها تضيء لنا بعض المعالم نجملها فيما يلي :

1-       الدكتور عبد المالك مرتاض – فيما أحسب – يكتب النقد من خلال منظورين: أ-  منظور وصفي علمي توثيقي تحليلي

ب- منظور إبداعي

   2- الاطلاع الواسع على التراث النقدي العربي بكل عطاءاته  التاريخية والعلمية والفنية والثقافية أضفى على  الموضوع أبعادا منهجية و معرفية وتأسيسية منقطعة النظير.

   3- إلمامه بالتيارات الغربية كالبنوية و الشكلانية الروسية، و إطلاعه على اتجاهات وتيارات غربية كثيرة و متعددة مكنه من التصور الصحيح لوضعية النقد العربي في ضوء النقد الغربي و سماته، و من ثمة إنصاف النقد العربي، و جهود السلف.

   4- الدعوة إلى اللامنهج في النقد مادام النص المبدع يمتلكه كل من وجده .

   5- التهجين ضرورة عملية في تأسيس النظريات، و ليس عيبا، فالأسلوبية مثلا:

مهجنة عن النحو و البلاغة و علم اللغة .

   6- الدعوة إلى تأسيس نظرية نقدية عربية تنطلق من إعادة قراءة تراث الأسلاف النقدي، ثم الانفتاح على التيارات و الاتجاهات النقدية الغربية الحديثة المعاصرة.

   7- الدعوة إلى الابتعاد عن المحاكاة لكل ما هو غربي و حداثي على حساب أسسنا النقدية الأصيلة.

   8- تأسيس نظرية نقدية عربية قحة.

   9- المناهج الغربية ذات نظرة إلحادية .

10- النقد درجة وسطى بين العلمية و الفنية و الاحترافية.

11- الاعتراف بالمدرسة النقدية العربية الأصيلة التي أنشأها جهابذة النقد القديم ممثلة بنقادها العمالقة من أمثال: " الجاحظ، و بن سلام الجمحي، و بن قتيبة، والقاضي الجرجاني، و عبد القاهر الجرجاني..."إلخ.

الخاتمة:

وتأسيسا على ما سلف يمكن القول : إن كتاب د.عبد المالك مرتاض في نظرية النقد يعتبر من أنفس الكتب التنظيرية الحديثة المعاصرة،والذي يصبو صاحبه من خلاله إلي تصحيح المفاهيم ،والتوجيه إلى الجادة في كيفية التعامل مع التيارات والاتجاهات الغريبة الحداثية التي تهب رياحها على البلاد العربية .خاصة على مستوى الفكر والإبداع والثقافة .

والكاتب يضع القواعد الصحيحة في كيفية الاستفادة من هذا الزخم من النظريات الوافدة ،كما يدعو إلي الحذر من الوقوع في التقليد الأعمى والتقيل الساذج والاجترار القاتل لكل ماهو أصيل وعريق في تراث الأمة العربية .

وحوصلة الأمر: قراءة الموروث النقدي العربي قراءة واعية متبصرة وتثمينية، والانفتاح على ما هو غربي وحداثي، والعمل على الاستفادة منه مع ما يتناسب وأصالتنا وقيمنا الفكرية و الحضارية والعقائدية، حتى يتسنى لنا تأسيس نظرية نقدية عربية حداثية معاصرة لا تسلبنا شخصيتنا، ولا تقوض معالم حضارتنا، و تسير بنا قدما نحو سلم التجديد والإبداع.


 

الإحــالات

1-    د. عبد المالك مرتاض، في نظرة النقد ( متابعة لأهم المدارس النقدية المعاصرة و صد لنظرياتها) ، دار هومة للطباعة و النشر والتوزيع، الجزائر،2002، ص 6.

2-       المرجع نفسه، ص 6 .

3-        المرجع نفسه، ص 8 .

4-       المرجع نفسه، ص 8 .

5-       المرجع نفسه، ص 9 . 

6-       المرجع نفسه، ص 9 .

7-       المرجع نفسه، ص 25 . 

8-       المرجع نفسه، ص 30 .

9-       المرجع نفسه، ص 42 .

10-المرجع نفسه، ص 47.

11-  المرجع نفسه، ص 49.

12-المرجع نفسه، ص 53 .

13- المرجع نفسه، ص54 .

14- المرجع نفسه، ص56 .

15- المرجع نفسه، ص56 .

16- المرجع نفسه، ص61 .

17- المرجع نفسه، ص61 .

18- المرجع نفسه، ص64 .

19- المرجع نفسه، ص65 .

20- المرجع نفسه، ص66 .

21- المرجع نفسه، ص 68 .

22- المرجع نفسه، ص68 .

23- المرجع نفسه، ص70 .

24- المرجع نفسه، ص 16 .

25- المرجع نفسه، ص18 .

26- المرجع نفسه، ص

27- المرجع نفسه، ص103 .

28- المرجع نفسه، ص104 .

29- المرجع نفسه، ص108 .

30- المرجع نفسه، ص191/192 .

31- المرجع نفسه، ص222 .

32- المرجع نفسه، ص223 .

33- المرجع نفسه، ص225 .

34- المرجع نفسه، ص226 .

35- المرجع نفسه، ص227 .

36- المرجع نفسه، ص227 .

37- المرجع نفسه، ص228 .

38- المرجع نفسه، ص229 .

لا تعليقات

اترك تعليق

آخر التغريدات: