الصحفي الشهيد محمد العيشاوي.. منجز بيان فاتح نوفمبر.. صياغة ورقنا وسحبا..

بقلم: محمد عباس-

ترى من صاغ بيان فاتح نوفمبر 1954 بيان الإعلان عن الثورة باسم جبهة التحرير الوطني؟ ومن رقن هذا “البيان رقم 1” على “استانسل”؟ ثم من سحبه على آلة “الرينو” قبل توزيعه إعلانا مدويا عن اندلاع ثورة التحرير المباركة؟

الشائع أن البيان رسم خطوطه العريضة الفقيد محمد بوضياف والشهيد مراد ديدوش باسم “لجنة الستة” (❊)، لكن هناك من حرر الصياغة النهائية قبل رقنه وتصحيحه وسحبه.. ونعني به الصحافي الشهيد محمد العيشاوي الذي ارتأينا -في أجواء الذكرى الخامسة والخمسين للثورة- أن نذكر باسمه -المغمور- ونقدم في نفس الوقت لقراء الشروق صورته -أول مرة- كي لا يظل اسما بدون مسمى!

ولد الشهيد محمد العيشاوي في 23 يناير 1929 بقرية سي مصطفى (فليكس فور سابقا) ولاية بومرداس، حيث كان والده عاملا بسيطا عند أحد “الكولون” (المستوطنين) بالناحية، وقد عاجل الموت والده، فاضطرت أمه إلى دخول العاصمة مع أبنائها القصّر، لتستقر بهم بواد كنيس (رويسو) في دار بالرّوان شارع “أمبير” سابقا.

هذه الوضعية الاجتماعية الحرجة جعلت الصبي محمد يترك الدراسة مبكرا رغم نباهته وتعطشه إلى المعرفة، وقد اشتغل في البداية مع أخيه الأكبر السعيد في معمل للنجارة تمتلكه عائلة بن ونيش، ثم انتقل إلى العمل لدى محام فرنسي، حيث تعلم أعمال الأمانة المكتبية وفي مقدمتها الرقن.

كان شقيقه السعيد مناضلا في حزب الشعب الجزائري، ما جعل محمد يقتفي أثره، وحسب شهادة بعض رفاقه في النضال فإن العيشاوي برز كداعية كبير في غضون الحرب العالمية الثانية، بعد أن تخلص من الخدمة العسكرية الإجبارية بواسطة التمارض، وكان قد دخلها كواحد من الهاربين.

“كان داعية كبيرا لاسترجاع السيادة الوطنية والاستقلال، داعية لا يعرف مللا أو ضعفا، ولم يراوده يأس في يوم من الأيام” حسب شهادة سيد أحمد حصام من مناضلي حزب الشعب بدائرة واد كنيس – القبة.

تؤكد ذلك خالتي الضاوية زوجة أخيه السعيد بقولها: “كان الشهيد في حركة زرع دائبة”، للأفكار الوطنية والثورة على النظام الكولونيالي.

وحسب رفيقه في النضال عبد النور ساطور، فإن العيشاوي كان يتولى الدعوة الوطنية في صفوف الشباب، ومن أساليبه في ذلك أنه كان كثيرا ما يعترض سبيل الشبان العائدين من التمرينات الرياضية ليناقشهم في رياضتهم المفضلة، ومنها يتسلل إلى حال الجزائر وتاريخها، ليخلص إلى وجوب النضال في سبيل استرجاع سيادتها واستقلالها، وكلما لاحظ أن هذا الشاب أو ذاك قد استوعب الرسالة، صارحه ودعاه مباشرة إلى الالتحاق بصفوف حزب الشعب.. وقد حدث ذلك مع الشاهد شخصيا في نهاية 1942.

وحسب شهادة عبد النور ساطور دائما فإن “العيشاوي كمسؤول حزبي كان على دراية كبيرة بتنظيم الاجتماعات وتوجيهها نحو الأهداف المحددة لها.. لذا كنا نخرج دائما بنتائج هامة من اجتماعاتنا”.

وقد تدرج في سلم المسؤولية، حتى أصبح مسؤول قسمة واد كنيس وعضوا في لجنة الدائرة.. وبهذه الصفة شارك مشاركة فعالة في تحضير مظاهرات فاتح مايو 1945، وكان من العناصر التي تقدمت مسيرة الباب الجديد – البريد المركزي مرورا بشارع بن مهيدي..

ومن الدعوة في صفوف الشبيبة، انتقل إلى الدعوة في الأوساط الفنية انطلاقا من النشاط المسرحي، ومن المحتمل أن يكون احتكاكه بهذه الأوساط قد أحيا رغبته في مواصلة التكوين والتحصيل اعتمادا على النفس، ويذكر المناضل سيد أحمد حصام في هذا الصدد، أن العيشاوي في تلك المرحلة كان شغوفا بالمطالعة، مواظبا على قراءة كل ما يقع بيده من كتب، واستعارة بعضها من أصدقائه ومحاولة مناقشة مضامينها معهم.

وابتداء من 1946 التحق بأمانة الإدارة المركزية للحزب، حيث استغل الفرصة لمواصلة تكوينه السياسي والثقافي.. وكان قبل ذلك قد احتك بالعمل الصحفي عبر ترجمة صحفية “صوت الأحرار” وهي نشرة سرية يصدرها الحزب باللغة العربية.

وفي أمانة الحزب كان يرقن الوثائق المتعلقة بالنشاط النظامي، وكذلك مقالات المسؤولين الموجهة إلى الصحافة، وهناك تولدت لديه الرغبة في تجربة الكتابة، بعد أن شعر أن بإمكانه أن يكتب مثل المسؤولين الذين يرقن مقالاتهم، وربما أحسن منهم! وقد لقي تطلع العيشاوي إلى الكتابة التجاوب الحسن من المسؤولين على الإعلام:

– أولا بنشر محاولاته في صحيفة “الجزائر الحرة” اللسان المركزي للحزب – ابتداء من صائفة 1949.

– ثانيا بتلبية رغبته في السفر إلى فرنسا لإجراء فترة تربص في معهد الصحافة بباريس.

سافر العيشاوي سنة 1950 إلى فرنسا، ومن المحتمل أن يكون قضى نحو سنتين في الدراسة، وقد سمحت له هذه الإقامة بالتكوين والعمل بالصحافة، فضلا عن التعرف على شخصيات لعبت دورا بارزا في الإعداد لثورة التحرير وتفجيرها، ومن هؤلاء محمد بوضياف ومراد ديدوش.

وفي سنة 1953 عاد إلى الجزائر بعد أن حقق مطمحا شخصيا هاما: عاد وهو صحفي يحمل بطاقة مهنية، تخول له “ممارسة مهنة الإعلام طبقا للشروط التي يحددها القانون”، ويقول المناضل عبد النور ساطور: “إن العيشاوي (المكنى إسماعيل) زارني غداة عودته من فرنسا، وكان في غاية السرور بالنجاح في الهدف الذي هاجر من أجله، وقد أراني البطاقة المهنية معتزا بها فخورا وهو يقول: أصبح العيشاوي الآن صحفيا وليس مجرد راقن”!

بيد أن الصحفي المناضل لم يعد بالبطاقة المهنية فقط، بل عاد بموقف على الصعيد النضالي كذلك: العمل في سبيل الثورة المسلحة، بفضل اتصالاته بالعناصر التي شرعت في التحضير لها منذ 1952، لذا عندما انفجرت أزمة الخلاف بين أنصار مصالي والأمانة العامة للحزب مطلع 1954، كان العيشاوي جاهزا لسلوك درب الحياد والثورة، وقد تعرض بسبب موقفه ذاك إلى اعتداءات العناصر المصالية من بلكور حسب شهادة خالتي الضاوية.

ولما اقترب موعد الثورة انتدب بوضياف وديدوش من قبل “لجنة الستة” لوضع الصياغة النهائية لبيان إعلان الثورة، بعد وضع خطوطه العريضة في اجتماع 10 أكتوبر 1954 الذي انعقد بالمرداية.. وقد اجتمع الإثنان لهذا الغرض بالصحفي المناضل في محل المناضل الخياط عيسى كشيدة بممر “مالكوف” في القصبة السفلى، وأمليا عليه ما تم الاتفاق حوله في “لجنة الستة” مستعينين في ذلك بمرجعية سياسية وايديولوجية محددة: لوائح المؤتمر الثاني لحركة انتصار الحريات الديمقراطية المنعقد بالعاصمة في أبريل 1953.

وبعد الانتهاء من صياغة البيان ومراجعته انتدب العيشاوي لمواصلة المهمة، برقنه وسحبه بقرية إيغيل إيمولا ولاية تيزي وزو، تحت إشراف مسؤول المنطقة الرابعة (العاصمة وشمال وسط البلاد) رابح بيطاط.

وتولى هذا الأخير تقديم المناضل الصحفي إلى عمار أوعمران نائب قائد المنطقة الثالثة (الصومام- جرجرة) الذي اصطحبه من مقهى المناضل أحمد زهوان ببلكور إلى تيزي وزو وهناك تكفل به المناضل علي زعموم الذي رافقه إلى القرية المذكورة، وساعده على إنجاز مهمته التاريخية في سرية تامة، وكان الرقن والسحب يتم ليلا في الغالب.

وبعد سحب البيان -ومعه نداء باسم جيش التحرير الوطني إلى الشعب الجزائري- عاد إلى العاصمة عبر نفس الطريق ليشرع في توزيعه عشية الثورة على أوسع نطاق ممكن..

وتقول خالتي الضاوية في هذا الصدد إن محمد تغيب قبيل فاتح نوفمبر حوالي أسبوع، وعند عودته كان شاحبا تبدو عليه آثار الإرهاق.. واندلعت الثورة التي كان للعيشاوي شرف المشاركة في إصدار بيانها الأول.. وما هي إلا أيام حتى طرقت الشرطة الاستعمارية باب الدار الكبيرة التي كان يسكن بها، غرفة متواضعة مع والدته، كان ذلك في فجر 16 نوفمبر على الساعة السادسة، كان المحافظ “فاسيولي” يتقدم المجموعة، ومجرد دخول الغرفة المتواضعة راحوا يقلبون كل شيء فيها، دون أن يعثروا على قرينة جدية تدين الرجل. ومع ذلك أخذوه مباشرة إلى “دار محي الدين” الرهيبة، حيث عذب عذابا شديدا قبل نقله إلى تيزي وزو لاستكمال التحقيق.

ومن سجن تيزي وزو بعث رسالة إلى وكيل الجمهورية، يصف فيها وكر التعذيب المنكور السمعة بالتفصيل، كما يصف حصص الاستنطاق والتعذيب المتنوعة التي يتعرض لها المعتقلون.

– ففي مساء الأربعاء 17 نوفمبر كانت حصة “التغطيس في الحمام” الأولى، قام بها المحافظ “أفنير” بمساعدة المفتش أوميري، وقد استغرقت 45 دقيقة، تلتها مباشرة حصة استنطاق من توقيع المفتش “طوران”..

ويصف العيشاوي في رسالته آلامه أثناء التعذيب بقوله: “إن كلمة كابوس لا تكفي للتعبير عما كنت أحس به”.

– وفي اليوم الموالي كانت حصة “التغطيس” الثانية التي استغرقت ساعة كاملة، وفيها “غرق” العيشاوي، أي انقطع نفسه وفتح فمه مضطرا ليتجرع الماء القذر.

– وفي الحصة الثالثة غيرت الشرطة الوسيلة من الحمام إلى الكهرباء، وكان “البطل” هذه المرة جلاد جزائري هو المفتش حميدي المدعو “الدكتور شميت” تشبيها له بزبانية “الغستابو” النازية.

وتلا الجلاد حميدي المفتش “طوران” لاستنطاق الضحية على الساخن، وأثناء الاستنطاق كان الصحفي يحس بآلام تقطع أحشاءه، فتبادر إلى ذهنه أن يحاول تسكين الألم بالعمل، فاقترح على جلاده أن يتولى رقن “اعترافاته” بنفسه! فوجئ “طوران” بهذا الاقتراح، ثم سمح له بذلك!

بعد هذا العذاب الجسدي والمعنوي حاول العيشاوي أن يخلو بنفسه قليلا، لكن آثار التعذيب لم تمهله؛ فقد أخذت أذنه اليمنى تنزف قيحا بسبب المياه القذرة والصفعات العنيفة التي كانت تنهال عليه من جلاديه.

مكث العيشاوي “بدار محي الدين” (أعالي قاعة حرشة) 6 أيام كلها تعذيب، قبل نقله إلى تيزي وزو، ولم يمثل أمام قاضي التحقيق إلا في 24 نوفمبر، وهو ما يحتج عليه في رسالته إلى وكيل الجمهورية التي ضمنها دعوى بالتعذيب والحجز التعسفي على المحافظين “أفنير” و”فاسيولي” والمفتشين أوميري وحميدي.

وتقول خالتي الضاوية إن الأستاذ أندري مندوز هو الذي كان يأتينا بالمعلومات عن محمد، ومنه عرفنا أنه في “دار محي الدين” وبعدها في سجن تيزي وزو.

مثل المناضل الصحفي أمام محكمة تيزي وزو التي حكمت عليه بـ 18 شهرا، قضاها بين سجني سركاجي والبرواڤية، وعند قضاء المدة أفرج عنه، ومنحته إدارة السجن تذكرة قطار حدها البليدة، رغم علمها أنه يقطن العاصمة، فاضطر أن “يحرق” بقية المشوار!

خرج العيشاوي من السجن مصمما على الالتحاق بالثوار في الجبال، وكان لسان حاله: “لا يلدغ المؤمن من حجر مرتين”! للشهادة أفضل وأشرف من أن يموت المناضل بين أيدي الجلادين! ولم يمض وقت طويل حتى وجد طريقه عبر الولاية الرابعة.

التحق حسب مؤهلاته بمصلحة الإعلام التي كانت تضم نخبة من المثقفين أمثال الدكتور بالعربي، وبوعلام أوصديق وأحمد زمرلين وعبد القادر شوكال وأحمد حمدي المعروف بأرسلان شاعر المنطقة..

كانت المصلحة تصدر نشرة دورية بعنوان “ڤيريا” (حرب العصابات)، كان العيشاوي يدلي بدلوه فيها.. ومن إسهاماته تحقيق مؤثر حول قرية الجراح بجبال الزبربر، أثر تدميرها من قبل طيران العدو.. وذات يوم راود الصحفي المجاهد الحنين إلى والدته، فجاء بها رفاقه إلى مكان من ناحية البليدة.. وهناك التقى بها جزءا من الليل، فكان اللقاء الأول والأخير..

وحسب المعلومات التي بلغت والدته غداة الاستقلال، أن محمد العيشاوي يكون استشهد في غضون 1959، عقب اشتباك عنيف مع العدو، اضطر مجموعته إلى الاعتصام بأحد الغيران المنيعة، غير أن العدو اكتشفهم وأطلق عياهم غازات سامة فاستشهدوا جميعا.


(❊) إضافة إلى بن بوالعيد وبن مهيدي وبيطاط وكريم.

لا تعليقات

اترك تعليق

آخر التغريدات:

    Message: Invalid or expired token., Please check your Twitter Authentication Data or internet connection.