هل غابت عنا: المدرسة الباديسية في التربية والتعليم؟
بقلم: د. عمار طالبي -
إن تجربة ابن باديس في تربية الأطفال تجربة علمية رائدة في ظرف شديد الصعوبة، قليل الإمكانيات المادية والمعنوية، أغلقت المدارس الفرنسية أبوابها فلا تنفذ إليها العربية، وجعلت لغة أجنبية.
لكن ابن باديس تحدى ذلك كله، وفتح أول مدرسة للتربية والتعليم للبنين والبنات في مدينة قسنطينة، وأخذ يعلّم اللسان العربي عن طريق النصوص الجزلة في جمالها، الجمال اللفظي والمعنوي، فانطلقت الألسنة مغردة بالعربية، وتخرّج من هذه المدرسة، ومن الجامع الأخضر كتّاب وشعراء يكتبون النثر المتين، بأسلوب رائع، وتصوير بديع، فهذا الهادي السنوسي، في قصائده الأخاذة، وهذا محمد العيد آل خليفة في شعره الوطني الرصين، ونفسه النبيل، وذاك الربيع بوشامة الشهيد، صاحب الروح الوثابة، وجمال الإيقاع، ومحمد السعيد الزاهري في نثره الأخاذ. ومن هؤلاء وغيرهم تكونت مدرسة أدبية رائدة في هذا الوطن الذي كانت تحكمه سلطة استعمارية معادية للثقافة العربية الإسلامية أشد العداوة،ـ وتحاربها أشد الحرب وأعتاها.
اتخذ ابن باديس وجماعته أسلوباً واضحاً سهلاً، لا يخاطبون التلميذ من أول يوم إلا بالعربية، وكان ابن باديس لا يخلط لغته في الدرس بأية لغة دارجة أو هجينة أبداً، ويمنع من استعمالها مادام التلميذ في المدرسة، ويعتني باختيار أروع النثر، وأجمل القطع الشعرية وأجزلها، يعمد إلى تحليلها، تحليلاً يجعل التلميذ يتذوق النص من ناحية الصورة والمضمون، ويراعي في ذلك نفسية الطفل، وعمره العقلي، ويرقى به من المحسوس إلى المجرد في لغة علمية لا دارجة، فالعاميات في الجزائر متعددة، مختلفة من منطقة إلى أخرى، وفي منطقة القبائل مثلاً لا توجد عامية يتحدث بها في الوسط العائلي، فكيف نتحدث مع هذا الطفل بالعامية حتى لا يصطدم بالفصحى؟
إنه منطق مخالف لأصول التربية، وعلم النفس، والألسن سواء في مستوى الصوتيات أو الدلالات أو التراكيب النحوية الصرفية.
وما نراه اليوم من ضعف المستوى اللغوي عند التلاميذ في العربية وغيرها، نشأ فيما أحسب عن عدة عوامل، منها ضعف التكوين التربوي لدى المعلم، وضعف التكوين العلمي، ومنها استعمال العامية، وعدم إلزام التلميذ بالقراءة الصحيحة صوتياً، وإخراج الحروف من مخارجها.
إن عدم الاهتمام بالقراءة الصحيحة؛ ومتابعتها في الابتدائي، يورث الضعف في فصاحة اللسان، والتعثر في القراءة، وكذلك عدم العناية بالتعبير الشفوي والكتابي، بما فيه الكفاية، فيجب إعادة النظر في تكوين المشرفين الفنيين، أعني من يسمون عندنا بالمفتشين، وهي كلمة غير لائقة فيما أظن، كأنها عمل شرطي وتحقيق قضائي.
وإذا أدخلنا العامية في المدرسة فإنها تزيد اللغة سوءاً على سوء، واضطراباً في اللسان، وربما أدت إلى المرض الذي يسمى بالحبسة، والمهمة، والتعتعة، والعته، وتنافر نطق الحروف.
إن مشكلة التربية مسألة مصيرية في تكوين اللسان والأذهان، وأي خطأ في هذا المجال يؤثر في تكوين الهوية أو الذاتية، وفي الثقافة، وتصوير الأشياء، وفي العلاقات المنطقية والمفاهيم، والضبابية في التفكير.
ولا يمكن أن يقرر مصيرها وغايتها ومناهجها شخص أو عدة أشخاص، لهم أيديولوجية معينة، يريدون فرضها على الشعب واستغلال موقعهم في السلطة.
إن الأيديولوجية في العامية قد عفي عليها الزمان، وأقبرت، ولم يعد لها وجود في الأذهان، فكيف تبعث من جديد في وقت تغير فيه المجتمع، وتطور العلم، وتطورت مناهج التربية وملامحها؟ وذهبت دعاوى العامية إلى غير رجعة.
لا يمكن السماح بالتلاعب بمصير أبنائنا، واستعمال وسائل ثبت فشلها وعقمها ومخالفتها لكل الاتجاهات التربوية في العالم، لم نشهد شعباً يبدأ الدخول المدرسي باللهجة العامية، مع أن لكل شعب لغة عامية تقرب أو تبعد من الفصحى، ولكن لم يقدم مسؤولو التربية على مثل هذا الذي تدعو إليه الوزيرة الموقرة وأعوانها المحترمون، وليست التربية مسألة سياسية مؤقتة، بل هي علم لا يقرر في شأنه إلا من كان على علم بشؤون التربية، وعلوم النفس والمعرفة، وعلوم اللسان (اللسانيات)، وتطور الوسائل الفعالة في نقل المعرفة، بل وفي غرسها في النفوس، وجعل العقول تعرف كيف تفكر، وتدبر، وتخترع، وتبدع، لا أن تحشى بالمعلومات وحفظها مجرد الحفظ، إنها الأمانة وأي أمانة، "إن اللغة الأم التي تم اكتسابها لا يعاد تعلمها في المدرسة"، كما قالت السيدة نصيرة زلال [الوطن 2/8/2015].
فليشعر إخواننا المسؤولون عن تربية أبنائنا بمسؤوليتهم عن مصير الثقافة في وطننا، وما كان لهم أن يقبلوا ما يملى عليهم من الخارج، مما يتنافى مع ذاتيتنا.