صفحات من حياة الشيخ المكي نعماني رائد النهضة الإصلاحية في هراوة وعين طاية

بقلم: علي حمادوش-

إن الأيام تنقضي وتمر مر السحاب، وينتقل كثير من العلماء إلى الدار الآخرة، ولكن أعمالهم تبقى حية في الذاكرة، شاهدة عليهم على مر العصور والأزمان، وقد هيأ الله لبلادنا علماء أجلاء وقفوا في وجه السياسات الاستخرابية المدمرة، وقاوموها بكل ما يملكون من وسائل وإمكانيات، وبذلوا جهودا عظيمة في الدعوة والإصلاح، وإيقاظ الضمائر، وتنوير القلوب، تنقية الإسلام من الخرافات والبدع، في وقت كان الاستخراب الفرنسي البغيض يعمل لمحو شخصيتنا العربية الإسلامية، ومن هؤلاء العلماء الشيخ المكي بن أحمد نعماني رحمه الله رائد النهضة الإصلاحية في هراوة وعين طاية، كان متأثرا برواد الإصلاح في العالم الإسلامي كالشيخ محمد رشيد رضا والشيخ محمد عبده والشيخ عبد الحميد بن باديس وغيرهم من المصلحين الذين أيقظوا الأمة الإسلامية من سباتها العميق، فكانت حياته حافلة بالجد والنشاط ،لإصلاح المجتمع وتهذيب سلوكه وأخلاقه، من خلال تفرغه للتعليم في بعض مدارس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وقيامه بمهمة الوعظ والإرشاد، وكان من المجاهدين الذين أبلوا بلاء حسنا في الولايتين التاريخيتين الرابعة والخامسة.

مولده وعائلته:

مسجل في الحالة المدنية لسنة 1336هـ-1918 م ببلدية عين بسام ولاية البويرة.

تربى يتيم الأم توفيت أمه وعمره أربع سنوات، ولم يكن له أخ شقيق أو أخت شقيقة، توفي أخواه الأشقاء صغارا، واسم والدته جنات، توفيت وعمرها 23 سنة.

وهو ينتمي إلى عائلة شريفة معروفة بالعلم وجهاد فرنسا، أصلها من عين بسام بولاية البويرة، مارست القضاء الإسلامي أثناء الحكم التركي في عهد الدولة العثمانية وبداية الاحتلال الفرنسي تحت اسم عائلي ثان وهو عائلة بن المرسلي وآخر قضاتها هو الشيخ محمد بن المرسلي رحمه الله قاضي سور الغزلان، وهو الذي يفضل في الخصومات والمشاكل العائلية ويوثق العقود، وما زالت الرسوم القديمة ممضاة باسمه عند كثير من سكان مدينة سور الغزلان ونواحيها.

والده هو الشيخ أحمد نعماني رحمه الله، كان يعلم القرآن الكريم ويدرس الفقه في زاوية الهامل بمدينة بوسعادة وزاوية سيدي منصور وزاوية ذراع الميزان توفي سنة 1370هـ-1951 م.

وقد نشرت جريدة البصائر ليوم الإثنين 6 جمادى الأولى 1370هـ الموافق ليوم 12 فيفري 1951م خبر وفاته مع تقديم التعزية لابنه الشيخ المكي نعماني رحمه الله في صفحة القراء.

 

تعليمه:

تلقى تعليمه الأول على والده الشيخ أحمد بن مكي رحمه الله فحفظ القرآن الكريم في سن مبكرة في زاوية الهامل بمدينة بوسعادة، ثم انتقل إلى زاوية سيدي علي موسى في بلدية سوق الإثنين دائرة معاتقة ولاية تيزي وزو فدرس على الشيخ عبد القادر حملات رحمه الله، وهذه الزاوية درس فيها أخوه من جهة أبيه عبد المالك النعماني.

قال الشيخ المكي نعماني رحمه الله في حوار نشر في جريدة الشعب ليوم الإثنين 6 من ذي القعدة 1408 هـ الموافق لـ20 جوان 1988م: (وأدين بتكويني الأول حتى سن الثانية عشرة من عمري إلى شخص والدي الذي كان معلما، ثم إلى عمي عبد القادر بالرقيق الأستاذ ومدير شؤون زاوية سيدي علي بن موسى في منطقة المعاتقة بالقبائل الكبرى ولاية تيزي وزو، فحفظت كتاب الله على الأول ودرست مبادئ العربية والفقه على الثاني، وهذا الأستاذ الأبر الذي كان نجما بالمنطقة هو والد أخي وصديقي فضيلة الشيخ علي حملات إمام مسجد الأبيار الآن أمد الله في عمره ونفع به).

وقد درس كذلك في زاوية سيدي بهلول الشرفاء بعزازقة عند الشيخ أبي يعلى الزواوي رحمه الله.

ثم انتقل إلى تونس ودرس في جامع الزيتونة وتخرج منه في أواخر الثلاثينيات، وقد كان خلال مرحلة دراستة بمدينة قسنطينة وجامع الزيتونة بتونس يتابع الأحداث والتطورات السياسية والدينية والاجتماعية التي تقع بالجزائر، وكان يفكر في مواجهة السياسات الاستخرابية والجهاد بإخلاص من أجل إيقاظ الجزائريين من سباتهم وتنوير عقولهم، وتحذيرهم من الجمود والخرافات والبدع التي شاعت وذاعت.

قال الشيخ المكي نعماني رحمه الله في حوار نشر في جريدة الشعب ليوم الإثنين 6 من ذي القعدة 1408 هـ الموافق لـ20 جوان 1988م:(...وهذا إلى حدود سنة 1930م حين أصبحت ابن نفسي والمسؤول عن حياتي، فأمضيت ما يقرب من عشر سنوات في طلب العلم ما بين قسنطينة وتونس دون أن أغفل عما يجري بالجزائر عموما من أحداث وتطورات سياسية ودينية واجتماعية).

دعوته الإصلاحية بمدينة عين بسام:

بعد تخرجه من جامع الزيتونة رجع إلى الجزائر ليباشر نشاطه الإصلاحي، فأسهم في تأسيس مدرسة حرة تابعة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين بمدينة عين بسام في بداية الأربعينيات، وقد أعانه على تأسيسها بعض المناضلين من حزب الشعب.

شرع الشيخ المكي نعماني رحمه الله في التدريس بهذه المدرسة، ولكنه لقي مضايقات من السلطات الفرنسية، فدرس فيها شهرين أو ثلاثة أشهر ثم أغلقتها السلطات الفرنسية ونفته من مدينة عين بسام.

الشيخ المكي نعماني

دعوته الإصلاحية بمدينة عين بسام:

بعد تخرجه من جامع الزيتونة رجع إلى الجزائر ليباشر نشاطه الإصلاحي، فأسهم في تأسيس مدرسة حرة تابعة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين بمدينة عين بسام في بداية الأربعينيات، وقد أعانه على تأسيسها بعض المناضلين من حزب الشعب.

شرع الشيخ المكي نعماني رحمه الله في التدريس بهذه المدرسة، ولكنه لقي مضايقات من السلطات الفرنسية، فدرس فيها شهرين أو ثلاثة أشهر ثم أغلقتها السلطات الفرنسية ونفته من مدينة عين بسام.

في رحاب العلم مع الشيخ الرزقي الشرفاوي في زاوية الشيخ عبد الرحمن اليلولي:

انتقل الشيخ المكي نعماني رحمه الله إلى زاوية الشيخ عبد الرحمن اليلولي بعدما سمع بالعلامة الرزقي الشرفاوي رحمه الله الذي قدم من جامع الأزهر بعدما مكث فيه 27 سنة دارسا ومدرسا، فذهب إلى تلك الزاوية لمراجعة القرآن الكريم والانتفاع من علمه الغزير، ودرس فيها ثلاث سنوات من سنة1360 هـ ـ 1942م إلى قبيل وفاة الشيخ الرزقي الشرفاوي رحمه الله بأشهر سنة 1364 هـ- 1945م ، كما ذكر رفيقه في الزاوية الشيخ المجاهد محمد الصالح الصديق حفظه الله.

تأسيسه لمدرسة حرة في مدينة هراوة:

غادر الشيخ المكي نعماني رحمه الله زاوية الشيخ عبد الرحمن اليلولي سنة 1364 هـ - 1945م وانتقل إلى سيركوف بعين عين طاية، فكان يسكن عند الشيخ خالد العربي رحمه الله، ثم اشترى قطعة أرضية بني فيها مسكنه في المكان الذي يسمى حي الشهداء حاليا، وقام بتأسيس مدرسة حرة تابعة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين بمدينة هراوة في الأربعينيات بجوار مسجد الحسين بن علي ـ وهو الآن يشهد عملية إعادة بنائه ـ واشتغل بالتدريس فيها، وسماها مدرسة النصيحة ،وقد درس على يديه العديد من الطلبة، وقد كان يلقي دروسا في مسجد هراوة.

وقد رد اسمه في جريدة البصائر في قائمة المعلمين ومدارسهم التي نشرت جريدة البصائر ليوم الإثنين 28 ذي القعدة 1355هـ الموافق لـ: 13 أكتوبر 1947م ،العدد 10 السنة الأولى من السلسلة الثانية، وفي قائمة المعلمين ومدارسهم التي نشرت في جريدة البصائر ليوم الإثنين 10 محرم 1368هـ الموافق ليوم: 22 نوفمبر 1948م ،العدد 57 السنة الثانية من السلسلة الثانية، وفي قائمة المعلمين لسنة 1369ه- 1950م في جريدة البصائر ليوم الإثنين 9 محرم 1369هـ الموافق ليوم 23 أكتوبر 1950م، العدد 93 وقد ذكر بأن المدرسة قيد الإنشاء، وفي قائمة المعلمين في المدارس الحرة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين لسنة 1369هــ 1950م و1370ه ـ 1951م، وفي قائمة الوعاظ في شهر رمضان، وشارك في الاستفتاء الذي قامت به جريدة المنار حول الاتحاد في الجزائر سنة 1372هـ ـ 1953م.

انتقاله إلى مدرسة برج منايل سنة 1373هـ- 1954م.

بعد قيامه بنهضة إصلاحية كبيرة في مدينتي هراوة وعين طاية عمل مدرسا في مدينة برج منايل سنة 1373ه- 1954م في مدرسة حرة تابعة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، تأسست قبل الثورة التحريرية بسنة أو سنتين، وقد كان من عادته أن يتولى مهمة الوعظ والإرشاد خلال شهر رمضان في مدينة عين طاية، إلا أنه لم يكلف بتلك المهمة في تلك السنة، فقد خلفه الشيخ إسماعيل حيرش الذي عمل مدرسا مدرسة النصيحة بمدينة هراوة، ثم عمل إماما في مدينة البويرة أثناء الثورة التحريرية.

نشاطه الجهادي:

وبعد اندلاع الثورة التحريرية الكبرى سنة 1374 هـ ـ 1954م اندمج في صفوف جيش التحرير الوطني بالولاية الرابعة، وقام بتشكيل خلايا جهادية في الولاية الرابعة.

وكانت له صلة بالمجاهد علي خوجة الذي كان يتردد على المنطقة، وكان تلميذ الشيخ المكي نعماني رحمه الله عبد السلام العربي سكرتيرا للمجاهد علي خوجة، وقد استشهد معه في معركة برج الكيفان.

وقد تحدثت الصحافة الفرنسية عن عملية عسكرية كبيرة وقعت في سيركوف سنة 1376 هـ ـ 1957م شارك فيها بعض مجاهدي جيش التحرير الوطني بالولاية الرابعة، وقد استشهد فيها 20 مجاهدا، منهم التواتي نعماني رحمه الله وهو ابن عمه.

قامت السلطات الفرنسية يومها بتدمير منزل الشيخ المكي نعماني رحمه الله الكائن بحي الشهداء بعين طاية وتحطيم مكتبته التي كانت تحتوي على وثائق مهمة بعد وشاية من بعض الخونة، وكان في بيته مخبأ للمجاهدين يقومون فيه بإسعاف الجرحى، وحانوت يجتمع فيه المجاهدون، وقد نجا الشيخ المكي نعماني رحمه الله لأنه كان عند أصهاره في شعبة العامر ولاية بومرداس مع زوجته وبنتيه عائشة وحياة.

قال الدكتور نصر الدين علية في مقال له بعنوان: من رجال الإصلاح في الجزائر الشيخ نعماني المكي بن أحمد نشر في جريدة الشعب ليوم الإثنين 6 من ذي القعدة 1408 هـ الموافق لـ20 جوان 1988م: (... وبعد الجلسة الأولى الشيقة التي تمت بيننا وبينه راسلته طالبا منه موافاتنا بالإجابة عن بعض النقاط، من بينها نقاط تتعلق بترجمة حياته، وذكرياته مع الحاج عيسى، وفحوى الرسائل التي كان يبعثها إليه الأخير، إن كان يتذكر ذلك، لأنني علمت منه أن الاستعمار الفرنسي هدم منزله الكائن بحي الشهداء في بلدية عين طاية ،وحطم مكتبته التي تحتوي على الوثائق ، ومازالت آثار الهدم إلى الآن شاهدة على بشاعة الاستعمار، ومما قاله لي أن كل الجدران قد سقطت إلا الجدار الذي كتب عليه قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) الزمر الآية 74، وفعلا اتصلت برده ولبى مطلوبنا، فجزاه الله عن ذلك أحسن الجزاء).

وبعد اكتشاف السلطات الفرنسية لنشاطه الجهادي في الولاية الرابعة انتقل إلى المغرب الأقصى سنة1376 هــ 1957م وعمل بالحدود الجزائرية المغربية بالولاية الخامسة إلى جانب العلامة محمد السعيد الزموشي رحمه الله، وقد تفرغ للتدريس في المغرب واستفاد من بعض علمائها.

عمله بعد الاستقلال:

وبعد الاستقلال عمل مستشارا تربويا بالعاصمة وضواحيها من سنة 1382هـ ـ 1963م إلى سنة 1386هـ ـ 1966م، ثم عين مفتشا في وزارة التعليم، ثم عين أستاذا لمادة التاريخ والجغرافيا بثانوية وريدة مداد في الحراش ولاية الجزائر.

عمل رئيسا لبلدية عين طاية من سنة 1967م إلى سنة 1970م، وهو أول رئيس منتخب.

وفي سنة 1405 هـ ـ 1985م أحيل إلى التقاعد فتفرغ للتأليف في آخر حياته.

كان يلقي بعض الدروس والمحاضرات.

آثاره:

بعدما أحيل الشيخ المكي نعماني رحمه الله إلى التقاعد سنة1405 هــ 1985م صار يمارس فن الشيخوخة على حد قوله، فتفرغ للكتابة والتأليف قبل وفاته فألف كتابين أتحف بهما المكتبة الجزائرية.

الكتاب الأول: السيرة النبوية محمد صلى الله عليه وسلم: والكتاب يقع في جزئين، والجزء الثالث لم يكمله.

الكتاب الثاني: الخلافة بين الأصالة والحداثة: وقد صدر هذا الكتاب عن دار دحلب ويقع في جزئين

وله مقال بعنوان: نظرة في علاقة الاستعمار بعناصر الشعوب، نشر في جريدة البصائر ليوم الجمعة 20شوال 1316 هـ الموافق ليوم: 5 سبتمبر 1947م، وله مقال آخر بعنوان: أدباء الجزائر ما لهم وما عليهم نشر في جريدة البصائر ليوم الجمعة 14 جمادى الأولى 1372 هـ الموافق ليوم: 30 جانفي 1953م، العدد 214.

وفاته:

توفي الشيخ المكي نعماني رحمه الله في 3 ربيع الأول 1420 هـ الموافق ليوم: 17 جوان 1999م، ودفن في مقبرة بوسقلول بعين طاية.

وقد ترك ذكرا طيبا عند العارفين به، فهم يثنون عليه خيرا، ويذكرون جميل خصاله وأخلاقه.


المراجع:

1- مذكرات الشيخ محمد خير الدين.

2- الشيخ الرزقي الشرفاوي حياة وآثار، شهادات ومواقف للشيخ محمد الصالح الصديق.

3- الزاوية اليلولية ودورها في خدمة الإسلام واللغة العربية للشيخ محمد الصالح الصديق.

4- مدارس لولاها ما كنت للشيخ محمد الصالح الصديق.

5- رحلتي مع الزمان للشيخ محمد الصالح الصديق.

6- تاريخ الجزائر الثقافي للدكتور أبي القاسم سعد الله.

7- جهاد الثوار في برج الكيفان وباب الزوار للأستاذين مصطفى بسطامي وأحمد دوزي.

8- آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي.

9- أعداد من جريدة المنار.

10- أعداد من جريدة البصائر.

11- أعداد من جريدة الشعب.

12- شهادة عبد المالك نعماني في حق أخيه من جهة أبيه الشيخ المكي نعماني.

13- شهادة الشيخ المجاهد محمد الصالح الصديق في حق الشيخ المكي نعماني.

14- شهادات من بعض العارفين بالشيخ المكي نعماني.

آخر التغريدات: