مات ابن باديس!

مات ابن باديس!

بقلم: الشيخ أحمد سحنون-

نظمت هذه القصيدة يوم مات الفقيد العظيم بالذات في 16 أفريل سنة 1940، في أول عهدي بالشعر وهي أول ما نظمت من شعر الرثاء، ولذلك آثرت أن أتركها نظمتها أول مرة لم أدخل عليها أي تعديل:

مات ابن ياديس حادى أمة العرب … إلى المعالي وحامي دولة الأدب

مات ابن باديس يا للمسلمين فكم … عرا الجزائر من هول ومن شغب

مات ابن باديس يا للمسلمين فكم … دهى الجزائر في ابن صالح وأب

مات ان باديس سيف العرب وأحربا … من للعروبة بعد السيف بالغلب؟

مات ابن باديس لم تفلل عزيمته … من النضال ولم يسأم من الدأب

ولم يمد لغير الله منه يدا! … ولم يخف بطش جبار ولم يهب

"جمعية العلماء" اليوم والهة! … لم تستطع جلدا من شدة الوصب

قد ودعت خير آس في نوئبها … وشيعت خير فاد ساعة الكرب

والجامع الأخضر اهتزت جوانبه … مما عراه من الأرزاء والنوب

فكل موضع شبر منه مضطرم … وكل طالب علم جد منتخب!!

لله نعشك إذ حف الجلال به … والخلق تغمره في موكب لجب

سبعون ألفا على الأعناق تحمله … جميعم بين محزون ومكتئب

وكلهم لابن ياديس تلاميذة … يفدونه كلهم بالروح والنشب

هيهات لو كان في ورد المنون فدى … فداه سبع ملايين(1) من العطب!

من "للجزائر" وارباه، إن بحثت! … عن قائد كابن باديس فلم تصب

أو اشنكت من أذى باغ ومضطهد … لذائد غير هياب فلم تجب

من للشهاب وقد أودى محرره … بكاتب لا يشوب الجد باللعب؟

من "للبصائر" بعد اليوم يبرزها! … يراعه الحر في أثوابها القشب؟

قد كان في كل أسبوع يصدرها … بنفحة منه في أسلوبه العجب

ومن لتفسير آي الله يرسلها … على رؤوس خصوم الحق كالشهب؟

ومن لآمال أبناء تملكهم … من بعده اليأس من إدراك مطلب؟

كان ابن باديس يغذوهم معارفه … فودعوا مذ تولى فيه خير أب

كان ابن باديس خصم الجهل ما فتئت … يمناه تصرعه في كل مضطرب

كان ابن باديس عف النفس مقتنعا … من دهره بحياة العلم والأدب

كان ابن باديس رحب الصدر مبتسما … يلقى الخطوب بقلب غير مضطرب

كان ابن باديس للإسلام سابغة … ترد عنه سهام الطعن والريب

كان ابن باديس لا ينفك ذا كلف … بالصالحات وللعلياء ذا طلب

كان ابن باديس في أوصافه رجلا … لكنه كان في أخلاقه كنبي

فاليوم يبكي بنو الإسلام قاطبة … على ابن باديس من عجم ومن عرب

فأي طرف عليه غير منسفك؟ … وأي قلب عليه غير ملتهب؟

لم يبق طعم لعيش بعد مصرعه … إن الحياة بلا باديس لم تطب

ما حال جسم إذا ما الرأس فارقه … لا خير بعد ذهاب الرأس في الذنب

باديس نم في جوار الله معتصما … بحفرة القبر من هم ومن نصب

ومن خيانة أخوان وكيد عدى … ومن رياء ومن حقد ومن غضب

القبر أوسع من دنيا تضيق بها … نفس الأديب وتضنى الحر بالتعب

عليك من رحمات الله أدومها … بكل غيث على مثواك منسكب

ودام مجدك نجما يستضاء به … في كل داجية إن غبت لم يغب


1- كان سكان الجزائر إذ ذاك يقدرون بهذا العدد.

لا تعليقات

اترك تعليق

آخر التغريدات:

    Message: Invalid or expired token., Please check your Twitter Authentication Data or internet connection.