الشيخ أحمد حماني رحمه الله امتداد زيتوني في الجزائر
بقلم: محمد صلاح الدين المستاوي-
انتدبت وزارة التعليم الأصلي والشؤون الدينية بالجزائر الشيخ أحمد حماني رحمه الله ليتحمل مسؤولية رئاسة المجلس الإسلامي الأعلى هذا الهيكل الديني الذي تولاه من قبله عدد من الشيوخ من أبناء الجزائر اغلبهم ممن درسوا في تونس وتخرجوا من الزيتونة وناضلوا في صفوف جمعية العلماء التي أسسها واشرف على حظوظها وخط لها برنامج عملها أبو الحركة الإصلاحية الجزائرية الشيخ عبد الحميد بن باديس الذي هو أيضا من خريجي جامع الزيتونة.
فالشيخ احمد حماني من علماء الجزائر الأعلام واصلوا باقتدار القيام برسالة جمعية العلماء في الدفاع عن الإسلام ونشر اللغة العربية ومقاومة الانحرافات العقدية والأخلاقية وممن ساهموا بمجهود كبير في ترسيخ هذه المفاهيم وبلورتها بشجاعة ومثابرة وطول نفس بعد الاستقلال.
لقد كان الشيخ احمد حماني من أولئك النفر من أبناء الجزائر الذين لم تثنهم مكائد المستعمر الفرنسي ومخططاته عن شق طريق طلب العلم وتحصيله إذ بعد حفظه للقرآن الكريم انخرط في سلك طلبة الشيخ عبد الحميد بن باديس بقسنطينة واستمر على هذه الملازمة مدة ثلاث سنوات ارتحل على إثرها إلى البلاد التونسية حيث الزيتونة المباركة التي تشع بنورها على آفاقها القريبة والبعيدة سواء في القطر التونسي أو هناك في ما وراء الحدود التونسية في عنابة وقسنطينة أين أسست جمعية العلماء بقيادة الشيخ عبد الحميد بن باديس فرعين زيتونيين بمباركة وتشجيع وعناية ورعاية من مشيخة الجامع الأعظم بتونس وعلى رأسها سماحة الإمام الشيخ محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله مجسما منذ ذلك الزمن المبكر ذلك التطلع المشروع لأبناء الشعبين التونسي والجزائري في التكامل والتعاون والتمازج باعتبار ما يجمع بينهما من عرى الدين الإسلامي الحنيف على عقيدة أهل السنة والجماعة وعلى مذهب إمام دار الهجرة مالك بن أنس كل ذلك مع تبحر وتمكن واعتزاز وافتخار بلغة القرآن العربية. وقد كانت مشيخة الجامع الأعظم فضلا عن وضعها لمناهج هذين الفرعين الزيتونيين في عنابة وقسنطينة ترسل بالمشائخ والعلماء لتدريس طلاب الفرعين من أبناء الجزائر ممن لم يستطيعوا ان يشدوا الرحال إلى الجامع في تونس العاصمة وكانت لجان الامتحان تنطلق كل عام من تونس إلى عنابة وقسنطينة مثلما تنطلق إلى فروع الجامع في الكاف وصفاقس وتوزر ومدنين وغيرها من المدن التي للجامع الأعظم فيها فروع.
ولقد وجد الشيخ احمد حماني وإخوانه من أبناء الجزائر طوال عقود من السنين وذلك قبل إحراز الشقيقة الجزائر على استقلالها في تونس المحضن الذي أكرم الوفادة وقام بالواجب أحسن قيام وكان الطلاب الجزائريون يعيشون مع إخوانهم التونسيين من أبناء المدن والقرى الداخلية في المدارس الزيتونية ويعاملون نفس المعاملة إن لم تعط لهم الأولوية في كثير من الأحيان تقديرا لظروف الابتعاد عن الأهل والديار واعتبارا لما كان يعانيه الشعب الجزائري من ويلات المستعمر الفرنسي الذي كان يعمل جادا بكل الوسائل لاستئصال الكيان الجزائري ومحو ذاتيته العربية الإسلامية ولكنه والحمد لله لم يفلح وباءت جهوده بالفشل الذريع الأمر الذي جعله يذعن لإرادة ذلك الشعب العربي المسلم الأبي هذه الإرادة التي هي من إرادة الله والتي لا تغلب ولا تقهر. لقد كان شعار الشعب الجزائري على بكرة أبيه في تلك المرحلة العصيبة من صراعه المرير مع فرنسا ومن ورائها الحلف الأطلسي قول إبن باديس. شعب الجزائر مسلم والى العروبة ينتسب. من قال حاد عن أصله أو قال مات فقد كذب. أورام إدماجا له رام المحال من الطلب.
وكل أجيال الجزائر المتعاقبة وفي طليعتها العلماء الأعلام من عبد الحميد ابن باديس إلى البشير الإبراهيمي والعباس بن الشيخ الحسين والطيب العقبي ومبارك الميلي واحمد حسين واحمد الحماني وعلي الغربي رحمهم الله جميعا إلى عبد الرحمان شيبان ومن بقي من تلك الصفوة المخلصة من علماء الجزائر ومن تلاميذ الزيتونة وأبنائها الأبرار كل هؤلاء يسلمون لتونس بمناسبة وبغير مناسبة بالدور الذي لعبته في مجال حفاظ الشعب الجزائري على هويته العربية الإسلامية وعقيدته السنية ومذهبه المالكي ولغته العربية الصافية النقية وهذا الوفاء والاعتراف بالجميل لتونس وشعبها وللزيتونة وشيوخها الأعلام لا يستغرب من “رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه” والذين “منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا”.
إن احمد حماني رحمه الله من هؤلاء الصفوة الذين يمثلون بحق نموذج العالم المتبحر المستنير الذي تكون على قاعدة متينة وأسس سليمة فقد تخرج من الجامع الأعظم على أيدي أعلام لا ينفك يذكرهم بكل خير ويتشرف بإعلان تتلمذه على أيديهم من أمثال الشيوخ: محمد عباس وعلي بن الخوجة والحطاب بوشناق والصادق النيفر ومحمد العزيز جعيط وشيخ الشيوخ سماحة الإمام محمد الطاهر بن عاشور وابنه العلامة محمد الفاضل بن عاشور رحمهم الله جميعا وغير هؤلاء ممن لا يمكن الإتيان على أسمائهم وممن كانوا يملؤون بعلومهم الغزيرة وأفهامهم العميقة أرجاء الجامع الأعظم وبقية الجوامع والآفاق المحيطة بها في بلادنا التونسية.
لقد عاد الشيخ احمد حماني من تونس إلى الجزائر ليقوم بواجب التعبئة والتأطير والتكوين العلمي والوطني لأبناء شعبه في مختلف أنحاء الجزائر في مرحلة حاسمة من تاريخه أفضت والحمد لله إلى إحراز الجزائر على استقلالها واستردادها لسيادتها وحريتها.
وبدأ الشيخ احمد حماني بعد الاستقلال مرحلة الجهاد الأكبر فكان أول ما تولاه هو التدريس في قسم اللغة العربية بجامعة الجزائر وظل في هذا الموقع إلى ان انتدبه للوقوف بجانبه الأستاذ مولود قاسم رحمه الله عندما تولى وزارة التعليم الأصلي والشؤون الدينية.
وما كان الشيخ احمد حماني ليتأخر عن القيام بهذا الواجب الذي دعي إليه إذ لم يبق من علماء الجزائر من توفر له وفيه ما اجتمع لدى الشيخ احمد حماني فقد عمل في جمعية العلماء وفي المجلس الإسلامي الأعلى بعد الاستقلال مع صفوة من العلماء الأعلام والوطنيين الأخيار الذين جمع بين اغلبهم أنهم من خريجي نفس المؤسسة ألا وهي جامع الزيتونة. ولئن قبل الشيخ احمد حماني مسؤولية رئاسة المجلس الإسلامي الأعلى معاضدة لجهود الوزير الزيتوني مولود قاسم إلا أنه اشترط ان يكون ذلك وضعا على الذمة وإعارة مفضلا ان يظل دائما في موقعه الأصلي أستاذا ومربيا ومكونا لأجيال الجزائر المتعاقبة وقبل الوزير شرطه وقبل ان يتعامل معه تعامله مع عالم له رأيه المحترم المستقل الذي ينتمي إليه بكل حرية ومسؤولية علمية ودينية وليس موظفا ينفذ تعليمات تصدر له.
وتعتبر هذه الفترة من حياة الشيخ احمد حماني رحمه الله من أخصب فترات عمره المديد فقد كان موكولا للمجلس الإسلامي الأعلى ورئيسه بالخصوص ان يقوم بدور الإفتاء والتوجيه والإرشاد والحضور الدائم في كل المحافل والاجتماعات التي تنعقد داخل الجزائر وخارجها وقد قام الشيخ احمد حماني رحمه الله بهذا الدور على أحسن الوجوه ببذل وعطاء مشهود كان يتسبب له في كثير من الأحيان في الإرهاق الشديد والآثار السلبية على صحته. لقد كان الشيخ احمد حماني يحاضر ويناظر ويخطب ويدرس ويعقب ويصوب ويصحح لا يسمح بأن تتجاوز أنظاره شاردة ولا واردة صغيرة أو كبيرة إلا وله فيها رأي. وقد شهدت مدن الجزائر شمالا وجنوبا وشرقا وغربا صولاته وجولاته في ندوات جامعاتها وكلياتها وفي نواديها وأسابيعها الثقافية ومناسباتها الدينية كما نشرت له الصحف والمجلات الجزائرية فتاويه ودراساته وتحقيقاته العلمية والدينية ولا يزال صوته يجلجل في ملتقيات الفكر الإسلامي المتعاقبة التي تنقلها إلى جماهير المستمعين والمشاهدين الإذاعة والتلفزة الجزائرية.
ولم يغب الشيخ احمد حماني عن المؤتمرات والملتقيات والاجتماعات التي دعيت لها الجزائر فكان الممثل لها أحسن تمثيل في ندوات علمية ودينية عقدت في تونس والمغرب وليبيا ومصر والعراق والمملكة العربية السعودية وماليزيا واندونيسيا وباكستان وجمهوريات آسيا الوسطى وغيرها فكان الشيخ احمد حماني صوت الاجتهاد والتنوير والتسامح والوسطية والاعتدال والمرونة والتيسير في غير ما تكلف يملي عليه هذا التوجه تكوينه العلمي المتين الذي لا يمكن ان يكون إلا حربا على التعصب والتزمت والتشدد والتطرف والإرهاب وكان هذا الموقف الجسور الذي إلتزمه يتسبب له في كثير من الأحيان في تحامل وتنطع البعض ممن ليسوا من أهل ذكر وباعتبار أنهم لم يتواضعوا ولم يتجردوا وأبت عليهم طموحاتهم الجارفة إلا ان ينتصبوا لأمثال الشيخ احمد حماني من المجادلين لقد كان رحمه الله شجاعا مقداما غير هياب وكان ملتزما شديد الالتزام بخصوصيات ومميزات بلاده وكان معتزا بسنيته ومالكيته لا يقبل الذوبان والتبعية في أي كان مهما علت مرتبته وارتفعت مكانته ومهما كانت الجهة أو البلد التي قدم منها. وقد كانت جحافل هؤلاء القادمين على الجزائر من مختلف بلاد العرب والإسلام عديدة ومع ذلك فإن شعار احمد حماني في تعامله معهم قول من قال: إن بني عمك فيهم رماح.
لقد كانت حرب احمد حماني على الخرافة والشعوذة والتدجيل لا تعرف التوقف وكان في هذا المنهج وفيا لتوجه جمعية العلماء وعلى رأسها الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله التي عرت شيوخ الطرق والزوايا المنحرفة وبينتهم على حقيقتهم للشعب حتى يعرف تعاملهم مع المستعمر وخيانتهم لقضية شعبهم المجاهد من اجل تحرير الجزائر من ربقة الاستعمار.
وكان الشيخ احمد حماني متأثرا شديد التأثر بالحركة الإصلاحية تماما مثل مولود قاسم فكان في محاضراته وتعقيباته وردوده كثير الاستدلال بمقولات السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده والشيخ رشيد رضا والشيخ محمد الطاهر بن عاشور فضلا عن الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمهم الله جميعا. لقد أراد الشيخ احمد حماني ان يكون امتدادا لإسلام أولئك الأعلام من المصلحين الكبار الذين حركوا سواكن الشعوب العربية الإسلامية وغيروا ما بها من ركون وركود وجمود وكانوا دعاة للأخذ بالأسباب وتغيير ما بالمسلمين من فاقة وحاجة وجهالة وأمية وحرمان وكانوا مدركين رحمهم الله وحفظ من سار على نهجهم من الخلف الذين منهم الشيخ احمد حماني رحمه الله إن الدين إذا ما أحسن فهمه وتعمق في أبعاده ومقاصده كفيل بالمساهمة الايجابية في تحسين أوضاع المسلمين في مختلف أوطانهم.
لقد بذل احمد حماني قصارى جهوده من اجل تقويم كل اعوجاج بدا له وكل انحراف كان شاهدا عليه لقد اجتهد وبلغ وتحمل في سبيل آرائه الأصيلة المتينة الرافضة للهوج والتعصب الأعمى كثيرا من الأذى نحتسبه له عند الله وما أقل أمثال الشيخ احمد حماني فالكثير من الشيوخ والعلماء هم على رأيه فيما يذهب إليه ولكنهم لا يسيرون على منواله ويفضلون المجاراة أو الصمت حفاظا على امتيازات وهمية ومكانة مزعومة.
لقد تحمس الشيخ احمد حماني لكثير من القضايا الدينية والعلمية التي نظر فيها بروية وبصيرة وانتهى فيها إلى اجتهادات فقهية رآها مثل نفر من أمثاله وهم قلة في ديار الإسلام محققة لصدق مقولة صلوحية الإسلام لكل زمان ومكان وتجسيمها لمعاني التيسير والسماحة (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر). إن احمد حماني لم يتأخر عن الإجابة عن كل ما سئل عنه من المسائل الدينية خصوصا في تلك القضايا الجديدة والمستحدثة إلى أن تتأسس المجامع الفقهية فأوضاع المسلمين والمشكلات التي تعترض سبيلهم فرادى وجماعات بل مجتمعات ودولا عديدة لا تحصى وهي لا تقبل التأجيل ولا بد للعالم الذي يستفتى وتعرض على أنظاره مثل هذه القضايا المستجدة والمستعجلة ان يدلي برأيه فيها فان وافق الصواب فذلك ما كان يبتغيه وان جانب الصواب فحسبه أنه اجتهد وعن حسن نية وهو لن يعدم الأجر.
وذلك كان حال احمد حماني رحمه الله فقد كان صادقا مع نفسه ومع من قبل أن يعمل معه في المجلس الإسلامي الأعلى بالجزائر ووزارة التعليم الأصلي والشؤون الدينية، وكان صادقا مع شعبه الجزائري وأمته الإسلامية وكان صادقا مع ربه الذي هو وحده سيجازيه على ما بذل من جهود مشكورة مأجورة إن شاء الله. ويا ليت الأمة العربية والإسلامية تتوفر لها في علمائها ومفتييها ومن يحتلون مواقع الصدارة في الهيآت والمنظمات المحلية والإقليمية والدولية في المجال الديني مثل جسارة وشجاعة وأصالة احمد حماني وسماحته وتيسيره على الناس..
إننا نشهد في احمد حماني بأنه كان مثال العالم الزيتوني المتفتح والمتسامح والمتجذر في بيئته والمتمسك بخصوصياته نشهد له بذلك من خلال فرص أتيحت لنا للاجتماع به والإنصات إليه في ندوات وملتقيات بالجزائر وخارجها ولا يعني هذا ان كل ما انتهى إليه الشيخ احمد حماني أو ذهب إليه من آراء هو عين الصواب فذلك ما لا يدعيه هو وما لا ندعيه له ولا هو ما نريد ان ننتهي إليه. فقصارى ما أردناه هو ان نوقف القارئ على موطن من مواطن الامتزاج بين أبناء الشعبين التونسي والجزائري ومجال من مجالات إشعاع بلادنا التونسية ومؤسستنا العريقة: الزيتونة المباركة على محيطها القريب والبعيد وان هذه المؤسسة من خلال أعلامها التونسيين وإخوانهم الجزائريين لعبت دورا رائدا في تاريخ هذه الربوع من العالم الإسلامي العربي وهو دور متميز له خصوصيات يمكن استحضارها والاستفادة منها والحرص على إحيائها بالخصوص في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ الأمة الإسلامية عموما والشعوب المغاربية خصوصا.
كما أردنا ان نسجل لابن الزيتونة البار الشيخ احمد حماني أصالته وبره ونحي فيه وفاءه لتونس وزيتونتها وشعبها هذا الوفاء وذلك الحب الذي يأبى الشيخ احمد حماني إلا ان يخطه بقلمه فها هو ذا يغتنم فرصة طلبي منه كي يزودني بما صدر عنه في ما يتعلق برأي الدين في قضية اخذ الأعضاء البشرية وزرعها، إذ بادر فأتحفني بهدية لن أنساها تمثلت في كتاب من جزأين يحمل عنوان: فتاوى الشيخ احمد حماني: استشارات شرعية ومباحث فقهية تمّ طبعه وإخراجه بحرص شخصي مشكور من وزير الشؤون الدينية الذي أراد تعميم الفائدة بما صدر عن الشيخ احمد حماني من فتاوى زمن توليه رئاسة المجلس الإسلامي بالجزائر وهي مبادرة سيكون لها اطيب الأثر على كل من ستقع بين يديه هذه الذخيرة والتي لن يغني عن الاطلاع عليها مثل هذه الإشارة العابرة.
لقد قال الشيخ احمد حماني في رسالة مؤرخة في 11/9/1414 الموافق لـ21/2/1994 موجهة منه إلي إضافة إلى الإهداء اللطيف الذي كتبه في الصفحة الأولى من الجزء الأول للكتاب قال الشيخ احمد حماني في الرسالة (وقد أرسلنا إليكم نسخة كاملة من آخر مؤلفاتنا) (استشارات شرعية ومباحث فقهية) وهو مجموع من فتاوى صدرت أثناء رئاسة المجلس الإسلامي الأعلى بالجزائر وعسى ان تجدوا فيها ما ينال رضاكم وينفع المسلمين. ويسرنا ان نعلن لكم ان هذه بضاعتكم ردت إليكم فما أنا إلا ابن من أبناء الزيتونة منذ بدأت طلبي للعلم بالجزائر وأنهيته بالزيتونة أثناء الأربعينات بشهادة العالمية والفحول من أساتذتي هم فطاحل الزيتونة من تونسيين وجزائريين فالفضل لله ثم لتونس العزيزة.
فأي وفاء ابلغ من هذا الوفاء وأي اعتراف بالجميل ابلغ من هذا الاعتراف وأي حب لتونس وزيتونتها اشد من هذا الحب الذي نعتز به ونسجله لصاحبه ونحمده له ونسأل الله ان يجازيه عنه أفضل الجزاء.
أما هذا السفر الخالد المتمثل في فتاوى الشيخ احمد حماني فإني اسأل سبحانه وتعالى ان يجعله لمؤلفه في صحائفه ويجازيه عنه أفضل الجزاء وييسر سبل الاستفادة الواسعة منه فقد أجاب فيه الشيخ احمد حماني في ما يزيد على الألف والمائة وخمسين صفحة من القطع العادي على كل ما القي عليه من أسئلة واستفسارات من داخل الجزائر وخارجها في ما يتعلق بالعقائد والعبادات والعادات والمستحدثات والمستجدات حيث أفتى باستفاضة عن الإحرام من جدة ودفع القيمة المالية عوضا عن الذبح لمن يجب عليه ذبح في الحج، واعتماد الحساب في إثبات اوائل الأشهر العربية والأعياد والمواسم الدينية والإفطار لمن هم في مواجهة الأفران النارية في نهار رمضان ومن يسافرون لإجراء المقابلات الرياضية أو يجرون الامتحانات واخذ الأعضاء وزرعها فضلا عن قضايا أخرى يكثر التساؤل عنها والاستفتاء فيها تتعلق بذبائح أهل الكتاب وحمل جنسيات البلدان غير الإسلامية ومسائل أخرى تتعلق بقضاء الفوائت والاجتماع لقراءة القرآن والذكر واتخاذ المساجد العديدة وتعدد الجماعات للصلاة في المسجد الواحد والقبض والسدل وشروط الإمامة وأحكامها وغيرها من عشرات ومئات المسائل التي لم يتأخر الشيخ احمد حماني رحمه الله عن الإصداع برأيه فيها جازاه الله خيرا ونفع بجهوده الإسلام والمسلمين انه سبحانه وتعالى سميع مجيب.