ابن باديس رحمه الله والنخب المفرنسة بين الرفض والقَبول

بقلم: د.مازن مطبقاني –

لا بد لكل دارس للمرحلة التي كانت جيوش المحتل تربض على بلادنا العربية الإسلامية أن يمر معه مصطلح "النخبة"، ويتكرر المصطلح كلما جاء الحديث عن الذين اجتالهم الاحتلال ودرسوا في مدارسه وجامعاته وداروا في فلكه وعملوا في الإدارات الاستعمارية موظفين وتابعين له. ومرّ عليّ مصطلح النخبة في بحث قدّمه مستشرق هولندي اسمه يون يانسن في المؤتمر العالمي الأول للإسلام والقرن الواحد والعشرين وكان بعنوان فشل البديل الليبرالي فأعجبني بحثه لما فيه من حكم صحيح ولكني اعترضت على تسمية بعض الليبراليين بالنخبة مثل مصطفى أمين وعلى أمين وفؤاد زكريا وسعد الدين إبراهيم ورفعت السعيد وغيرهم، فقلت له بعفوية هؤلاء ليسوا نخبة حقيقية بل هم نخبة مزيفة لأنهم فقدوا هويتهم وانحازوا إلى فكر المحتل المستعمر.

وهنا تذكرت أنه كان للجزائر من يطلق عليه المحتل الفرنسي النخبة وهؤلاء كانوا من الذين درسوا في مدارسه وجامعاته ومن الذين عملوا في مؤسساته وإداراته وعاشوا حياتهم كأنهم فرنسيين؛ فقدوا هُوُيتهم ولغتهم وربما حتى دينهم كما وصفهم محمد السعيد الزاهري رحمه الله في كتابه الإسلام في حاجة لدعاية وتبشير.

وكان لابن باديس رحمه الله موقفاً مختلفاً فهو لم يعلن العداء لهذه النخبة بل عدّهم إخوانه وأبناءه وحرص على الاتصال بهم والاجتماع به وحضور بعض مناسباتهم مثل الملتقى السنوي للمعلمين، كما كان يتصل بالتجار ويحرص على أن يجمع كل أطياف المجتمع في المؤتمر الإسلامي العام عام 1936م بل حتى قبل ذلك حين كان يكتب في صحفهم بأسماء مستعارة كما كتب في صحيفة النجاح مثلاً.

سوف يتناول هذا البحث الموجز التعريف بالنخبة عندنا وعند الغربيين، وهل يستحق من أطلق عليهم الغرب لقب نُخبة هذا اللقب، وفي مبحث آخر نتناول مجمل مواقف ابن باديس من هؤلاء وكيف تعامل معهم، ثم نقدم بعض النتائج والتوصيات.

المبحث الأول

تعريف النخبة عند الغربيين وعند المسلمين

يعرف أحد القواميس (Dictionary.com) أن النخبة تعني الأكثر قوة وثراءً ومواهب أو الأكثر تعليما في مجموعة ما أو مجتمع (1) بينما تعرفها الموسوعة المجانية ويكيبيديا بأنها مجموعة صغيرة من الأشخاص المسيطرين على موارد مالية ضخمة وقوة سياسية تأثيرية كبيرة. بشكل عام، النخبة تعني مجموعة من الأشخاص الأكثر قدرة من غيره. ثم تقسم النخبة إلى عدة نخب سياسية واجتماعية واقتصادية ودينية. ولكن التركيز في كل هذه التعريفات على التميز في ذلك المجال وبخاصة التميز المادي المحسوس (2)

ودون الدخول في تفاصيل تعريفات الغربيين للنخبة فهم أصحاب القوة والقدرة والموهبة والاستطاعة الذين يملكون أمرهم وأمر غيرهم بانتخاب أو بغير انتخاب ويحكمون ويسيطرون.

أما النخبة عندنا فأجد أن العبارة الأقرب إلى معنى النخبة هي الصفوة وهي ما يعرفها لسان العرب بأن ينسبها إلى الاصطفاء وهو الاختيار وهو افتعال من الصفوة ومنه النبي صلى الله عليه وسلم صفوة الله من خلقه ومصطفاه والأنبياء المصطفون إذا اختاروا.

وفي قاموس المعاني النخبة هي نخبة: مجموعة غالبا ما تكون صغيرة ومنتقاة بدقة وتمتاز بالثروة أو التكوين والثقافة أو التدريب أو المركز الاجتماعي أو السلطة السياسية إلى غير ذلك. ويضيف القاموس نُخْبَةُ الْمُجْتَمَعِ: -: الْمُخْتَارُونَ مِنَ الْمُجْتَمَعَ الَّذِينَ لَهُمْ مُؤَهِّلاَتٌ مُعَيَّنَةٌ. ومن مرادفات النخبة كلمة الصفوة وجاء في معجم المعاني الجامع ما يأتي: صَفْوة كلّ شيء: ما صفا منه وخلُص، أحسنه وخياره (يستوي فيه المفرد والجمع والمذكّر والمؤنث) صَفْوة القول / البضاعة، كَانَ مِنْ صَفْوَةِ الْمُجْتَمَعِ: مِنْ نُخْبَتِهِ، مِنْ خِيَارِ النَّاسِ.

صَفْوَةُ القِدْرِ: زُبْدَتُهُ، خُلاَصَتُهُ

وقد وضع ابن الجوزي كتابه (صفة الصفوة) الذين هم في نظره أولياء الله عز وجل وهم الصفوة من البشر وبدأ بالرسول صلى الله عليه وسلم ثم صحابته الكرام عليهم رضوان الله عز وجل.

أما عندما حلّ المحتل الأجنبي الذي نسميه خطأً المستعمر (ويسميه الدكتور مولود قاسم رحمه الله الاستدمار والاستخراب) فقد احتال بعض أبنائنا درسوا في معاهده ومدارسه وعملوا في مؤسساته واندمجوا فيه كلياً أو جزئياً، بل ظهر أناس منّا لم يتعلموا كلمة من لغات المحتل الأجنبي ولم يدخلوا أبواب مدارسه أو معاهده وجامعاته وصاروا من المحبين لهذا المحتل المبهرين به المتفانين في حبه فنالوا الحظوة عنده في الظاهر والاهتمام فأطلق عليهم النخبة. ويربط بعض الباحثين الغربيين النخبة بالطبقة الاجتماعية وعلاقتها بالمال والسلطة ويتحدث عن أن النخبة هي من نالت نصيباً من التعليم الغربي أو درست في مدارس الغرب أو لها حظ من معرفة الغرب

وقد كتبت ذات مرة عن التغريب فمما قلت: وفي العصر الحديث انطلقت جيوش اوروبا تحتل البلاد وبأسلوب أكثر تطور وفعالية. فالجيش الفرنسي مثلا عندما احتل الجزائر وجد بلدا ينتشر فيه العلم بنسبة أعلى من نسبة التعليم في فرنسا ومع ذلك فقد زعمت فرنسا ان مشروعها كان بقصد تحضير هذه الشعوب. ولكن حالما استتبت الامور لفرنسا شرعت في محاربة التعليم الإسلامي فاستولت على الأوقاف وأغلقت المدارس وهدمت كثيرا من المساجد ولم تسمح بالتعليم على نطاق واسع إنما اختارت نسبة ضئيلة من الشعوب المحتلة لإدخالها في المدارس الفرنسية وأطلقت فرنسا على هؤلاء (النخبة) او ( الصفوة) ومكنتهم من منابر التوجيه والسلطة والحكم ، حتى زعم المستشرق الأمريكي الصهيوني برنارد لويس أن الحكام الغربيين إذا كانوا قد أحدثوا ثقبا صغيرا في الحاجز بين الهوية الإسلامية والهوية الغربية إلا أن المسؤولية الكبرى تقع على كاهل الحكام المتغربين ولكن المستشرق لا يحدثنا عن الذي أدى بهؤلاء الحكام إلى هذه الحال ومن الذي مكن لهم.(3)

ولتكوين هذه النخبة قام المحتل بتشجيع الأخذ بالحضارة الفرنسية وقيمها حيث بذل غاية الجهد لاستخلاص نخبة من أبناء المغرب العربي تسير في ركابها وتتخلق بأخلاقها، حتى أن أحد العلماء صور أحد هؤلاء بأنه كان متفرنسا في كل شيء في عقليته وأدبه، وفي أخلاقه وعاداته، وحتى في اللغة العامية التي يتكلمها، فهو لا يقيم الصلاة، ولا يصوم رمضان ولا يحرّم ما حرّم الله، ولا يؤمن بأن القرآن تنزيل من الله بل يحسبه من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم (4).ومما يؤكد هذا ما جاء في إحدى الوثائق الصادرة عن عمالة الجزائر عام 1931 جاء فيها: أخيراً الطلاب المسلمون في معاهدنا ومدارسنا الثلاث يؤلفون مجموعة بمجموعهم مدرسة أكثر ليبرالية وأكثر سهولة لتقبلهم فلسفتنا ومعنوياتنا حيث أظهروا عدة أفكار ومبادئ إيجابية وهم المؤيدون لعلمنة المجتمع الجزائري، هؤلاء فقط يرحبون بطلاق تركيا من الإسلام.(5)

لم تكن سياسة الاستعمار الفرنسي تميل إلى نشر التعليم على نطاق واسع بين الجنسين ولا إلى التجهيل المطبق، إنما كان هذا الاستعمار يسعى دائما إلى تكوين نخبة من أبناء الشعوب المستعمرة ذكورا وإناثا يغذيهم بأفكاره ومبادئه ثم يعهد إليهم بالمراكز القيادية (6).

وقد قام كتّاب غربيون بانتقاد تلك النخب التي صنعوها أو أطلقوا عليها زوراً وبهتاناً نخبة ومن هؤلاء ريتشارد هرير دكمجيان حيث أرجع التخلف في العالم العربي إلى ما يأتي:

1- الفساد والقهر في حكم النخبة – وهذه النخبة ذات قاعدة شرعية ضعيفة.

2- صراع الطبقات، ويفرد دكمجيان ذلك بقوله: كان أول نتائج نقص كفاءة النخبة وفساد حكمها هو تزايد سوء التوزيع في الثروة في كل قطر عربي تقريبًا. ويضيف بأنه على الرغم من الوعود التي قدمتها النخبة خلال عشرات السنين فإن عددًا كبيرًا من الحكومات العربية قد فشل في إقامة عدالة اجتماعية (7).

وممن انتقد من أطلق عليهم الغرب النخبة المستشرق الهولندي يونس يانسن عندما قدم محاضرة بعنوان فشل البديل الليبرالي تناول فيها عدم قدرة النخبة العلمانية من أمثال فؤاد زكريا، وفرج فودة، ومحمد سعيد العشماوي، ومصطفى أمين وأمثالهم على كسب الجماهير بالرغم من انتشار كتبهم وطباعتها باستمرار. ولعل السبب في هذا الفشل أن هؤلاء يعيشون بعيداً عن تطلعات الجماهير. (8) وكان لي مناقشة معه حول تسمية هذه الفئة بالنخبة بأن النخبة هي الصفوة وأفضل ما في المجتمع ولكن هؤلاء لا يستحقون هذه اللقب لأنهم مصنوعين في الخارج وفكرهم لا ينبع من تراث الأمة وقيمها ومسلماتها.

وأختم حديثي عن النخبة بما وصفهم به جمال الدين الأفغاني بقوله: علمتنا التجارب ومواضي الحوادث بأن المقلدين من كل أمة المنتحلين أطوار غيرها يكونون فيها منافذ وكوى لتطرق الأعداء عليها ويصير أولئك المقلدون طلائع لجيوش الغالبين وأرباب الغارات يمهدون لهم السبيل يفتحون الأبواب ثم يثبتون أقدامهم ويمكنون سلطانهم(9)

المبحث الثاني: مواقف ابن باديس من النخب المفرنسة

عندما علمت عن هذا الملتقى أدركت أننا بحاجة حقيقية لإدراك حقيقة الصراع أو الخلاف بين النخب المختلفة في المجتمع الجزائري أو المجتمعات العربية والإسلامي بعامة. وحتى لو كان ثمة اعتراض على تسميتهم بالنخبة أو الصفوة لأن المنتخَب يكون أجود المجموعة التي انتخب منها، لكن هذا لا يمنع أن يكون في تلك النخب من الخير والبركة والعطاء والفائدة ما يجعلنا لا نعلن القطيعة معه بل نواصل المحاولة.

ولئن رأى الكثير العظمة في جوانب مختلفة من شخصية ابن باديس رحمه الله في المجال الدعوي أو العلمي أو مواجهة فرنسا ولكني الآن أدركت أن ثمة جانب مهم من هذه الشخصية أغفله الباحثون وهو القدرة والفعالية في التعامل مع النخب المختلفة في المجتمع الجزائري وفي الصفحات القادمة أقدم نماذج من ذلك التعامل.

أسرعت لكتابي عبد الحميد بن باديس العالم الربّاني والزعيم السياسي فأول ما وقعت عيني على الدروس التي كان يقدمها لطلاب المدارس الفرنسية وهذا والله إبداع من الشيخ رحمه الله لا أعتقد أن غيره التفت إليه. هؤلاء أبناؤه أبناء الجزائر اختار لهم آباؤهم أن يدرسوا في المدارس الفرنسية لأن المستقبل في نظرهم هو في تعلم لغة المحتل وعلومه فقرر أن يفرد لهم من وقته لتعليمهم العربية والإسلام. ولعمري ليست اللغة في حد ذاتها أو تعليم الإسلام هو الهم الوحيد في نظر الشيخ عبد الحميد رحمه الله وإنما أراد أن يقربهم من الإسلام سلوكاً وأخلاقاً فلا ينفروا من الدين وأهله كما تربيهم المدارس الفرنسية صراحة أو تلميحاً ولا شك أنه نجح في ذلك أيما نجاح.

أما الأمر الثاني في تعامله مع النخب أنه يقر معهم بفكرة ارتباط الجزائر بفرنسا ليحثهم على المطالبة المستمرة والدائبة بحقوق الجزائريين فهم ما داموا مرتبطين بفرنسا وتلك الرابطة ضرورية فلا بد لفرنسا أن تلتفت لمطالب الشعب الجزائري في مجالات التعليم وبخاصة التعليم العربي الإسلامي وفي الصحة وفي الاقتصاد وهذا ما قاله رحمه الله:ارتباط الجزائر بفرنسا صار اليوم من الأمور الضرورية عند جميع الطبقات فلا يفكر الناس اليوم إلّا في الدائرة الفرنسية ورغبتهم الوحيدة كلهم هي أن يكونوا مثل جميع أبناء الراية المثلة في الحقوق كما هم مثلهم في الواجبات(10)

وبناء على هذا المعطى وهو أن الارتباط بفرنسا ضرورة فحين أصدر رئيس الوزراء الفرنسي القانون المعروف باسمه قانون شوطان في مارس 1938م كتب ابن باديس لجميع الهيئات والجمعيات يطالبها بأن تشارك في الاعتراض على هذا القرار ومن الطريف أنه طالبها بالاجتماع والاحتجاج بطريقة يكون هو مرشداً لهم وهذا ما فعله مثلاً مع جمعية قدماء المحاربين وهم بلا شك من النخبة المفرنسة الذين خاضوا الحروب وطالبهم أن يجتمعوا ويعلموه بموعد ومكان الاجتماع ليحضره معهم وليخبرهم بالكيفية التي يقع بها الاحتجاج.

كما خاطب قضاة الشرع الإسلامي بالعمالات الجزائرية الثلاث يناشدهم فيه بقوله: لا شك أنكم قرأتم كما قرأنا قرار 8مارس الأخير وفهمتم مغزاه كما فهمناه وكان وقعه عليكم كوقعه علينا وما هو إلّا تكميل لقوانين سبقت وكلها تجتمع على محو هذا الدين ولغته من هذا القطر (11) ونلاحظ كيف أنه رحمه الله أراد منهم أن يفهموا القرار كما فهمه هو والعلماء وإن كانوا من النخبة المفرنسة حتى وإن كانوا قضاة للشرع الإسلامي فهم يعملون ضمن الإدارة الفرنسية.

والأبلغ من هذا كله أنه ناشد المعلمين بالمدارس الفرنسية وهم في الظاهر غير معنيين بالأمر ولكنه رأى أنهم أبناء الجزائر وينبغي أن يتفاعلوا مع القرارات الحكومية التي تحارب اللغة العربية والدين الإسلامي فاستثار فيهم نزعاتهم وعواطفهم وعقولهم فكان مما خاطبهم به: وإن كان لبعضكم بحكم الطبع أو بحكم الوظيفة منازع لا دينية في التربية والتعليم أو منازع سياسية في لغة التعليم فلا تنسوا أن في الأمم جانباً وجدانياً لا يمكن انتزاعه ولا التسلط عليه ولا بد من اعتباره أساسياً في تربيته الخاصة ويحاول النداء إقناع معلمي الفرنسية بعدالة موقف الجمعية وذلك بأن تكون أوقات التدريس في مدارس الجمعية لا تتعارض مع أوقات المدارس الفرنسية بالنسبة للطلاب الملتحقين بالمدارس الفرنسية التي لا تتسع لعشر الأطفال المسلمين(12)

وكان من اهتمامه بالنخب الوطنية بجميع أنواعها واتجاهاتها اهتمامه بالطلبة وجمعياتهم المختلفة ولست أجد من الضروري أن أذكر كل تلك الجمعيات ولكن كانت إحداها جمعية طلاب شمال أفريقيا في جامعة الجزائر وفي الجامعات الفرنسية وإن كان ينقصنا الوثائق التي تدل على اتصال الشيخ عبد الحميد بن باديس بها فيكفينا أن علماء الجمعية لم يغيبوا عن نشاطات هذه الجمعيات واجتماعاتها ومن ذلك الاجتماع السنوي لطلاب شمال أفريقيا أو الطلاب المغاربة في جامعات فرنسا حيث عقد الاجتماع الأول في تونس عام 1930م ومثّل الجزائر فيه عبّاس فرحات وكان أهم قرار اتخذه المجتمعون استبعاد المتجنسين. وتوالت الاجتماعات بين تونس والجزائر حتى عقد المؤتمر الخامس في تلمسان في الفترة من 5-14 جمادى الثانية 1354هـ الموافق 6-15 سبتمبر 1935 وتحدث الشيخ البشير الإبراهيمي رحمه الله في الجلسة الافتتاحية.

ويدل على اهتمام بن باديس بهذه الجمعيات أن العلماء كانوا يحضرونها ففي الجزائر حضر الشيخ الطيب العقبي رحمه الله والشاعر محمد العيد آل خليفة رحمه الله ولا أشك أبداً أن ابن باديس لم يكن بعيداً عن هذه الترتيبات فهو الذي كان قدوة للعلماء في التعامل مع مكونات المجتمع جميعها أو النخب المختلفة.

وكان في المجتمع الجزائري نخب أخرى من أبرزها التجار أو رجال الأعمال بمصطلحنا هذه الأيام فقد كان ابن باديس رحمه الله دائم الاتصال بالتجار لدعم الجمعيات الخيرية وجمعية التربية والتعليم والجامع الأخضر. وكانت النواة جمعية تجار قسنطينة عام 1353هـ(1934م) برئاسة بلقاسم بوشجة (13) وكانت هذه الجمعية هي النواة لجمعية تجار الجزائر المسماة آمال التي أصبحت مؤسسة كبرى يحسب لها الفرنسيون كل حساب.

وثمة جانب مهم في تعامل ابن باديس رحمه الله مع النخب المفرنسة أو غير الإصلاحية وهي الصحافة فعندما أنشئت صحيفة النجاح التي تأسست عام 1337هـ(1919 م) وكتب فيها بأسماء مستعارة منها القسنطيني والعبسي والصنهاجي ، وظل يكتب فيها حتى أدرك أنها غير قادرة على إحداث الهزة العنيفة التي يريدها لإيقاظ الشعب الجزائري فتركها ليؤسس صحافته، ومما يدل على العلاقة الحسنة بينه وبين هذه الصحيفة أنها ظلت تهتم بالعلماء والإصلاح وتورد أخبار ابن باديس بعناية واهتمام حتى السنة الثانية من تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. (14)

ومما يؤكد تميز الشيخ عبد الحميد بن باديس في تعامله مع النخب المختلفة أنه عندما عقد مؤتمر معلمي اللغة الفرنسية بقسنطينة عام (15) فما كان من الشيخ إلّا أن أقام حفلاً لهؤلاء المعلمين احتفاءً بهم وألقى خطبة جاء فيها:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أيها الإخوان،

إننا نلتقي معكم في ميدان نشر العلم وإعداد نشء الأمة لخدمة الجزائر النهوض بالشعب الجزائري إلى مستوى الشعوب الراقية، إن مجتمعنا في حاجة إلى العلم فمن نشره باللغة الفرنسية فقد خدمه، ومن نشره باللغة العربية فقد خدمه، وما دام العلم واحد فلا ضير في تعدد لغاته أيها الإخوان …إن على المدرسين بالعربية والفرنسية في الجزائر أن يتعاونوا على توجيه أبنائنا نحو هدف واحد وهو خدمة دينهم ووطنهم ورفع شأن أمتهم(16)

ونظراً لكون المصدر الوحيد لهذه المعلومة التي أعرفها تماماً لكنني لم أجد التوثيق لها في آثار الشيخ عبد الحميد بن باديس وإن كنت أعرفها كما أعرف أبسط المعلومات عن الشيخ رحمه الله وأتعجب كيف بمن كتب ذكرياته عن الشيخين أن لم يوثق دعوة الشيخ بن باديس لمعلمي جمعية معلمي اللغة الفرنسية.

ولعل ذروة تعامل ابن باديس رحمه الله مع النخب الجزائرية المختلفة كان في المؤتمر الجزائري الإسلامي العام لعام 36 وما بعدها والرحلة إلى فرنسا ومقابلة المسؤولين الفرنسيين مما لا أعتقد أن ثمة حاجة للتفصيل فيه لأنه من المشهور في معظم ما كتب عن تاريخ الجزائر الحديث والمعاصر. وقد انطلقت الدعوة لهذا المؤتمر من صحيفة الدفاع الناطقة بالفرنسية La Defence

وكانت الاستجابة إيجابية من النخب الجزائرية كافة ولم يكن ابن باديس رحمه الله حريصاً على رئاسة المؤتمر فكان أن اختير الدكتور ابن جلول لذلك ولكن يكفي إن المؤتمر أطلق عليه "المؤتمر الإسلامي العام" وحظيت مطالب العلماء بمكانة مهمة في قائمة مطالب المؤتمرين وفي لقاءاتهما في فرنسا. وهذا يؤكد تماماً قدرة ابن باديس رحمه الله على التعامل مع كافة النخب رحمه الله رحمة واسعة. كما أن المؤتمر أحدث هزة في الحياة السياسية وحرك الساكن مما جعل فرنسا تتحرك بدهائها وخبتها الاستعماري فتفتعل عدداً من المشكلات والقضايا لتشغل الجزائريين عن مطالبهم الأساسية من الحرية في التعليم والمحافظة على اللغة والهوية بالإضافة إلى المطالب الأخرى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

الخاتمة

هذا الجانب من عظمة ابن باديس رحمه الله كنت أدركه ولعله أثر فيّ شخصياً حتى في العقل الباطن ليرشدني إلى التعامل مع النخب الأخرى في المجتمع التي تعادي التوجه الإسلامي أو تقف منه موقفاً سلبياً حتى إنني كتبت في منتدى الشبكة الليبرالية عدة سنوات لم أخالف نهجي ولا رسالتي ولكن ربما كنت أقل حدة وصراحة. وأعتقد أنه هو المنهج الذي اتبعه الرسول صلى الله عليه وسلم في التعامل مع مخالفيه قبل أن تصبح المدينة دولة مهابة الجانب وحتى بعد ذلك حتى إنه مما روي عنه صلى الله عليه وسلم (الناس معادن، خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام ما فقهوا)

وقد استطاع الشيخ عبد الحميد بن باديس التعامل مع جميع النخب وحتى مع المحتل الفرنسي بحسب المرحلة التي تمر بها الجزائر فنجح نجاحاً باهراً رحمه الله، فهذا الجانب من عظمة الشيخ بن باديس يجب أن يفرد بدراسات وبحوث حتى تتعلم الشباب وقادة العمل الفكري والسياسي كيف يختلفون وكيف يتعاملون مع المخالف والحمد لله رب العالمين؟

 

المراجع العربية:

-الأفغاني، جمال الدين. العروة الوثقى. الطبعة الأولى، بيروت: دار الكتاب العربي، 1389ه، 1970م

-البصائر، العدد 110 في 21 صفر 1357هـ(22 أبريل 1938)

-بعزيز بن عمر. من ذكرياتي عن الإمامين الرئيسين عبد الحميد بن باديس ومحمد البشير الإبراهيمي. منشورات الحبر: بني مسوس، ط 2، 2007 الصفحات 85 و86 نقلاً عن http://www.aliklil.com/vb/showthread.php?p=472053

-دكمجيان، ريتشارد هرير، الأصولية في العالم العربي ترجمة عبد الوارث سعيد، المنصورة: دار الوفاء 1409 هـ -1989 م. ص 55.

-محمد السعيد الزاهري، الإسلام في حاجة لدعاية وتبشير، (الجزائر، بدون تاريخ)

-صحيفة المدينة المنورة، عدد11424 في 2 صفر الخير 1415هـ الموافق 11 يوليو 1994م

-مازن مطبقاني، عبد الحميد بن باديس: العالم الربّاني والزعيم السياسي، دمشق: دار القلم، 1410ه1990م

-مرحوم، علي، مقابلة شخصية في 19/2/1404 الموافق 23 نوفمبر 1983م في منزله بالقبة في العاصمة الجزائر

-الموسوعة العربية المجانية (ويكيبيديا)

(http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%86%D8%AE%D8%A8%D8%A9 السبت 28آذار 2015 الساعة السادسة صباحاً)

المراجع الأجنبية

http://dictionary.reference.com/browse/elite

Halpern, Manfred. The Politics of Social Change in the Middle East and North Africa, (Princeton: Princeton University Press, 1970) 4th printing

Saeed, Edward Orientalism, London and Henely: Routledge & Kegan Paul Ltd. 1978. P245

-Johannes Jansen. “The Failure of the Liberal Alternative”. A paper presented to the First International Conference on Islam and The Twenty-First Century.

آخر التغريدات:

    Message: Invalid or expired token., Please check your Twitter Authentication Data or internet connection.