العلامة المصلح نجم الدعوة الإسلامية الرشيدة: الشيخ محمد الأكحل شرفاء
بقلم: عبد الحميد عبدوس -
مرت سنتان على رحيل نجم الدعوة الإسلامية الرشيدة العلامة المصلح الشيخ محمد الأكحل شرفاء، نائب رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ففي صباح يوم الأحد 18 ربيع الثاني 1436هـ الموافق لـ8 فيفري 2015م انتقل إلى رحمة اللّه تعالى عن عمر ناهز 90 سنة بالتاريخ الميلادي، فهو- عليه رحمة اللّه- من مواليد 18 فيفري 1925 بقرية بني شبانة، من دائرة بني ورتيلان بولاية سطيف.
قال عنه رفيقه في الجهاد العلمي الإصلاحي الدكتور عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في الوقفة التأبينية التي أقامتها جمعية العلماء في توديعه إلى مثواه: " إن الراحل كان بمثابة موسوعة علمية تفيض بالقيم الدينية والروح الوطنية، وأنه عمل طيلة حياته على ترسيخ هذه القيم والدفاع عنها".
ووصفه الدكتور سعيد شيبان، وزير الشؤون الدينية الأسبق خلال حفل تكريم أقيم سنة 2009 على شرف الفقيد بأنه: "تجسيد حي لعناصر الهوية الوطنية: الإسلام والعربية والأمازيغية".
وقد أتيح لي (كاتب هذه السطور) في عدة مناسبات التعبير عن مدى تقديري وإعجابي بمجهودات الراحل في ميادين التربية والدعوة ووفائه لرسالة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي تتلمذ فيها على يد مؤسسها ورئيسها الأول الإمام عبد الحميد بن باديس، فكان بمثابة الثمرة الطيبة لشجرة ابن باديس المباركة، إذ تشبّع منذ ريعان شبابه بمبادئ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فدافع بقناعة وبلاغة بقلمه ولسانه عن تاريخها وبرنامجها ورجالها، وناضل بجهده ووقته وماله في صفوفها وشعبها تحت الاحتلال ثم أصبح في ثلة قيادتها الحكيمة بعد استرجاع الاستقلال.
في الأسبوع الأول من شهر ربيع الثاني 1430هـ الموافق لشهر مارس 2009م، كرمت مؤسسة "الشروق" الشيخ محمد الأكحل شرفاء في حفل بهيج، فطلب مني فضيلة الشيخ الراحل المشاركة بكلمة في فعاليات حفل التكريم، فكان مما قلت، وقد سجلته جريدة "البصائر" لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ما يلي: "إن فضيلة الشيخ (شرفاء) يمتلك تلك الميزة النادرة التي تؤهل أصحابها لترك بصماتهم في مجرى التاريخ، وتلك الميزة هي- في تقديري- اعتناق قضية ما والدفاع عنها والوفاء لها مهما كانت الظروف والعقبات، ومنذ أن تعرفت على فضيلة الشيخ شرفاء وفي ما قرأته عنه قبل تعرفي الشخصي عليه، تأكدت أنه حامل لأشرف وأكرم قضية يسخر لها الإنسان المسلم مواهبه وجهده ووقته، فالشيخ شرفاء (ومنذ أربعينيات القرن الماضي) وهو يدافع باللسان والقلم، وبالوجدان والعقل عن الإسلام ولغة الإسلام وقيم الإسلام، هذه القضية الشريفة السامية أهلته لنيل إعجاب الناس..".
كان العلامة الراحل الشيخ محمد الأكحل شرفاء من أركان جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ومن نجوم الدعوة الإسلامية في العالم الإسلامي، وكان متألق الحضور في ملتقيات الفكر الإسلامي بالجزائر، وملتقيات الدروس الحسنية بالمغرب، وكان يشد الأنظار بمظهره الأنيق، ويطرب الأسماع بفصاحته التي أثارت إعجاب وثناء فارس البيان العربي الشيخ محمد البشير الإبراهيمي عندما زاره سنة 1948 في قرية بني شبانة، مسقط رأس الشيخ محمد الأكحل شرفاء وعرينه الإصلاحي. وكان الشيخ رحمه اللّه من أبرز خطباء نادي الترقي بالعاصمة، وقضى شطرا من عمره مفسرا للقرآن الكريم بالنادي، كما كان ركنه الأسبوعي في جريدة "البصائر" (في رحاب القرآن) من أهم أركان الجريدة، وظل حريصا على تحريره إلى أن اضطره المرض إلى الانقطاع عن الكتابة، ما جعل القراء يتساءلون عن سر اختفاء ركن "في رحاب القرآن" ويطالبون بعودته بسبب تعلقهم به.
وللتذكير فإن العلامة الكبير الشيخ محمد الأكحل شرفاء حفظ القرآن الكريم وعمره 13 سنة، التحق بدروس الإمام عبد الحميد بن باديس بالجامع الأخضر بقسنطينة في أواسط ثلاثينيات القرن العشرين، انتقل سنة 1947 إلى تونس لمواصلة الدراسة بجامع الزيتونة، وساهم في الحركة الإعلامية بتونس بمقالات في جريدة "الأسبوع". وبعد عودته إلى الجزائر سنة 1949 عين مديرا بمدرسة ايفيل النصر بأقبو ومكث هناك 4 سنوات، وأثناء عمله بهذه المدرسة تعرض عدة مرات لمحاكمات ظالمة من السلطات الاستعمارية، لتدريسه اللغة العربية دون رخصة، وحكمت عليه بالسجن وبالغرامات المالية، وفي سنة 1953 عين مديرا لمدرسة التهذيب ببرج بوعريريج، وبعد استرجاع الاستقلال تولى مهمة التدريس في كبريات ثانويات العاصمة، ثم انتدب إلى وزارة الشؤون الدينية بصفة مفتش عام في سنة 1986، وأحيل على التقاعد في السنة نفسها.
أعاد في سنة 1991 بعث جمعية العلماء المسلمين الجزائريين مع كوكبة من علماء الجزائر، منهم الشيخ أحمد حماني والشيخ علي مغربي والشيخ عبد الرحمن شيبان والشيخ إبراهيم مزهودي والشيخ محمد الصالح رمضان، والشيخ عمار مطاطلة– عليهم رحمة اللّه - في سنة 1993 وعند انعقاد المؤتمر التجديدي لقيادة جمعية العلماء، انتخب عضوا بالمكتب الوطني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين مكلفا بالدعوة والإرشاد، وفي سنة 2008 انتخب الشيخ شرفاء نائبا لرئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في مؤتمر الجمعية، ثم أعيد انتخابه بعد رحيل سماحة الشيخ عبد الرحمن شيبان، وتولى الدكتور عبد الرزاق قسوم رئاسة الجمعية، نائبا للرئيس، وهو المنصب الذي احتفظ به إلى أن تغمده اللّه برحمته.