من أعلام الجنوب: خليفة محمد بن الزروق الثامري ودوره التعليمي والاجتماعي 1881م/1956م

بقلم: محمد بسكر-

إحياء تاريخ الشخصيات العلمية، وذكر مآثرها، واجب على الكُتَّاب والمثقفين، وخاصّة التعريف بالعلماء الذين عاشوا في عهد الاحتلال، وأسهموا بشكل كبير في الحياة الاجتماعية والسياسية، وأهملتهم كتب التراجم؛ لأنّ آثارهم بقيت حبيسة الأدراج، ولم تجد من ينقب عنها أو يروج لها. ومن الشخصيات التي لم تنلها الأقلام بالكتابة الشيخ خليفة محمّد بن الزرّوق بن أبي حفص الثامري..

ولد (رحمه الله) بمدينة بوسعادة  بحي أولاد أحميدة في ربيع الأول من سنة 1881م، ذاق مرارة اليتم والحرمان منذ ولادته، فأمّه توفيت بعد أشهر من وضعه، فاهتم والده برعايته، غير أنّه لم  يلبث أن توفي وسنّ الصغير لم تتجاوز الثلاث سنوات، فانتقلت كفالته إلى عمه ابن موسى بن أبي حفص، الذي أغدق عليه من عطفه، واهتم  بتربيته وتنشئته على التدّين والصّلاح.

ألحقه عمه بكتّاب حيّه، فحفظ قدرا يسيرا من القرآن الكريم، ثم انتسب إلى المعهد القاسمي بزاوية الهامل سنة 1896م، والذي كانت تديره وقتئذ السيّدة زينب ابنة الشّيخ محمد بن أبي القاسم، فأكمل تحصيله العلمي في الفقه والتفسير والحديث. كان من جملة شيوخه الشّيخ أبو القاسم نجل الشّيخ الحاج محمّد، أخذ عنه دروسا في الفقه المالكي والتصوف، ومحمّد الونوغي، واحميدة بن الطيب نزيل المدينة المنورة، ومحمّد العيد بوشاربمفتي مدينة صور الغزلان وقاضيها، ومحمّد بن عبد الرّحمن الديسي.

رحلته في طلب العلم:

تاقت نفسه لزيارة بيت الله الحرامفي سنة 1321هـ/1903م، فخرج من زاوية الهامل في شهر ذي القعدة سيرا على الأقدام، وجعل طريق رحلته على أولاد جلال ثمّ طولقة مرورا بطرابلس. نزل مصر بعد مروره بعدة مدن ليبية، وأقام مدّة برواق المغاربة بالأزهر الشريف، فجالس شيوخ الأزهر وحضر دروسهم، فأخذ دروسا في النحو على الشّيخ علي الزنكلوني أحد تلامذة الشّيخ محمد عبده، والفقه على الشّيخ محمّد السقا تلميذ الشّيخ عليش، وحضر دروسا في الحديث على يد الشّيخ محمود خطاب السبكي شّيخ الطريقة الدردرية، وعلم التوحيد على يد الشّيخ محمد الرفاعي.

انتقل إلى المدينة المنورة سنة 1905م ونزل ضيفا عند شيخه احميدة بن الطيب بن علال الجزائري، واتّصل بمجالس العلم بالمسجد النبوي، فسمع من مشايخه وعلمائه، وكان أكثر الشيوخ ملازمة له  الشّيخ محمد الكتّاني، قرأ عليه الشمائل المحمدية للإمام الترمذي.

نشاطه العلمي:

رجع الشّيخ زروق  إلى بلده سنة 1906م، بعد أن نهل من المعارف في المؤسّسات العلمية التي زارها أثناء رحلته التي دامت ثلاث سنوات، لينخرط في النّشاط العلمي والاجتماعي الذي كانت تشهده مدينته، فالتحق أوّلا ببلدة الهامل، حيث أسندت إليه خطّة الكتابة لشيخ الزّاوية  محمّد بن الحاج محمّد القاسمي، ودام في منصبه هذا ست سنوات، ثمّ استأذن شيخه ليعود إلى مسقط رأسه، ويلتحق بأحد مكاتب الإدارة الفرنسية ككاتب (خوجة). وبداية من سنة 1925متطوّع  بإلقاء دروس في مسجد أولاد احميدة، ثم عُيّن باقتراح من جماعة الحيّ مكان الإمام السّابق الشّيخ محمد الطيّارلمّا عجز عن القيام بوظيفته.اتّخذ الشيخ الزروق من هذا الجامع الواقع في وسط البلدة قاعدة  لنشاطه العلمي، يقيم فيه دروسه، في علم التوحيد، والنحو، ويختم فيه مختصر خليل شرحا وتعليقا  كلّ سنة، إضافة إلى إشرافه على الإفتاء والنظر في الدعاوى، وتمثيل أهالي بوسعادة وما جاورها أمام الإدارة الفرنسية. ومن بين أعماله التي استحدثها في المسجد والحي، إنشاء جمعية دينية تحت اسم (جمعية التعاون) تهتم بشؤونهما، ووضع لها قانونا خاصّا يحتوي عدّة فصول.

جعل الشيخ الزروقمن جامعه مدرسة لتعليم العلوم الدّينية، يستقدمُ له الشيوخ يلقون فيه دروسهم ومواعظهم، ومن بين الأسماء العلمية التي درّست وحاضرت فيه، الشّيخ عبد الحميد بن باديس أثناء زيارته لمدينة بوسعادة، والشّيخ مصطفى القاسمي شيخ زاوية الهامل، ومحمد الحجوي المغربي وزير الأوقاف ومؤلف كتاب الفكر السامي، والنعيم نعيمي أحد الأعضاء البارزين في جمعية العلماء، والأديب أحمد بن صالح بن ذياب،من تلاميذ الشّيخ عبد الحميد بن باديس.

وألقى فيه محمد بن السنوسي الديسي وفي المسجد الأخضر- ابن حطّاب – عدة دروس في الفقه واللّغة، نوّه الشّيخ الزروق به وبجهوده في كلمة ألقاها عند ختم الشّيخ ابن السنوسي شرح الأجرومية، خاطب فيها جموع طلبة العلم قائلا: ))..واغتنموا هذه الفرصة، وهي وجود هذا المعلم بين أظهركم، وهو العلّامة الشّهير والمربي الخبير، وبقية السّلف، وخيرة الخلف، الشّيخ سيّدي الحاج السنوسي، أطال الله بقاءه، فلازموا حلقته وتخلقوا بأخلاقه، وكونوا معه بالأدب والوقار والإجلال والاحترام، والتمسوا رضاه ودعواته الصالحة لعلكم تنتفعون بعلومه..)).

إنّ مساهمة الشّيخ الزروق في الحركة الإصلاحية التي شهدتها بلدته بدأت مع مطلع العقد الثاني من القرن العشرين، وإن لم ينخرط في تنظيم جماعي رغم أنّ المدينة كانت ساحة لكثير من التحركات الثقافية والسياسية، وخاصّة بعد تأسيس فرع جمعية العلماء المسلمين، وظهور نشاط  بعض الأحزاب السياسية كحزب البيان. فقد اتّسم نشاطه العلمي والاجتماعي بالطابع الفردي، يُعينه فيه جماعة حيّه، بإشراف مباشر من زاوية الهامل، واستغلّ احترام الإدارة الفرنسية له وسيلة للتحرك بكل حرية، خدمة لأفراد مجتمعه باعتباره ممثلا للمجتمع المدني وناطقا مفوضا من الأهالي، يتحدث باسمهم ويعرض قضاياهم أمام السلطة الاستعمارية الحاكمة.

تأسيسه لمدرسة الفتح:

ومن مشاريعه التعليمية التي أشرف عليها  تأسيسه لكتّاب بجانب بيته بحي أولاد احميدة سنة 1943م، بدأ فيه بتعليم القرآن وبعض مبادئ العلوم الشرعية،  ولما كثر عدد الطلاب به أسس مدرسة بنفس الحي  بتاريخ 09 جوان 1945م، وسماها (مدرسة الفتح)،  تحتوي على حجرة مجهزة بالطاولات والسبورة، درّس فيها الكثير من العلوم، وخاصة اللغة العربية والنحو والصرف والحساب، وعلّم فيها الطلبة باختلاف أطوارهم، قال في شأنها: « وفتحت مكتبا منظما، شبه مدرسة لتعليم الأبناء والبنين بعض المبادئ اللّغوية والأحكام الشرعية، والتربية الأدبية »، وقد وافقت الإدارة الفرنسية على مشروعه، ولم تعارضه، لما يتمتع به الشيخ من مكانة داخل المجتمع البوسعادي، إضافة إلى الغطاء الذي توفره الزاوية له باعتباره أحد رجالها ببلدة بوسعادة.

كان الشيخ الزروق في رسائله وخطبه يسمى مدرسته بـ( المعهد الديني)، وحظيت بالقبول من أهالي البلدة، يلتحق بها الطلبة في الفترة المسائية، بعد أن ينهي بعضهم تعليمهم بالمدرسة الفرنسية الرسمية (شالون)، ودام نشاط هذه المدرسة عشر سنوات، وكانت السلطة الفرنسية تقر بمجهودات الشيخ، وتغض الطرف عنه، بل إن أوراقه فيها ما يشير إلى زيارة بعض المسؤولين الفرنسيين لهذه المدرسة منهم زيارة وزير الحربية بمعية رجال الدولة بتاريخ 12 ماي سنة 1944م، وألقى الزروق بالمناسبة كلمة ترحيبية  اقتضاها الحال، جامل فيها الوفد الفرنسي الزائر، جاء فيها: « بالنيابة عن سكان بلدة بوسعادة، أرحب بسعادة السيد وزير الحربية ومن بمعيته من رجال الدولة والأعيان، السيدات والسادات الفرنسيون ونشكرهم على هذه الزيارة الميمونة التي شرفتمونا بها في هذا المعهد الديني».

لم يفقد الشّيخ الزروق حماسه ونشاطه رغم تقدمه في السنّ، فنجده مع نهاية الأربعينيات ينتقل إلى المسجد الأخضر “ابن حطّاب” بحي الهضبة، ويفتح بطابقه العلوي مدرسة لتعليم الطلبة، وعندما أسّست زاوية الهامل بمدينة بوسعادة مدرسة (الفلاح) سنة 1371هـ/ 1951م، والتزم شيخها الحاج مصطفى نفقاتها وتسيير شؤونها، استدعى إليها جملة من الأساتذة الشيوخ المتمرسين، كان من بينهم الشّيخ الزروق رحمه الله.

توفي رحمه الله سنة 1956م تاركًا عدة أعمال منها:

رسالة الإفادة في تاريخ بوسعادة: نشرتها دار كردادة للنشر والتوزيع، بوسعادة، سنة 2014م، تحقيق: محمد بسكر.

رسالة إرشاد الحائر إلى ما علم من أحوال بوسعادة وأخبار سيدي ثامر: نشرتها دار كردادة للنشر والتوزيع، بوسعادة، سنة 2014م، تحقيق: محمد بسكر.

السير على الأقدام إلى بيت الله الحرام: ترجمة ذاتية، تناول فيها حياته العلمية، وشيوخه في زاوية الهامل، وشيوخه الذين أخذ عنهم أثناء رحلته إلى بيت الله الحرام سيرا على الأقدام انطلاقا من زاوية الهامل، مرورا ببعض مدن ليبيا، ونزوله برواق المغاربة بالأزهر الشريف بمصر، ثم سفره منها لآداء منسك الحج سنة 1905م.

مجموع خطب منبرية: تقع في ست وثمانين صفحة، جاء في أوّله: «الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيد المرسلين سيدنا محمّد صلى الله علي وسلم وعلى آله وأصحابه أجمعين. أمّا بعد: فيقول جامعه الحقير خليفة الحاج محمّد بن الزروق بن أبي حفص بن الحاج محمّد بن الحاج أحمد بن خليفة بن ثامر بن احميدة الثامري البوسعادي الأحمدي لطف الله به في الدّارين آمين..».

تقييد صغير في العقيدة، يحتوي تسعة دروس، تنتهي بالحديث عن أصول الدّين (القرآن، السنّة، الإجماع، القياس، أركان الإسلام).

آخر التغريدات:

    Message: Sorry, that page does not exist., Please check your Twitter Authentication Data or internet connection.