أدباءٌ جزائريون… أَرَّخت أعمالهم مجلّة المغرب

بقلم: محمد بسكر-

قراءة في كتب التاريخ والتراجم الحديثة التي دوّنها المغاربة في العصر الحديث، أمثال ابن سودة، ومحمد المنوني، وعبد الله الجراري، وأحمد منفكر، ومحمد حجي وغيرهم، تكفي للوقوف على ثبت كبيرلأسماء ثقافية جزائرية، ساهمت في تسطير تاريخ المغرب الأقصى، وتدوين ترتيباته الإدارية، منهم من شَغل مناصب رفيعة في الدولة المغربية، وآثارهم في التأليف والكتابة الصحفية دالة على مساهمتهم الإيجابية في الحياة الثقافية التي شهدها المغرب الأقصى في الفترة الممتدة من سنة 1912 إلى 1962م.

لا ريب أنّ بعض المثقفين الجزائريين دفعهم الاستعمار الفرنسي للهجرة، بعد فرض الحماية على المغرب الأقصى سنة 1912م، ليسد بهم الفراغ، لخبرتهم السّابقة في العمل الإداري، ولقدرتهم على الترجمة والتواصل مع الأهالي، منهم المُندمج إلى النّخاع في الثقافة الفرنسية، خدُوم لها بإخلاص، أمثال:قدور بن غبريط، عَينُ فرنسا داخل القصر، وكنون سعيد، المنحدر من قبيلة آيت عيسى، بذراع الميزان، وهو ضابط صف كان ضمن الفيالق الفرنسية التي دخلت مدينة فاس سنة 1911م، له دراسات أرّخ فيها لمعارك فرنسا في المغرب الأقصى، من بينها كتابه عن»الأطلس المتوسط»، دراسة مونوغرافية عن المنطقة من النّاحية الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، في ضمنها معلومات عن القبائل التي حاربت ضد فرنسا أو إلى جانبها.

لم تكن خدمة الإدارة الفرنسية، هي السبب الوحيد لاستقرار هاته النّخب بالمغرب، فبعضهم قطنها طلبا للعلم، أو الوظيف الإداري، أو لأسباب التَّعيش، ولم تؤثر فيهم سياسة الاستعمار ومغرياته، ولم يروجوا لثقافته وأفكاره، أمثال بلقاسم بن العربي عشاش (ت1942م)، وهو مترجم انتقل إلى المغرب بعد سنة 1912م، استقر ببلدة «سلا» التي سحرته بجمالها، فأحبّها واختلط بأهلها، وصفه كُتَّاب التراجم بأنّه: «كان ذا فكر واسع، وثقافة موسوعية، مجتهدا في الدّرس والتّحصيل، مُتقصيًا الأخبار الاجتماعية والتاريخية والأدبية للمدينة في ماضيها وحاضرها»، اشتهر بتعريبه لكتاب المراقب المالي الفرنسي «جان كوسي» المسمى «»les grandes familles de salé سنة 1925م، المكون من ثلاثة أبواب أساسية ، هي تقارير سياسية واجتماعية وأدبية عن حياة مدينة سلا، وأضاف إليها بابا رابعا، قدّم فيه جملة من النّصائح إلى شباب مدينة سلا، دعاهم إلى الإقبال على التّعليم، واتّخاذ السّلف الصّالح قدوة، وعدم الاغترار بمظاهر الحضارة الغربية.

ومنهم الشاعر محمد بن أحمد الرحموني، يعرف بابن داني (ت1913م)، أصيل بلدة ندرومة، نزل بلدة فاس طالبا للعلم في جامع القرويين، وبعد تخرّجه طاب له المقام، فاشتغل عدلا بخطّة العدالة بمدينة مراكش، له في الأدب نصيبه، ونَظيم في مدح الخلافة الحسنية، وتأليف في تاريخها، سمّاه: «الدّرة السّنية في ذكر الدولة الحسنية»، ترجم فيه أعيان ووزراء وكتّاب وحجّاب السّلطان الحسن الأول. ومنهم الفنان السّيدأزواو بن أرزقي معمري، تعلّم بالمدرسة الفرنسية، التحق بأخيه (محمد بن أرزقي) المقيم بالمغرب، حيث أسّس مدرسة للّغة الفرنسية بالرباط، وفي سنة 1919م تمّ تعيينه أستاذا للرّسم بالمدرسة الإسلامية، وظهرت أوّل مجموعة من رسوماته في متحف لوكسمبورغ، وكتبت عنه الصحافة الإشهارية فاشتهر أمره كرّسام مبدع، وعاصره الأستاذ خلّادي عبد القادر بن محمد عدّو، الذي هاجرت أسرته من بلدته مغنية إلى وجدة المغربية سنة 1912م لأسباب مجهولة، اشتغل في التعليم، وقدّم للمكتبة المغربية عدة مؤلفات، أهمها ترجمته لكتاب «مؤرخو الشرفاء» للمؤرخ» ليفي بروفنسال»، وهو عمل يحتل مكانة كبيرة بين المصادر المعتمدة في تاريخ المغرب الأقصى، فقام بتعريبه ونشره سنة 1977م، في أزيد من 300 صفحة، ولم يجعل له مقدمة توضح أهميته والصعوبات التي صادفته أثناء الترجمة، وترك مجال التقديم للأستاذ المؤرّخ «محمد حجي»، الذي أشار إلى فائدة الكتاب، وتحدث عن اهتمامه هو شخصيا به، وما سجله في دفاتره من سقطات تاريخية، وقع فيها «ليفي بروفنسال».. غير أنّه لم يشر إلى المترجم «خلادي»، صاحب الجهد في تقريب هذا الكتاب إلى القارئ… ولم ينبس بحرف أو كلمة في حقّه… سواء من حيث طريقة تعريبه.. أو فائدة ما قام به.

محمد الصالح ميسة… أنموذج لأدباء المهجر:

يعتبر الأستاذ محمد الصالح بن علي ميسة، من أدباء المهجر فترة الحماية،عمل في مجال الترجمة في احدى الإدارات، وما نعرفه عنه أنّه أحد أساتذة المدرسة الثعالبية بالجزائر العاصمة، اشتغل فيها إلى جانب الشّيخ عبد القادر المجاوي، والشيخ عبد الحليم بن سماية، والشيخ سعيد بن الزكري، استطاع الاندماج بيسر في المجتمع المغربي، والعمل ضمن نخبه الثقافية والسياسية، فتعاطف مع تطلعات الحركة الوطنية المغربية التي ازداد نشاطها بعد فرض الحماية، ودافع باستماته عن العرش، غير أنّ خدمته بالإدارة الفرنسية حالت دون جهره بأفكاره ومشاعره، فاتّخذ من العمل الصحفي ميدانا فسيحا لمعارضة الاحتلال، فكتب مقالات كثيرة في جريدة l’action du peuple، تحت عنوان: «حديث شاب» لم يصرح فيها باسمه، وإنّما وقّع باسم مستعار(الوطني السلاوي محمد حصار).

لم يكن «محمد الصالح» مجرد كاتب ناقد لسياسة المحتل، وإنّما تميّز بمعرفته بالقوانين الحديثة، وخاصّة بالقضاء الفرنسي وتاريخه، فاستغل معرفته لتدوين تاريخ النظام القضائي الفرنسي وقوانينه بإيالة المغرب، وجمع ذلك في كتاب سماه: «نظام المحاكم الفرنسية بالإيالة الشريفة»، ثمّ ذيّله بكتاب آخر نشره سنة 1929م بعنوان: «الضوابط المغربية من عام 1912 إلى 1923»، خصّه للقرارات الوزارية والضوابط الرّسمية والمعاهدات الدولية، وأظهر فيه الإصلاحات القانونية التي أدخلها الفرنسيون أو ما سمّاها (حكومة الحماية) والحكومة المغربية، المتعلقة بتسيير الأحباس والمحاكم الشرعية والمحاكم المخزنية.

مجلة المغرب:

يرجع تأسيس مجلة المغرب إلى السّيد محمد الصالح ميسة، وهي مجلة شهرية تهتم بالأدب والعلوم والأخبار الثقافية والسّياسية المتعلقة بالمغرب الأقصى، صدر عددها الأوّل في شهر يوليو من سنة 1932م، وبلغت أعدادها 40 عددا ثمّ توقفت عن الصدور سنة 1936م، كان «محمد الصالح» يحرّر في كلّ عدد افتتاحيته، أو مقالة رئيسية،ولا يوقعها باسمه الصريح، وإنّما يرمز لنفسه بحرف (م). لم تكن مواضيع المجلة ذات اتجاه واحد، بل تباينت مسالكها وأهدافها، «فمقالاتها إمّا إخبارية تتناول ما يروج في مواطن الدنيا من مواضيع علمية وأدبية، أو مهتمة ومتتبعة لما يقوم به المستعمر، كبناء السدود والسكك الحديدية.. والمستشفيات والمدارس، أو تعريفية بمآثر المغرب ومناظره، أو ببعض علمائه وأدبائه».

مساهمة يجدر التنويه بها:

أمّا الأقلام التي كتبت في مجلة المغرب، رغم محدودية أعدادها، فمتميّزة المشارب، ضمّت أدباء وشعراء ومؤرخين مغاربة، أمثال أبو بكر زنيبر، مفتي مدينة سلا، والأستاذ محمد الحجوي، والشاعر محمد غريط وغيرهم، ونقلت على صفحاتها مقالات لأدباء من المشرق، منها مكاتيبُ محمد رضا، ومحمد كرد علي، وأمين الريحاني، ونجد فيها بعض الأخبار عن الجزائر، كنقلها لتأبين الشيخ عبد الحليم بن سماية، ومقالة للأستاذ محمد سعيد الزاهري، (هل البربر عرب؟ وهل لغتهم لغة ضاد أخرى؟).
ساقتنا الأعداد القليلة من مجلة المغرب إلى أسماء شخصيات ثقافية جزائرية استفاد منها المغاربة في مجال التربية والتعليم والكتابة الأدبية والتاريخية، أمثال الأديب محمد معمري الزواوي، الذي أوردت له قصيدة في مدح النبي، وموضوعا واحدا يتعلق بتعريب ما ختم به لا مارتين تاريخ حياة النبي من الجزء الأول من كتابه حول «تاريخ تركيا».

والأستاذ محمد معمري من منطقة زواوة، أصله من توريرت ميمون، انتقل من الجزائر إلى المغرب بإيعاز من الإدارة الاستعمارية، فهو أحد موظفيها، «ففي سنة 1912م، أمرت فرنسا بتعيينه ترجمانا بالإدارة المكلفة بحفظ الأوراق، بالصّدارة العظمى، ومكلفا بما يسمى العلاقات بين السفارة الفرنسية والصدارة العظمى»، وأثناء الحرب العالمية الأولى وقع الاختيار عليه للإشراف على تربية وتعليم الأمراء، وكان حظّه أحسن من غيره، فوجد طريقه إلى بلاط السلطان محمد الخامس، ويبدو أنّ قدور بن غبريط، الذي كان يشتغل رئيسا للتشريفات السلطانية، له الفضل في التمهيد له داخل القصر، ففي سنة 1922م أصبح نائبا له إضافة إلى ترأسه لمصلحة الترجمة، وبخلاف «ابن غبريط» الذي كان هواه فرنسيا، فإنّ محمد معمري لم يتأثر بالإدارة الفرنسية، ومال إلى خدمة سلطان المغرب بإخلاص، فزاد نفوذه داخل المخزن سنة 1934م، بفضل حنكته السّياسية وفطنته ومرونته، ممّا جعله يحظى بثقة السلطان، فكان يستأمنه على أسراره وأموره الشخصية.

تميّز الأديب محمد معمري بنشاطه وثقافته الواسعة، فلم يشغله منصبه السّياسي عن المساهمة في المجال الفكري، فكان يكتب ويحاضر.. فظهرَ فضله في الحياة الأدبية حتى وصفه ابن سودة في كتابه «إتحاف المطالع «(2/499)، «بالأستاذ الأديب، المطّلع الكاتب، المقتدر»، له شعر كثير في مدح ملوك المغرب، جمعه في ديوان كبير، سمّاه: «حسن الوفا لآل البيت في مآثر ملوك العرش العلوي»، وله مؤلفات أخرى، أشار إلي بعضها الأستاذ محمد الهادي الحسني في مقاله « محمد معمري» الذي نشره في جريدة الشروق (22/5/2015م)، ونضيف إليها كتابين صغيرين، أوّلهما «الطرق الأدبية» الذي نشره سنة 1917م، وهو مسامرة ألقاها بنادي الخطابة بفاس، والثاني «المدنية والإسلام «، نشره له سنة 1921م، وأصله محاضرة ألقاها بالمدرسة الثانوية بفاس.

كما نشرت مجلة المغرب مقالة للسيد عبد الحق بن صالح وطاف (ت1957م)، بعنوان: (بيان الحقيقة)، وهو قسنطيني الأصل، وتاريخه مجهول كغيره ما عدا ما ذكره الدكتور أبو القاسم سعد الله عنه، من كونه خريج المدارس الجزائرية الرسمية، انتقل إلى المغرب الأقصى، وفتح مدرسة خاصة لتعليم اللغة الفرنسية، وكان من المساهمين بماله في دعم مجلة المغرب، وأثره الوحيد الدّال عليه كتابه الذي نشره سنة 1911م، والمسمى: «قواعد التجارة المعاصرة «، ألّفه للتجار الجزائريين والمغاربة، لإرشادهم للأساليب العصرية للتجارة الحديثة، وجعله على مقدمة وثلاثة أبواب، الأوّل في القانون التجاري الفرنسي، والثّاني في العقود والدفاتر التجارية، والثالث: في المراسلات التجارية. أهداه كما جاء في مقدمته إلى أستاذ «أريب» الفرنسي، شيخ عمالة قسنطينة، ولمجموعة من الأساتذة منهم: عبد القادر المجاوي، ومحمد بن شنب، والشيخ ابن الموهوب، ومحمود كحول… وغيرهم.
وأشادت «مجلة المغرب» بكتاب «البيان المطرب لنظام حكومة المغرب» لمؤلّفه عبد الحميد بن أبي زيان بن آشنهو، وقالت: «بأنّه يشتمل على بيان نظم البلاد المغربية وترتيباتها الحكومية، في أسلوب سلس وإنشاء واضح، ولا تخفى الحاجة إلى مثل هذا الكتاب، وبالأخص لدى الموظفين الذين يفتقرون إلى معرفة نظام المغرب أثناء أشغالهم، وغيرهم من المغاربة المشتاقين إلى الاطلاع على قوانين بلادهم». والأستاذ عبد الحميد بن أبي زيان بن آشنهو، تلمساني الأصل، خريج المدرسة الفرنسية بالجزائر، عاش فترة في المغرب، وعمل هناك أستاذا بمعهد الدّراسات المغربية العليا، ورئيس مصلحة الترجمة العامة. له مؤلفات طبعت في المغرب، في التاريخ والفقه والقانون والنظم الإدارية، نذكر منها: كتاب: « ما تشاهده العيون من مسائل الديون»، وهو دراسة فقهية وقانونية للديون، وله كتاب» النظام الإداري بالمغرب» نشره سنة 1935م، كما وضع دراسة تحوي140 صفحة بعنوان: «الدلالة في حكم الوكالة» نشرها سنة 1955م، تضمنت معلومات شرعية وقانونية.

إنّ هذه الفئة المثقفة الجزائرية التي قادتها الأقدار، لأن تستقر بالمغرب الأقصى لظروف مختلفة، وتساهم في حياته الأدبية والفكرية، ما زال تاريخها سرٌا مكنوناٌ، يطمسه التّهميش من الباحثين في التّاريخ، تحتاج إلى من ينقب عن حياتها، ويقتنص آثارها، ويستقصي دورها السّياسي والاجتماعي والثقافي، باعتبارها تمثل رصيدا علميا هاما، يُظهر التفاعل الثقافي القويّ بين الجزائر والمغرب.

آخر التغريدات: