ابن باديس أسس أول مدرسة إصلاحية بعمق الأوراس

بقلم: صالح سعودي-

لعبت منطقة إينوغيسن التابعة حاليا لولاية باتنة، دورا فعالا في بسط العلم ودحر الضلال، في فترة كانت الشعوذة سائدة، حيث كان لأعيانهم فضل السبق واستضافة مدرسة الفلاح منذ شهر ديسمبر 1934، من خلال استقدام الشيخ محمد الدراجي ميهوبي، الذي اصطفاه الشيخ عبد الحميد بن باديس لهذه المهمة، وهي الخطوة التي زكاها الشيخ ابن باديس، واعتبره الكثير خطوة نوعية لمحاربة الجهل وتكوين الرجال الذين لعبوا فيما بعد دورا هاما لتأطير الثورة التحريرية.

يؤكد الأستاذ نجيب بن لمبارك في حديثه إلى “الشروق”، أن أعيان منطقة إينوغيسن بباتنة سبقوا زمانهم بانتمائهم لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، من خلال فتح الباب لهذا التيار الحضاري، فكان حسب قوله أن تأثر الكل بهذه الخطوة وانتقلوا إلى المدرسة كبارا وصغارا، حيث يعد الشيخ محمود بن لمبارك من الذين سخروا وقتهم ومالهم وأملاكهم في خدمة المشروع، فتبرع بأرضه لبناء المدرسة ومنزله لإسكان الشيوخ وعائلاتهم إلى غاية غلقها مع اندلاع الثورة التحريرية. وفي هذا الجانب يقول الأستاذ الراحل بن لمبارك الهادي (تلميذ الشيخ الدراجي بالمدرسة): “كانت مدرسة إينوغيسن آنذاك أشبه ما تكون بمحبرة يتولى أمرها “الجمعية الدينية”، وكان أول من أحرق فيها بخور العربية هو الشيخ “محمد الدراجي” في أواخر الثلاثينيات، وانتشر عبيرها عبر “وادي الأبيض” الخصيب، فاستنشق الأهالي أريجها فأقبلوا على تعلمها بعد أن كان التعليم في المداشر مقصورا على فن قراءة القرآن دون سواه”. وقد بقيت مدرسة الفلاح تؤدي رسالة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إلى غاية اندلاع الثورة يوم الفاتح نوفمبر 1954.

مدرسة الفلاح.. تاريخ مثير في الوعي والإصلاح بمباركة من ابن باديس

تملك مدرسة الفلاح الإصلاحية التي رأت النور بمنطقة إينوغيسن بباتنة تاريخا مشرفا في محاربة الجهل والشعوذة ومختلف أساليب الاستدمار الفرنسي المسيئة للدين والبلاد والعباد، حيث تعود الفكرة إلى عام 1934، حين انتقلت مجموعة من أعيان قرية إينوغيسن في بعثة لمدينة قسنطينة لمقابلة الشيخ عبد الحميد بن باديس والمطالبة بفتح فرع لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين بقريتهم، وانتداب معلم للتدريس، وحدث حسب شهادة الشيخ محمد علاوي أن كان صيت جمعية العلماء التي يترأسها الشيخ عبد الحميد بن باديس منتشرا في كل آفاق القطر الجزائري، وألهم الله بعض المصلحين من سكان قرى إينوغيسن أن يبعثوا وفدا إلى قسنطينة، فلبى الشيخ ابن باديس رغبتهم وبعث إليهم الشيخ محمد الدراجي البريكي الأصل، الذي هو من أبرز تلامذته معرفة وسلوكا وروحا وطنية، كما حثهم الإمام ابن باديس على تأسيس جمعية دينية لدى المصالح الإدارية الاستعمارية قبل الشروع في فتح المدرسة لتفادي العرقلة.

ولما عادت البعثة انطلقت في التحضير لتأسيس الجمعية، وكذا ظروف إقامة وعمل الشيخ، فاختاروا قرية تاجرة أولاد لمبارك لبداية العمل، فحضروا له منزلا ملكا للسيد بن لمبارك محمد بن عبد الرحمن (شهيد). وحسب الأستاذ نجيب بن مالك فقد تكونت الجمعية وقتها من السادة محمد الأخضر عايشي رئيسا (كونه أكبرهم سنا) وأحمد بن عمارة عايشي أمين المال، إضافة إلى محمود بن لمبارك (المعروف بالمقدم) والبشير بوكريشة وإبراهيم بن بلقاسم بن دايخة، بعدها كان أمر ترحيل الشيخ محمد الدراجي ميهوبي من مدينته بريكة.

الطلاق النهائي بين المقدم والزاوية أفسح المجال لتأسيس مدرسة الفلاح الباديسية

يقول الشيخ جمال ميهوبي الذي نشأ مع والده الشيخ الدراسي في إينوغيسن: “كان بقرية تاجرة أولاد لمبارك كسائر قرى المنطقة وقتها تعطى دروس تحفيظ القرآن فقط، وخصصت لأفرادها ومعلمها الذي كان الشيخ بلقاسم بن علي بن امحند بن لمبارك. وكانت الطريقة الرحمانية هي السائدة بالمنطقة، وفرعها بـ خيران، وأما مقدمها بالمنطقة فكان السيد محمود بن لمبارك”. أما عن تحول المنطقة عن خدمة الزاوية الرحمانية وفتح فرع لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين بالمنطقة، فقد قعت لمقدم الزاوية عجل بالطلاق النهائي بين المقدم والزاوية، حيث تزامنت هذه الحادثة مع إنشاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فكان من المقدم حسب رواية الشيخ جمال الدين ميهوبي أن طلب من أهل قرية إينوغيسن التفكير في تشكيل خلية للجمعية بالقرية. وحسب الأستاذ نجيب بن لمبارك فقد توسع أفق التعليم بالمنطقة بعد مجيء الشيخ محمد الدراجي ميهوبي، فأصبحت تلقن دروس اللغة العربية ومختلف موادها لأول مرة، وعادت بذلك قرية تاجرة بإينوغيسن مقصد ومحج طلاب العلم من كل المنطقة والمناطق المجاورة. ومع ازدياد العدد فقد قررت اللجنة الانتقال لقرية إينوغيسن وبناء فضاء يتكون من قاعتين، بأرض تبرع بها عضو اللجنة الدينية السيد محمود بن لمبارك. وبعد إتمام البناية انتقل إليها الشيخ محمد الدراجي الميهوبي وتلامذته فعمل بها بمساعدة الشيخ سي الصادق رحماني المعروف بالصادق بن العابد، ومعلم القرآن الشيخ علي أوخبزقة.

هذه ثمار مدرسة الفلاح في منطقة غارقة في العزلة والحرمان

وحسب شهادة للأستاذ الراحل الشيخ الهادي بن لمبارك الذي درس على يد الشيخ محمد الدراجي ميهوبي تحت لواء مدرسة الفلاح بإينوغيسن “كانت مدرسة إينوغيسن آنذاك أشبه ما تكون بمبخرة يتولى أمرها الجمعية الدينية، وكان أول من أحرق فيها بخور العربية هو الشيخ محمد الدراجي في أواخر الثلاثينيات، وانتشر عبيرها عبر وادي الأبيض الخصيب، فاستنشق الأهالي أريجها فأقبلوا على تعلمها بعد أن كان التعليم في المداشر مقصورا على فن قراءة القرآن دون سواه”، وأضاف بالقول: “هكذا أصبحت المدرسة قبلة الطلاب تقصد من كل حدب وصوب، كما فتح الشيخ بعمله هذا آمال أبنائها في غد أفضل على درب العلم الذي لم يعد حلما بل حقيقة في مواصلة التحصيل بمقصد العلم وطلبته وقتها جامع الزيتونة، لكن بالمقابل كان محل مراقبة”. وكان وقتها يعمل الشيخ محمد الدراجي على جبهات، وهي التدريس بالمدرسة المكونة من قسمين وجلوس الطلبة على الحصير، وممارسة فلاحة الأرض ليدر مما يجنيه من مورد ليعول العائلة، وكذا تولي الإمامة للصلوات الخمس ومنها صلاة الجمعة بالجامع الوحيد بالمنطقة.

هذه حيلة الشيخ الدراجي للحد من مضايقات الإدارة الاستدمارية

وقد واجه الشيخ الدراجي متاعب ومضايقات بالجملة من طرف إدارة الاستدمار الفرنسي، وهذا بغية التأثير على العمل الإصلاحي والتوعوي الذي كان يقوم به، ويقول الشيخ جمال ميهوبي (نجل الشيخ الدراجي) في هذا الجانب “هدّد رجال الدرك الاستعماري الشيخ الدراجي ميهوبي لدرجة أن قالوا له بالحرف: ارجع لبريكة انتاعك، فاحتج أعضاء الجماعة الدينية لقرية إينوغيسن على تصرف رجال الدرك لدى حاكم أريس، لكن احتجاجهم لم يعط ثماره، فقرر الشيخ الدراجي السفر والاتصال بالشيخ عبد الحميد بن باديس بقسنطينة، أين قال له: جماعة الجدارمية يهينوني، فرد عليه الشيخ: اترك الأمر إلي، فكان من الشيخ عبد الحميد أن طلب من والده التدخل لدى حاكم قسنطينة لإبعاد أذى درك أريس عن الشيخ الدراجي، فلبى الوالد الطلب وتدخل الشيخ مصطفى بن المكي لدى حاكم عمالة قسنطينة الذي بدوره أعطى أمرا لحاكم آريس بنقل الدرك الذين ضايقوا الشيخ لبسكرة”، فلما نفذ تعجب الدركيون من هذا القرار طلبوا من الشيخ أن يعطي لهم تفسيرا، فكان رده: “إنكم ظلمتموني فشكوت لله ودعوته أن ينصفني، فاستجاب”، قال هذا الكلام دون أن يذكر تدخل والد الشيخ عبد الحميد بن باديس في الأمر. وحسب شهادة الشيخ جمال الدين ميهوبي فإنه لما جاء مستخلفوهم اتصلوا بالشيخ وطلبوا منه تفسير ما حدث لسابقيهم، فكان نفس رد الشيخ، ومنذ ذلك الوقت ابتعد أذى درك الاستعمار عن الشيخ خاصة والمنطقة ككل، حدث هذا خلال النصف الثاني من الثلاثينيات.

بين فك الخصومات وتنويع مواد التدريس والرد على الزوايا المناوئة

والواضح حسب الشهادات، فإن مسار مدرسة الفلاح بقيادة الشيخ محمد الدراجي ميهوبي البريكي لم تكن مفروشة بالورود، وهذا رغم الجهود المقدمة، بسبب مضايقات الزوايا المناوئة لجمعية العلماء، ويقول الشيخ الراحل الهادي بن لمبارك “إن الناس من شيليا حتى مشونش وعرش السراحنة كيمل والشرفة القابل وفريق من أولاد عبدي وغسيرة والتوابة وبني بوسليمان لا حديث لهم إلا عن الشيخ محمد الدراجي، إذ كانوا يلجؤون إليه في خصوماتهم ويستفتونه في شؤون دينهم، بل إنهم يعرضون عليه قضايا معقدة، لكنه يجتهد إلى أن يفكها فيسترضي الغاضب وينصف المظلوم، ويرفع الضم والحيف على المغبون”، وحسب الهادي بن لمبارك فإن الناس كانوا يطلقون على الشيخ الدراجي عندما يفد إليهم لفض خصومة “جاء ربي والنبي”، أي أنه لا يفصل بغير القرآن والسنة وشرع الله. وكان حربا على الشعوذة والتدجيل والخرافات وسدا منيعا في وجه التنصير ودعوات الانسلاخ.

أما بخصوص المواد التي كان يتم تدرسيها في ذلك الوقت (الثلاثينيات والأربعينيات)، فيقول الشيخ محمد علاوي في شهادته “كنت من تلاميذ الشيخ محمد الدراجي لعدة سنوات، فدرست عنه النحو والصرف والفقه عبادات ومعاملات، وكان يدرس لنا الأجرومية والقطر، والألفية في النحو وبن عاشر والرسالة والعاصمية في الفقه والرحبية في الفرائض. وكان وقتها الشيخ محمد الدراجي ميهوبي يعمل على عدة جبهات، وهي التدريس والفلاحة والإمامة للصلوات الخمس ومنها صلاة الجمعة بالجامع الوحيد بالمنطقة.

أول صلاة جمعة أقيمت في إينوغيسن بقيادة الشيخ الدراجي

يجمع الكثير أن أول جمعة أقيمت بمسجد قرية “إينوغيسن” كانت عام 1945، حيث استضاف أهل القرية أعيان المنطقة وشيوخها يتقدمهم الشيخ “اشباح” الذي جاء خصيصا من “القصر” بتكوت، ليعرضوا عليه فكرة إقامة صلاة الجمعة بمسجد القرية الذي بني حديثا. وحسب شهادة الشيخ الهادي بن لمبارك فقد “أقام السيد “أمحند أومعوش” مأدبة غذاء على شرف الوفد ومرافقيه، وتصدقت عمتي حفصية من حر مالها الذي ورثته قربانا للمناسبة السعيدة”.

ويؤكد الهادي بن لمبارك بأن الشيخ “اشباح” كان ضد تأدية صلاة الجمعة بهذا المسجد لسببين اثنين هما: كون السكان رحالة لا يكتمل عددهم لتأدية صلاة الجمعة، وموقع مبنى المسجد بملتقى واديين يشكل خطورة على المصلين، فكان من أحد الحضور وهو من سكان إينوغيسن أن قام وأجاب الشيخ قائلا “إننا سنشتري السكان للإقامة بقريتنا حتى يصل النصاب وتقام صلاة الجمعة”، وقد تحقق ذلك وصلى الشيخ محمد الدراجي أول صلاة جمعة بالمسجد وباقي صلوات الجمعة ما دام مقيما هناك.

إعادة تجنيد الشيخ الدراجي في الحرب العالمية الثانية

استدعت السلطات الاستعمارية خلال الحرب العالمية الثانية الشيخ محمد الدراجي ميهوبي لإعادة تجنيده، حيث ضم لفصيلة السبايس أين بقي حوالي ستة أشهر، وعاد للقرية والمدرسة عام 1946، فواصل مهمته التعليمية وإمامة المسجد. وعند رجوعه للتعليم بقي معه من قدماء المدرسة أربعة فقط، والباقي كلهم جدد، حيث بقي من القدماء كل من الهادي بن لمبارك وعيسى درنوني وامحمد درنوني والشيخ محمد علاوي. وأمام هذا الحال قرر الشيخ مواصلة العمل مع القدماء بتدريسهم ألفية ابن مالك والانطلاقة في عمل جديد مع الباقي، لكن القدماء قرروا الانتقال لأفق أرحب لمتابعة دراستهم ومغادرة المدرسة والشيخ. وفي شهر جوان 1946 قرر الشيخ الانتقال للتعليم بمدرسة الحجاج الواقعة بين إشمول وآريس، واستخلفه الشيخ عبد الحفيظ بلمكي الخنقي في المنصب وإمامة المسجد.

هذه أبرز نشاطات مدرسة الفلاح في الأربعينيات والخمسينيات

عرف مسار مدرسة الفلاح عدة نشاطات خلال الأربعينيات والخمسينيات، خاصة في المناسبات الدينية، من ذلك ما حدث يوم 23 جانفي 1948 الموافق لـ 11 ربيع الأول 136، حيث أقامت ليلة المولد النبوي الشريف حفلا بهيجا حضره جمع غفير، وحسب شهادة أحد تلامذة المدرسة ممثلا في محمود مرداسي فقد قام تلامذة المدرسة بتمثيل رواية هجرة الرسول من مكة إلى يثرب وبعدة محاورات طريفة، وألقى معلم المدرسة عبد الحفيظ ابن المكي الخنقي خطابا في حياة الرسول (ص) وختمه بالتنويه بجمعية العلماء وبجهود رئيسها في خدمة الإسلام والعربية في هذه البلاد. وفي يوم 25 ماي 1952م الموافق لـ01 رمضان 1371هـ.

استقبلت قرية إينوغيسن كسائر القطر الجزائري والإسلامي شهر رمضان المعظم لتصومه، وكان بالمناسبة الشيخ محمد الدرنوني إماما للوعظ خلال الشهر المعظم ممثلا لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين. أما يوم 03 ماي 1954م الموافق لـ 01 رمضان 1373هـ، فقد استقبلت قرية إينوغيسن كسائر القطر الجزائري والإسلامي شهر رمضان المعظم لتصومه، وكان بالمناسبة الشيخ عمار السلطاني كإمام الوعظ خلال الشهر المعظم ممثلا لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وفي 23أفريل 1955م الموافق لـ01 رمضان 1374هـ، فقد استقبلت قرية إينوغيسن كسائر القطر الجزائري والإسلامي شهر رمضان المعظم لتصومه، وكان بالمناسبة الشيخ أحمد ميموني كإمام الوعظ خلال الشهر المعظم ممثلا لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

شهداء وقيادات ومجاهدون وإطارات من ثمار مدرسة الفلاح الإصلاحية

وقد أثمرت جهود جمعية الفلاح الإصلاحية بإينوغيسن التي باركها الشيخ ابن باديس منذ البداية منتصف الثلاثينيات، تكوين عدد معبر من الطلبة الذين واصلوا تحصيلهم في مستوى عالي، منهم عيسى درنوني وامحمد درنوني ومحمد بلاح والهادي بن لمبارك الذين انتقلوا إلى زاوية بلحملاوي، بعدها كانت وجهتهم لمدرسة الشيخ العربي التبسي بمدينة تبسة، حيث أنه بعد وفاة الشيخ عبد الحميد بن باديس انتقلت الدراسة لمدينة تبسة، ومن بين الطلبة نجد امحمد درنوني وبن لمبارك الهادي ومحمد بلاح ومحمد علاوي، أما من الذين درسوا بمعهد عبد الحميد بن باديس (قسنطينة) بعد الافتتاح يمكن ذكر أبطال في الثورة ورجالات رزقوا بالشهادة خلال الثورة منهم إبراهيم درنوني وعمار درنوني وإبراهيم غقالي وحابة محمد بن إبراهيم وعمار عاشوري والصادق بوكريشة وعاجل عجول وإسماعيل مختاري والطاهر ساكري ومحمد ساكري.

آخر التغريدات: