خصائص التربية عند ابن باديس
بقلم: مصطفى محمد حميداتو-
إذا جاز لنا تلخيص خصائص التربية عند ابن باديس، فإنها باختصار تربية شاملة متكاملة. وإذا عرفنا أن التربية عند ابن باديس مستوحاة من مصادر الإسلام الأصيلة، أدركنا أنها شاملة لكل جوانب الحياة في الدنيا والآخرة.
إن التربية عند ابن باديس لا تقتصر على جانب واحد من جوانب شخصية المتعلم، فهي تربية للجسم والروح والعقل معًا.
يقول رحمه الله: (الإنسان مأمور بالمحافظة على عقله وخلقه وبدنه، ودفع المضارّ عنها، فيثقّف عقله بالعلم، ويقوِّم أخلاقه بالسلوك النبوي، ويقوّي بدنه بتنظيم الغذاء، وتوقّي الأذى، والتريّض على العمل.
والتربية عند ابن باديس لا تقتصر على مكان دون آخر، فهي في المدرسة والمسجد والنادي، وحتى في الشارع والسوق، وفي ما يلي نذكر بعض تلك الخصائص:
1 ـ تربية روحية:
يرى ابن باديس أن المخاطَب من الإنسان هو نفسه، وأن ما يظهره الجسد من تصرفات لا يعدو أن يكون انعكاسًا لما تضمره تلك النفس، التي لا صلاح للإنسان إلا بصلاحها: (قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها )(الشمس:9-10).. لذلك ركّز ابن باديس على تطهير الروح وتنزيهها عن مساوئ الأخلاق، وتحليتها بمكارمها، لتسمو بصاحبها نحو الكمال الإنساني، ذلك لأن الإنسان (مهيأ للكمال بما فيه من الجزء النوراني العلوي وهو روحه، ومعرّض للسقوط والنقصان بما فيه من اختلاط عناصر جزئه الأرضي الظلماني وهو جسده، ولا يخلص من كدرات جثمانه، ولا ينجو من أسباب نقصانه، إلا بعبادة ربه، التي بها صفاء عقله وزكاء نفسه، وطهارة بدنه في ظاهره وباطنه).
2 ـ تربية جسمية:
لم يفصل ابن باديس بين هذا الجانب وغيره من جوانب التربية، فقد أولى اهتمامًا بالغًا للتربية الجسدية، التي لا تقل أهمية عن التربية الروحية، ذلك أن كثيرًا من الأعمال تتوقّف على سلامة الأبدان وقوتهـــا، فضعيف الجســـم يقـل أداؤه العقـلي والاجتمــاعي، وبالتالي لا يكون عنصرًا فعّالاً في مجتمعه.
فالرياضة البدنية والوجبات الغذائية، لها دور كبير في الحفاظ على سلامة الأبدان وصحّتها، يقول ابن باديس عند تفسيره لقول الله تعالى: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحًا إني بما تعملون عليم )(المؤمنون:51):
(تتوقّف الأعمال على سلامة الأبدان، فكانت المحافظة على الأبدان من الواجبات، ولهذا قدّم الأمر بالأكل على الأمر بالعمل، فليس من الإسلام تحريم الطيبات التي أحلها الله، كما حرّم غلاة المتصوفة اللحم.. وليس من الإسلام تضعيف الأبدان وتعذيبها، كما يفعل متصوفة الهنادك ومــن قلّــدهم من المنتسبين إلى الإســـلام.. والميزان العـدل فــي ذلك، هو ما كان عليه النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه رضي الله عنهم.
وفي تقديم الأكل من الطيبات على العمل الصالح، تنبيه على أنه هو الذي يثمرها، لأن الغذاء الطيب يصلح عليه القلب والبدن، فتصلح الأعمال، كما أن الغذاء الخبيث يفسد به القلب والبدن، فتفسد الأعمال).
3 ـ تربية سلوكية عملية:
كمــا ذكــرنا عند حديثنا عن القـــدوة في التربيــة، فإن ابن باديس لم يكتف في مسيرته التربوية بالأقوال دون الأفعال، لأن من تمام كمال المسلم أن تتطابق أقواله مع أفعاله.
لذا حرص أن يكون من تلاميذه ومريديه رجـــالاً عمليين، يطبّقــون ما يتعلمونه، فيعبدون الله على علم وبصيرة، فكان يحثهم على أن يمثّلوا الأخلاق الإسلامية الفاضلة بين أقوامهم -إذا رجعوا إليهم- فيحبّبوا الناس في العلم، ويكونوا لهم قدوة فيه وفي العمل به، وكان رحمه الله يوصيهم (بنشر ما تعلّموه برفق ولطف، وأن يكونوا مظاهر محبة ورحمـــة على ما قد يلقونه من جفوة من بعض الناس).
4 ـ تربية عقلية:
كما ذكرنا سابقًا، فإن التربية عند ابن باديس اهتمت بجميع جوانب المتعلم، فكما اهتمت بالروح والجسد، فإنها أولت العقل عناية خاصة، بالحفاظ عليه وتثقيفه بكل ما هو نافع من العلوم الدينية والدنيوية، يقول ابن باديس: (حافظ على عقلك، فهو النور الإلهي الذي مُنِحْتَهُ، لتهتدي به إلى طريق السعادة في حياتك).
وقد تميزت المدرسة الباديسية بتنمية القدرات العقلية للطلبة، وحثهم على إعمال عقولهم فيما يدرسون، وأن يفكروا تفكيرًا صحيحًا مستقلاً عن تفكير غيرهم مع الاستفادة من تفكير غيرهم، يقول ابن باديس: (التفكير التفكير يا طلبة العلم، فإن القراءة بلا تفكير لا توصل إلى شيء من العلم، وإنما تربط صاحبها في صخرة الجمود والتقليد، وخير منهما الجاهل البسيط).
وكان رحمه الله، يحثّهم على تكريم العقول، بتنزيهها عن الأوهام والشكوك والخرافات والضلالات، وربطها على العلوم والمعارف وصحيح الاعتقادات.
الخلاصة:
أن التربية عند ابن باديس، لم تقتصر على جانب واحد من جوانب شخصية المتعلم. فقد اعتنت بصحة الأبدان وسلامتها، وصفاء الأروح وتزكيتها، وتنشيط العقول وصيانتها.
هذه باختصار بعض الخصائص التي تميّزت بها مدرسة ابن باديس التربوية.