المعلمون والمدرسة في الفكر التربوي للبشير الإبراهيمي (كما جاءت في عيون البصائر)

بقلم: بوجمعة سلام -

كان يكتب على باب كل مدرسة في الأندلس الزاهر حكمة بليغة وهي: أن الدنيا تقام علـى أربـع قـوائم :علـم الأفاضل، عدل الأكابر، جلال الشجعان ودعاء الصالحين.

طبقت هذه الحكمة فأصبحت الأندلس دار العلم والعلماء والتجارة والصناعة والفنون وبلغت مبلغ ما كانت تحلـم به أوروبا أو أمريكا في ذلك الوقت، وخرجت من التاريخ بتاريخ 1492م عندما تخلت عن هذه الحكمة.

لقد أدركت جمعية العلماء المسلمين هذا الدور للمدارس والمدرس، حيث يقول البشير الإبراهيمي: "حياة الأمم في هذا العصر بالمدارس، ما في هذا شك ، إلا في قلوب ران عليها الجهل، وغان عليها الفسـاد، ونفـوس خـتم عليهـا الضلال، وضرب على مشاعرها المسخ، وطال عليها الأمد في الرق، فصدئت منها البصائر، وعميت الأبصار، فتغيـر نظرها في الحياة ووسائلها، فرضيت بالدون، ولاذت بالسكون".

إن المدرسة كما تقول التربويات المعاصرة هي: "مؤسسة تنشئة اجتماعية أنشـأها المجتمـع لنقـل المعـارف والمهارات والسلوكات " .

يث تسعى هذه المدرس لتحقيق غايات ومرامي وأهداف الأمة، ومما لا شك فيـه أن المعـارف والمهـارات والسلوكات، متجددة ومتطورة ومتغيرة ومستمرة، بحاجة للنقل وبحاجة إلى الصقل والتطوير لمواكبة العصر وتلبيـة الحاجات النفسية والاجتماعية.

إن البناء المدرسي أو بناء المدارس هو بناء للمنفعة الدينية والدنيوية، " والأمم تتفاضل وتتعالى بالبنـاء للخيـر والمنفعة والجمال والقوة، وما عدا هذه الأربعة فهو فضول عابث، لا يدخل في قصد العقلاء، وقد بنى أسلافنا لكل أولئك مجتمعة ومتفرقة، بنوا المساجد مظهرا للخير، وشادوا المدارس مظهرا للمنفعة، وأعلوا الحصون مظهرا للقوة وسـمكوا القصور مظهرا للجمال، فضموا أطراف الفخر، وجمعوا حواشي المجد، وحازوا آفاق الكمال، وقـادوا الحيـاة بزمـام ، وأنشؤوا بذلك كله للحضارة الإنسانية نموذجا من المدينة الفاضلة التي تخيلها حكماء اليونان، ولم يحققها ساسة يونـان ، وإنما حققها من ساد بالعدل، وقاد بالعقل، وأولئك آبائي!! "

فنموذج المدارس في الدولة الأموية في الشام والأندلس ونموذج المدارس في الدولة العباسية في العراق لم يغب عن بال رواد جمعية العلماء. والمدرسة تقام وتدور رحاها بواسطة المعلمين المخلصين الجادين العالمين العاملين .

"أما دعائم هذا البناء التي تمسكه أن يزول، وتصونه أن يختل أو يحول، فهم أشبال الغاب، وحماة الثغور، عمار المدارس، وسقاة المغارس، مربو الجيل وأئمته، أبناؤنا المعلمون المستحقون لأجر الجهاد وشكر العباد، الصابرون على عنت الزمان، وجحود الإنسان، وكلب السلطان، المقدمون على كثرة الخوان، وقلة الأعوان، جيش الحق، وحاصـة (*) الشق، وألسنة الصدق" .

ن الغايات التي يريدها الإبراهيمي من المعلمين أن ينقلوها ويثبتوها في نفوس النشء أبناء الأمة وأفلاذ أكبادها ، هي: "أن يديروا نفوسهم على الدين وحقائقه، وألسنتهم على اللسان العربي ودقائقه، ويسكبوا في آذانهم نغمات العربية، وفي أذهانهم سر العربية، ويديروا أرواحهم بالفضيلة والخلق المتين" .

فالإبراهيمي يركز على : الدين الصحيح والقويم، واللسان العربي الفصيح، والأخلاق الفاضلة. هـذه الغايـات لا تتم إلا بعد أن تجتثوا (الكلام موجه للمعلمين) من نفوسهم بقايا آثار المنزل الجاهل، والأب الغافـل ، وتقـودوهم بزمـام التربية إلى مواقع العبر من تاريخهم، ومواطن القدوة الصالحة من سلفهم، ومنابت العز مـن مـآثر أجـدادهم الأولـين واجعلوها مقدمة على البرنامج الآلي في العمل والاعتبار وفي السبر والاختبار" .

إن الشيخ الإبراهيمي يدرك أهمية البيت الجاهل أو قل الأب والأم لذلك يطلب من المعلمين القيام بالإخلاء قبـل الإملاء كما يقول المتصوفون أو أن آثار الخبرة والتعلم تعمل عملها في الحاضر لذلك لا بـد مـن التصـحيح أولا ثـم الإرشاد إلى مواطن الخير والعبرة والقدوة الصالحة.

ويقدم الإبراهيمي السلوكيات على المعارف أو الجانب الخلقي على الجانب المعرفي، حيث يرى أن فقـر الأمـة ومصيبتها في أخلاقها أكبر من علمها، لذلك قدم التربية على التعليم،" واحرصوا كل الحرص على أن تكون التربية قبل التعليم، واجعلوا الحقيقة الآتية نصب أعينكم، واجعلوها حاديكم في تربية الجيل الصغير، وهاديكم في تكوينه، وهي : أن هذا الجيل الذي أنتم منه لم يؤت في خيبته في الحياة من نقص في العلم، وإنما خاب أكثر ما خاب من نقـص في الأخلاق، فمنها كانت الخيبة، ومنها كان الإخفاق ."

كما يقرن الإبراهيمي العلم بالعمل، ويرى تمام ذلك بالقدوة الصالحة من المعلمين .

" ثم احرصوا على أن يكون ما تلقونه لتلاميذكم من الأقوال، منطبقا على ما يرونه ويشهدونه منكم من الأعمال، فإن النشء الصغير مرهف الحس، طُلْعة إلى مثل هذه الدقائق التي تغفلون عنها، ولا ينالها اهتمامكم. وإنه قوي الإدراك للمعايب والكمالات، فإذا زينتم له الصدق فكونوا صادقين، وإذا أحسنتم له الصبر، فكونوا من الصابرين، واعلموا أن كل نقش تنقشونه في نفوس تلامذتكم من غير أن يكون منقوشا في نفوسكم فهو زائل، وأن كل صبغ تنفضونه على أرواحكم من قبل أن يكون متغلغلا في أرواحكم فهو لا محالة ناصل حائل، وإن كل سحر تنفثونه لاستنزالهم غير الصـدق فهـو باطل، ألا إن رأس مال التلميذ هو ما يأخذه عنكم من الأخلاق الصالحة بالقدوة، وأما ما يأخذه عنكم بالتلقين مـن العلـم والمعرفة فهو ربح وفائدة .

(*) جمع حائص، وحاص الثوب خاطه وجمع أطرافه بالخيط

وبروح الأب الشفوق يوصي الإبراهيمي المعلمين الوصايا التالية:

1 -أوصيكم بتقوى االله في العدة في الشدائد والعون في الملمات، وهي مهبط الوحي والطمأنينة، وهي متنـزل الصـبر والسكينة، وهي مبعث القوة واليقين، وهي معراج السمو إلى السماء، وهي التي تثبت الأقدام في المزالق، وتربط علـى القلوب في الفتن .

2 -وأوصيكم بالرفق والأناة في أموركم كلها، وبخفض الجناح للناس كلهم، وباتقاء مواطن الشبه، واجتنـاب مصـارع الفضيلة، وما أكثرها في وطنكم هذا، وبإجرار الألسنة عن مراتع الغيبة والنميمة، وفطمها عن مراضع اللغـو واللجـاج فهي - لعمري- مفتاح باب الشر، وثقاب نار للعداوة والبغضاء.

3 -وأوصيكم بالابتعاد عن هذه الحزبيات التي نجم بالشر ناجمها، وهجم – ليفتك بالخير والعلم- هاجمها، وسجم علـى الوطن بالملح الأجاج ساجمها، إن هذه الأحزاب كالميزاب، جمع الماء كدرا، وفرقه هدرا، فلا الزلال جمـع ولا الأرض نفع.

4-وأوصيكم بحسن العشرة مع بعضكم إذا اجتمعتم، وبحفظ العهد والغيب لبعضكم إذا افترقتم، إن العامة التي ائتمنـتكم على تربية أبنائها تنظر إلى أعمالكم بالمرآة المكبرة، فالصغيرة من أعمالكم تعدها كبيرة، والخافتة من أقـوالكم تسـمعها جهيرة ،فاحذروا ثم احذروا...

ن هذه الخطوط التي يرسمها الإبراهيمي للمعلمين هي التي تحفظ رسالة المعلم وتجعلـه فـي مقـام القديسـين والرسل أو في عالم المثل، فالإخلاص في العمل من التقوى، والرفق والأناة من خوف االله وطاعـة أوامـره وتجنـب نواهيه، والابتعاد عن الأحزاب هو حفظ الأمة وللمدرسة من التشرذم. وحسن العشرة ومراقبة الأعمال تـورث الـذكر الحسن وهي عمر ثان.

وفي الوصية الرابعة يدرك الإبراهيمي أن المعلم قدوة للصغير كما هو قدوة للكبير سـواء فـي مجـال العلـم والأخلاق وهما غير منفصلان، وما التربية إلا ما ينقله الكبار إلى الصغار أو الآباء إلى الأبناء أو الأجداد إلى الأحفـاد من معارف ومهارات وقيم وأخلاق، لذا يضيف الإبراهيمي :

"أخشى أن تغيب عن بصائركم حقيقة ثابتة، وهي أنكم معلمون للصغار،وأئمة للكبار، أولئك يأخذون من أخلاقكم وعلمكم، وهؤلاء يأخذون من أخلاقكم، فإذا راعيتم الجانب الأول، واعتقدتم انكم معلمون للصغار، وحسـب المعلـم أن يؤدي وظيفته أداء آليا، وأغفلتم الجانب الثاني فلم تبالوا بما يأخذونه منكم من استقامة، واعوجاجا كان ضركم أكثر مـن نفعكم، وإن الذي يلوح لي من تتبع أعمالكم وتقصي أحوالكم، أن كثيرا منكم عن هذه الحقيقة غافلون"

فأين هذا من معلم اليوم الذي يعتقد أن دوره هو التعليم فقط وفي المدرسة وللصغار ودون ذلك لا يهم.

ن الشيخ الإبراهيمي يرى في المعلمين "حراس هذا الجيل الجديد، والمؤتمنون عليه، والقوامون على بنائه"، لذلك نراه يخاطبهم "فأنتم بناة عقوله ونفوسه، فابنوا عقوله على أساس من الحقيقة، وابنوا نفوسه على صخرة مـن الفضـائل الإنسانية ،وأشربوه عرفان قيمتها ،فإن من لم يعرف قيمة الثمن أضاعه ،وقد غبنت هذه القيم في عصركم فكان ما ترون من فوضى واختلاط" .

ن الشيخ الإبراهيمي يرى أن المعلمين هم ممثلو جمعية العلماء في ناحية من أهم أعمالها، وهي التربية والتعليم لذلك يطلب من المعلمين أن يربوا التلاميذ على:

1 -ما ينفعهم وينفع الوطن بهم، فهم أمانة عندكم، وودائع الأمة بين أيديكم

. 2 -التحاب في الخير، والتآخي في الحق، والتعاون على الإحسان، والصبر على الضـيم ، والإقـدام إلا علـى الشـر ، والإيثار إلا بالشرف، والتسامح إلا في الكرامة .

3 -استخدام المواهب الفطرية من عقل وفكر وذهن، وعلى صدق التصور وصحة الإدراك ودقة الملاحظة والوقـوف عند حدود الواقع.

4 –بناء الأمور على أسبابها، والنتائج على مقدماتها علما وعملا.

5 -أن يعيشوا بالروح في ذالك الجو المشرق بالإسلام وآدابه وتاريخه ورجاله، وعلى أن يعيشوا بالبدن والروح معـا ، وعلى أن يلبسوا لبوس عصرهم الذي بيني الحياة على قاعدتين: "إن لم تكن آكلا كنت مأكولا" أو "كن قويا تحترم" .

كما انتبه البشير الإبراهيمي إلى دور الأسرة في العمل التربوي –وخاصة الأم- ودعا إلى تفعيل عملها للمساهمة في جهاد جمعية العلماء حيث يقول: "إن البيت عند الأمم الحية أخت المدرسة كلتاهما مكملة للأخرى فالتلميـذ بينهمـا يتقلب بين عاملين من عوامل التثقيف والتهذيب، أما البيت عند أمتكم فهي ضرة المدرسة، ما تبنيه هذه تهدمه تلك ومـا تزرعه هذه تقلعه تلك، لأن قعائد البيوت جاهلات وقعائد البيوت هم قواعدها، وويل لبيوتنا من هذه القواعـد مـا دمـن جاهلات ووارحمتاه لكم من هذه الحالة وهذا الموقف، ولا أب يؤيد ويناصر، ولا أم تعين وتؤازر، ويا بـؤس للإسـلام والعربية بهذه الديار، ويا عجبا لا ينقضي من بعض الأمهات عندنا، فقد أصابهن –مع جهلهن-مـن الاسـتعمار مـس، فنرى الواحدة منهن تعنى بولدها في ميقات المكتب الفرنسي فتحافظ على الوقت بالدقيقة، وترجل شعره وتغسل أطرافـه وتنظف ثيابه، أما في ميقات المدرسة العربية فترسله أشعث مغبرا مختل الهندسة، متأخرا عن الوقت لأنها سخرته فـي أغراضها، أو متقدما عنه لتستريح من شيطنته". (توفيق جمعات،2010 ،ص 267 (

فعندما يعمل الآباء على نحو وثيق مع المدرسة فإن التلميذ هو الفائز، بل ويكسب جميع الأطراف، وفقا لدرجـة التعاون والمشاركة (أحمد الخطيب، رداح الخطيب2006 ،ص34 (

وعلى هذا الأساس استجابت المدارس الحرة التي شكلتها جمعية العلماء المسلمين لمتطلبات التغير الاجتماعي وتحدياته وكيفية مواجهته، بصورة إيجابية، وعملت في الوقت ذاته على أن تكون رائدة لهـذا التغييـر ومبشـرة بـه، وموجهة إليه عن طريق تربية هذا الجيل الذي تشكله وتعده. (الشماس وعلي محمد2007 ،ص 67).


أ. بوجمعة سلام - جامعة قاصدي مرباح ورقلة ( الجزائر)

المراجع:

1 -أحمد الخطيب ورداح الخطيب (2006 :(المدرسة المجتمعية وتعليم المستقبل، عالم الكتب الحديث الأردن.

2 -توفيق جمعات (2010 :(قبسات من شخصية الإمام الإمام محمد البشير الإبراهيمي، منشورات الحياة الصـحافة –الجلفـة – الجزائر.

3 -محمد البشير الإبراهيمي (2007 :(عيون البصائر، دار البصائر، دار الأمة للطباعة والنشر والتوزيع- الجزائر.

4 -عيسى الشماس ومحمود علي محمد (2007 :(التربية العامة وفلسفة التربية، منشورات جامعة دمشق – سوريا .

آخر التغريدات:

    Message: Invalid or expired token., Please check your Twitter Authentication Data or internet connection.