الشاعر محمد العيد

بقلم: بسام العسلي-

قدمه المرحوم البشير الإبراهيمي، سنة 1938 إلى حضور الاحتفال بختم - ابن باديس - رحمه الله لتفسير القرآن الكريم بالكلمة التالية: (ومن يعرف محمد العيد، ويعرف إيمانه وتقواه وتدينه وتخلقه بالفضائل الإسلامية، يعرف أن روح الصدق المتفشية في شعره، إنما هي من آثار صدق الإيمان، وصحة التخلق. ويعلم أن من هذه الناحية بدع في الشعراء). وكان الشيخ الإبراهيمي قد ذكر قبل ذلك في سنة 1937 ما يلي: (إذا كان في النهضة الأدبية العلمية بالجزائر نواحي نقص فمنها أن يبقى شعر محمد العيد غير مجموع ولا مطبوع) (1).

أما محمد العيد، فقد قال - في سنة 1965 - معبرا عن أمنياته: (لي أمنيتان في هذه الدنيا، ومرحبا بعدهما بغفوة القبر. أن أحج إلى بيت الله الحرام. وأرى ديواني مطبوعا بين أيدي القراء). وفيه كتب الأمير شكيب أرسلان - من جنيف سنة 1937 ما يلي: (كلما قرأت شعرا لمحمد العيد الجزائري، تأخذني هزة طرب، تملك علي جميع مشاعري وأقول: إن كان في هذا العصر شاعر يصح أن يمثل البهاء زهيرا في سلاسة نظمه، وخفة روحه، ورقة شعوره، وجودة سبكه، واستحكام قوافيه، التي يعرفها القارىء قبل أن يصل إليها، وأن التكلف لا يأتيه من بين يديه ولا من خلفه - يكون محمد العيد، الذي أقرأ له القصيدة المرتين والثلاث ولا أمل. وتمضي الأيام وعذوبتها في فمي. كان يظن أن القطر الجزائري تأخر من إخوته سائر الأقطار العربية في ميدان الأدب، ولا سيما في الشعر، ولعله الآن سيعوض الفرق، بل يسبق غيره بمحمد العيد).

ذلك هو تعريف وجيز بالشاعر المجاهد الذي عانى من الحياة قسوتها وشظف عيشها، وعمل مدرسا في معهد (ابن باديس)

وهدفه تنشئة جيل مؤمن صلب - كما قال هو ذاته عندما أنحى عليه أصدقاؤه وإخوانه باللائمة لاختياره لهذا العمل الشاق، عمل التدريس (2)  ومضى يضرب في الحياة مستنفرا الهمم، مثيرا للمشاعر، مؤيدا للإصلاح الذي قاده ابن باديس واضطلعت به جمعية العلماء. مغتنما كل مناسبة للإشادة بالمسؤولين عن هذه الحركة المباركة. وهو الإنسان الجزائري المسلم، الذي سحقته قبضة الاستعمار بكل وحشيتها، لا يتناسى آلام قومه أو يتجاهلها، فينطق شعرا مثيرا يعرض فيه بأولئك المتخمين الذين أنستهم الدنيا مشاركة الفقراء في بؤسهم وشقائهم، وهو لا يفتأ في الإفادة من كل مناسبة للتعريض بالاستعمار الإفرنسي سبب كل البلاء وأس كل الشقاء الذي عاشه الشعب الجزائري المسلم على امتداد ليل الاستعمار. وهو على الرغم من الظلام الدامس الذي ميز ذلك الليل، وعلى الرغم أيضا من الظروف الصعبة التي عاشها، لم ينقطع أبدا عن فتح نافذة الأمل أمام شعبه، مبشرا أبدا بحتمية الثورة وحتمية انتصار الجزائر المجاهدة وشعبها البطل. وكان مصدر تفاؤله هو إيمانه العميق بأصالة أمته التي عبرت عنها (جمعية العلماء الجزائريين المسلمين) التي اتخذت شعارها (الإسلام - العروبة - الجزائر).



(1) صفحات من الجزائر (الدكتور صالح خرفي) ص 187 - 195. وفيه: (ما أمرها لحظة، وما أبلغها عظة أن يسأل المرحوم البشير الإبراهيمي في أيامه الأخيرة محمد العيد عن حاله، فيرد عليه بهذين البيتين: يا سائلا عنا، وعن أحوالنا ... هذا لسان الحال عنا يخبر
أصحابنا رحلوا، وصرنا بعدهم ... غرباء، تنكرنا العيون، وننكر

(2) انظر (قراءات - 4) في نهاية الكتاب.

آخر التغريدات: