الإصلاح العقدي في دعوة ابن باديس وأثره على المجتمع الجزائري
بقلم: د. محمد حاج عيسى-
العقيدة مفهوم يجتمع فيه العلم والعمل، ويرتبط فيه الجانب النظري بالجانب السلوكي، لأنها في حقيقتها تصورات تجتمع في قلب المؤمن توجه فكره ومنهجه في التعامل مع النصوص الدينية، وتثمر بعد ذلك أقوالا وأعمالا، بل يرتسم على ضوئها منهج في الحياة، ومنه فإنه لا يُشك أن لاختلاف الاتجاهات العقدية أثرا في سلوك الأفراد وحياة المجتمعات.
وقد عرفت الجزائر منذ الفتح الإسلامي عدة اتجاهات عقدية منها ما كان متزامنا ومنها ما كان متعاقبا، فكان فيها الاتجاه السلفي الذين قدم به الفاتحون الأولون من التابعين وتابعيهم، وكان فيها الاتجاهات الخارجية من إباضية وصفرية، وكان فيها الاتجاهات الباطنية كالشيعة الفاطمية، وكان فيها الاتجاهات الكلامية كالقدرية الاعتزالية والأشعرية ثم الماتريدية في عهد العثمانيين، إلا أن الاتجاهات العامة التي كتب لها الدوام الأطول، والسيطرة على المرجعية العقدية في غالب القطر الجزائري فالعقيدة السلفية –وهي عقيدة المالكية الأوائل-التي دامت إلى غاية سقوط دولة المرابطين، ثم حلت محلها العقيدة الأشعرية ابتداء من عصر الموحدين إلى غاية القرن الرابع عشر، حيث ظهرت الدعوة الإصلاحية على يد العلماء المجددين؛ وعلى رأسهم العلامة ابن باديس رحمه الله، الذي دعا إلى إعادة النظر في المقررات العلمية التي كانت تدرس في المعاهد الدينية عموما ومقررات العقيدة على وجه الخصوص، ولم يكتف بالدعوة إلى ذلك بل مارس عملية التجديد علميا وعمليا، تأليفا وتدريسا، وبمعاضدة إخوانه وتلاميذه انتشرت المدرسة الإصلاحية ذات المرجعية السلفية المخالفة في كثير من النواحي عن المدرسة الأشعرية.
وفي تحليل هذه الفكرة والتدليل عليها تأتي هذه المقالة التي تحمل عنوان :" الإصلاح العقدي في دعوة ابن باديس وأثره على المجتمع الجزائري" والتي سأشرحها في ثلاثة مطالب: الأول في بيان الاتجاهات العقدية في الجزائر من الفتح الإسلامي إلى بداية القرن الرابع عشر، والثاني: في توضيح جانب الإصلاح العقدي في دعوة العلامة ابن باديس، والثالث: في بيان أثر هذا الإصلاح على المجتمع الجزائري.
المطلب الأول : الاتجاهات العقدية في الجزائر من الفتح إلى بداية القرن الرابع عشر
الفرع الأول : الاتجاهات العقدية الأولى
لقد عرف الفتح الإسلامي للمغرب في عهد عقبة بن نافع مدا وجزرا بسبب ارتداد كثير من القبائل عن الإسلام، فلما جاء دور الفاتح الثاني حسان بن النعمان غيَّر سياسته في الفتح، وأصبح يركز على ترسيخ العقيدة الإسلامية في الأماكن المفتوحة قبل الانطلاق إلى أماكن أخرى، وعلى نهجه سار موسى بن نصير الذي استعمل في جيشه سبعة وعشرين عالما انتدبهم لتعليم الناس دين الإسلام(1). وفي خلافة عمر بن عبد العزيز تدعمت القيروان بعشرة فقهاء من التابعين أرسلهم الخليفة ليستقروا بالقيروان وما جاورها من مدائن، من أجل تفقيه الناس وتعليمهم عقائد الإسلام(2). ولقد كان هؤلاء الفاتحين الأوائل من التابعين جميعا على عقيدة الصحابة رضي الله عنهم، ولم يكن فيهم من انتمى إلى الطوائف التي ظهرت في ذلك الوقت، وتوالى بعد ذلك التواصل العلمي بين المغرب والمشرق، ونشأ في المغرب جيل من علماء أتباع التابعين من أبناء البلاد المفتوحة والفاتحين كلهم على عقيدة الصحابة والتابعين في الفهم والعمل.
ورغم أن الأجواء العلمية السائدة في المغرب آنذاك كانت على ذلك الحال؛ فإن ذلك لم يمنع أن يكون للطوائف التي ظهرت في المشرق صدى في المغرب الإسلامي، فقد ظهرت المعتزلة في المشرق؛ وقويت شوكتهم في نهاية القرن الثاني، وكذلك في المغرب انتشرت آراء الاعتزال في المغرب الأدنى في عصر الأغالبة الذين كان قضاتهم حنفية في الفقه ومعتزلة في الاعتقاد، ومن أشهر قضاتهم سليمان بن أبي عصفور الفراء الحنفي الذي سعى لفرض مذهبه بالسلطان، وفي المغرب الأوسط كان لهم وجود قرب تاهرت في مكان عرف بمجمع الواصلية، وفي الأندلس تبنى بعض العلماء آراء المعتزلة تأثرا بمؤلفات الجاحظ لما وصلت إليهم. ومن الطوائف الخارجة عن السنة التي كان لها انتشار محدود في المكان والزمان فرق الخوارج، حيث ظهرت الصفرية أتباع عبد الله بن صفار، وقد كانت لهم دولة "بني مدرار" التي استمرت إلى منتصف القرن الرابع في المغرب الأقصى(140-366هـ)، ومنهم الإباضية أتباع عبد الله بن أباض، الذين أسسوا الدولة الرستمية في تاهرت(161-296هـ)، وبقيت منهم بقايا في المغرب الأدنى والأوسط إلى يومنا هذا(3).
ومن تلك الطوائف الشيعة التي اشتهر بالدعوة إلى مذهبهم أبو عبد الله الحسين بن أحمد الشيعي (ت:297)، وكان قد سبقه بالدعاية رجلان استقرا في المغرب الأوسط –الشرق الجزائري-، وقد قال له شيخه الذي وجهه إلى المغرب:« إن أرض كتامة من المغرب قد حرثها الحلواني وأبو سفيان، وليس لها غيرك فبادر فإنها ممهدة»(4).
الفرع الثاني : غلبة العقيدة السلفية عقيدة الإمام مالك رحمه الله تعالى
ولقد كان من عوامل الحفاظ على العقيدة الإسلامية الصحيحة عقيدة الصحابة والتابعين؛ اعتناق المغاربة للمذهب المالكي وتبنيهم له، ويقرر القاضي عياض أن مذهب القيروانيين الأوائل كان المذهب الحنفي، وكان أول من أدخل مذهب مالك إليها هو علي بن زياد (ت:184)، وأن المذهب استقر وساد وانتشر ابتداء من أيام تولي الإمام سحنون (ت:204) القضاء، حيث فض حلق المخالفين(5) .
قد كان لانتشار المذهب المالكي السني دور بارز في مقاومة الأفكار الاعتزالية والخارجية والشيعية، لأن الفقهاء المالكية الأوائل لم يكتفوا بنشر آراء مالك في الفروع، بل نشروا أيضا عقيدته، التي لم تكن إلا عقيدة السلف الصالح، وكان الإمام مالك من أهل الاتباع، يرى أن العقيدة تتلقى من كتاب الله تعالى وسنة المصطفى e، ويكره الكلام في الاعتقاد كما يكره الرأي في الفقه، واشتهر عنه تضليله للمتكلمين، وكذلك نهيه عن مجالستهم ومناظرتهم، بل شدد كثيرا عليهم حتى نهى عن صلتهم وعيادة مرضاهم وحكم باستتابتهم(6).
ولقد انتشرت هذه المواقف جنبا إلى جنب مع الفقه المالكي، بل قد دونت في مدونات الفقه المالكي، وإذا تحدثنا عن انتشار المذهب فمن الفقهاء الذين كان لهم دور بارز في نشره ابن أبي زيد القيرواني(ت:386) صاحب الرسالة التي كتب الله تعالى لها القبول؛ فجعلت أهم مقررات الدراسة زمنا طويلا حتى فاقت شروحها الخمسين شرحا، ونظمها نحو عشرة من الفقهاء تسهيلا لحفظها(7). وقد حوى الكتاب خلاصة عقيدة السلف، إضافة إلى موقف مالك من أهل الكلام؛ حيث ختم باب الاعتقاد فيها بقوله:« وترك المراء والجدال في الدين، وترك كل ما أحدثه المحدثون»، وفصَّل تلك العقائد بتفصيل أوسع في كتابه الجامع، وقال في ثناياه:« وكل ما قدَّمنا ذِكره فهو قول أهل السنة وأئمة الناس في الفقه والحديث على ما بيناه، وكله قول مالك، فمنه منصوص من قوله ومنه معلوم من مذهبه»(8).
الفرع الثالث: غلبة العقيدة الأشعرية ابتداء من عصر الموحدين
لقد كان تبني المغاربة لعقيدة الإمام مالك ومنهجه في التعامل مع أهل الأفكار المنحرفة؛ سببا في الحفاظ على التوجه السليم والمنهج القويم في الاعتقاد، فتمكنوا من صد الأفكار الاعتزالية والخارجية والشيعية، وغيرها من البدع الغليظة والقديمة، ثم إن المالكية قد عمموا مواقف الإمام مالك المتشددة إلى غير الطوائف التي كانت في زمانه؛ والتي نص على معاملتها بتلك المعاملة وعلى الإعراض عن مناقشة أصحابها، وهو حكم سياسي خاضع للمصلحة التي تختلف بالزمان والمكان، فلما ظهرت الأشعرية في المشرق وانتحل مذهبهم بعض المغاربة؛ حكم كثير من المالكية عليهم بذات الأحكام(9)؛ رغم قرب عقيدة الأشاعرة الأوائل من عقيدة الإمام مالك وعقيدة السلف(10). بل قد غلا كثير من المالكية في ذلك فتجاوزا التضليل إلى التكفير، وخاصة في عصر المرابطين، وفي وصف ذلك عبد الواحد المراكشي (ت:647):«ودان أهل ذلك الزمان بتكفير كل من ظهر منه الخوض في شيء من علوم الكلام، وقرر الفقهاء عند أمير المسلمين تقبيح علم الكلام وكراهة السلف له، وهجرهم من ظهر عليه شيء منه، وأنه بدعة في الدين، ...فكان يُكتب عنه في كل وقت إلى البلاد بالتشديد في نبذ الخوض في شيء منه، وتَوعُّد من وجد عنده شيء من كتبه. ولما دخلت كتب أبي حامد الغزالي(ت:505) -رحمه الله- المغرب، أمر أمير المسلمين بإحراقها»(11).
ولقد كان ذلك الموقف المتشدد سببا لحفظ العقيدة السلفية؛ لكن إلى حين، لأنه لم يكن مؤسسا على قواعد متينة، بل على مجرد التقليد لعقائد السلف، والاستناد إلى قوة السلطان في قمع المخالفين، وإن الاكتفاء بالتقليد دون نظر في آراء المخالفين ومناقشتها؛ رغم انتشارها وقوة شبهاتها، لا يمكن أن يصمد طويلا، وهو الذي حدث مع ظهور ابن تومرت (ت:524) ودولته، قال المراكشي وهو يتحدث عنه:« وكان جل ما يدعو إليه علم الاعتقاد على طريقة الأشعرية، وكان أهل المغرب ينافرون هذه العلوم ويعادون من ظهرت عليه شديدا أمرهم في ذلك، فجمع والي المدينة (وهي فاس) الفقهاء وأحضره معهم، فجرت له مناظرة كان له الشفوف فيها والظهور، لأنه وجد جوا خاليا، وألفى قوما صياما عن جميع العلوم النظرية خلا علم الفروع»(12)، وهذه شهادة مهمة تُبيِّن سبب عجز المالكية عن الصمود أمام الدعاية الموحدية.
ولما انتصرت دولة الموحدين نفذت مشروعها العلمي، فنجحت في الجانب العقدي دون الفقهي، ولعل من أسباب إخفاقها في محاربة المذهب المالكي هو تمكن المالكية من مذهبهم، وضعف البديل الذي عرضه الموحدون، وهو المذهب الظاهري الذي لم يكن له مدرسة تخدمه في ذلك الوقت بخلاف العقيدة الأشعرية.
وفي وصف تحول عقيدة أهل المغرب يقول الشيخ مبارك الميلي (ت:1364):«وانقسم أهل السنة إلى سلفيين يؤمنون بآيات وأحاديث الصفات كما جاءت ولا يعتمدون على الكلام، وإلى أشاعرة يعتمدون على الكلام ويؤولون بعض آيات وأحاديث الصفات. وكان أهل المغرب سلفيين حتى رحل ابن تومرت إلى المشرق، وعزم على إحداث انقلاب بالمغرب سياسي علمي ديني، فأخذ بطريقة الأشعري ونصرها وسَمَّي المرابطين السلفيين "مجسمين"، وتم انقلابه على يد عبد المؤمن(ت:558)، فتم انتصار الأشاعرة بالمغرب، واحتجبت السلفية بسقوط دولة صنهاجة، فلم ينصرها بعدهم إلا أفراد قليلون من أهل العلم في أزمنة مختلفة ولشيخ قسنطينة في القرن الثاني عشر عبد القادر الراشدي(ت:1194) أبيات في الانتصار للسلفيين طالعها :
خبـرا عني المـؤول أني * كافر بالذي قضته العقول»(13).
وقد تطور المذهب الأشعري في المغرب تبعا لتطوره في المشرق، فكان أغلب الأفراد الأوائل من أشعرية المغرب على طريقة المؤسس الأشعري(ت:324) وتلاميذ مدرسته الأوائل كأبي عبد الله ابن مجاهد والباقلاني، وكانت عقيدتهم قريبة في كثير من النواحي من عقيدة السلف، وأما العقيدة الأشعرية التي أدخل الموحدون فهي على طريقة الجويني والغزالي، وهي تختلف عن طريقة سابقيهم، وفيها في باب الصفات اقتراب من مذهب المعتزلة.
ولذلك نجد ابن العربي المالكي(ت:543) -تلميذ الغزالي- ينتقد عقيدة ابن أبي زيد في صفة الاستواء على العرش، مع أنها عقيدة مالك والأشعري، ويقول :« ثم جاءت طائفة ركبت عليه فقالت:"إنه فوق العرش بذاته" وعليها شيخ المغرب أبو محمد بن أبي زيد القيرواني، فقالها للمعلمين فسدكت بقلوب الأطفال والكبار»(14).
ثم تطورت العقيدة الأشعرية في المشرق على يد الرازي(ت:606) ودنت من الفلسفة، وقد وجد لكتب الرازي صدى كبير في المغرب، حتى جاء محمد بن يوسف السنوسي (ت:895هـ) التي تميز بذكاء حاد، وتمكن من العلوم الشرعية واللسانية والعقلية، فاجتهد في رد العقيدة الأشعرية إلى مذهب المتقدمين، لكنه وقف عند مدرسة الجويني ومن جاء بعده، واكتفى بنقد الرازي ومنهجه، ولم يرتض أقوال الأشعري فيما خالفه فيه الجويني(15).
وقد عرفت مؤلفات السنوسي في العقيدة –وخاصة أم البراهين-رواجا كبيرا في حياته وبعد موته وإلى عصور متأخرة شرقا وغربا، وبقيت مهيمنة على الدرس العقدي في المغرب زمنا طويلا(16).
المطلب الثاني : الإصلاح العقدي في دعوة العلامة ابن باديس
إن الدعوة الإصلاحية التي قادها العلامة ابن باديس في الجزائر قد اتسمت بالشمولية؛ حيث مست جميع جوانب الحياة، كما تعلقت بجميع علوم الدين، وقد نال الإصلاح العقدي الحظ الأوفر من جهود ابن باديس رحمه الله وأعماله، وسنجلي في هذه العجالة أهم مظاهر هذا الإصلاح في جوانبه المنهجية، ثم نسرد أهم نتائجه المتعلقة بالأبواب الاعتقادية الكبرى.
الفرع الأول : موقف ابن باديس من علم الكلام والعقيدة الأشعرية
وأول شيء نبدأ به وهو بيان موقفه من علم الكلام عموما والعقيدة الأشعرية خصوصا، وأظن أن هذا الموقف لن يكون مستغربا بعد أن نقلنا موقف علماء المالكية الأوائل، وتأريخ مبارك الميلي لتطور العقيدة في المغرب، حيث اعتبر ابن باديس اتِّباع المنهج الكلامي في العقائد الذي جُعل بديلا عن علم التوحيد المستمد من الكتاب والسنة من مظاهر هجر كتاب الله تعالى ، وعدَّه من أسباب صد الناس عن حقائق الدين وعقائد الإيمان التي تورث اليقين والاطمئنان، فقال رحمه الله:« نحن معشر المسلمين قد كان منا للقرآن الكريم هجر كثير في الزمن الطويل، وإن كنا به مؤمنين. بسط القرآن عقائد الإيمان كلها بأدلتها العقلية القريبة، فهجرناها وقلنا تلك أدلة سمعية لا تحصل اليقين، فأخذنا في الطرائق الكلامية المعقدة وإشكالاتها المتعددة واصطلاحاتها المحدثة، مما يصعب أمرها على الطلبة فضلا عن العامة»(17). وقرر أن جهل الناس بالعقيدة سببه علم الكلام فقال :« أما الإعراض عن أدلة القرآن، والذهاب مع أدلة المتكلمين الصعبة ذات العبارة الاصطلاحية، فإنه من الهجر لكتاب الله وتصعيب طريقة العلم على عباده وهم في أشد الحاجة إليه، وقد كان من نتيجته ما نراه اليوم في عامة المسلمين من الجهل بعقائد الإسلام وحقائقه»(18).
إن علماء الكلام زعموا أن اليقين لا يحصل إلا بالأدلة العقلية التي ليست في القرآن، فاستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، ولا يقين إلا في كلام رب الأنام الذي فيه الشفاء من الوساوس وأنواع السقام، قال ابن باديس رحمه الله: «قلوبنا معرّضة لخطرات الوسواس بل للأوهام والشكوك، فالذي يثبتها ويدفع عنها الاضطراب ويربطها باليقين هو القرآن العظيم، ولقد ذهب قوم مع تشكيكات الفلاسفة وفروضهم ومماحكات المتكلمين ومناقضاتهم، فما ازدادوا إلا شكا وما ازدادت قلوبهم إلا مرضا، حتى رجع كثير منهم في أواخر أيامهم إلى عقائد القرآن وأدلة القرآن فشفوا بعد ما كادوا كإمام الحرمين والفخر الرازي»(19). ويلاحظ أن هؤلاء التائبين إلى القرآن الراجعين إليه الذين مثل بهم؛ هم من أعلام الأشاعرة، الأول يمثل رأس المرحلة الثانية في تطور المذهب وهو الجويني، والثاني يمثل رأس المرحلة الثالثة وهو الفخر الرازي.
وقد صرح ابن باديس رحمه الله بخطأ بعض أسس العقائد الأشعرية منها التأويل للصفات وعقيدة الجبر، فقال رحمه الله وهو يتحدث عن الشيخ محمد رشيد رضا :« دعاه شغفه بكتاب الإحياء إلى اقتناء شرحه الجليل للإمام المرتضي الحسيني، فلما طالعه ورأى طريقته الأثرية في تخريج أحاديث الإحياء فتح له باب الاشتغال بعلوم الحديث وكتب السنة، وتخلص مما في كتاب الإحياء من الخطأ الضار وهو قليل، ولاسيما عقيدة الجبر والتأويلات الأشعرية والصوفية، والغلو في الزهد وبعض العبادات المبتدعة»(20).
الفرع الثاني : تصحيح المرجعية العقدية عند ابن باديس
بعد أن بينا رفض ابن باديس للمنهج الكلامي في إثبات العقائد نبين المنهج الذي دعا إلى اعتماده، وهو المنهج الذي كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وهو بناء العقائد على الكتاب والسنة، والتحاكم في مسائل الخلاف إلى ما كان عليه سلف الأمة وخيارها، وقد ألَّف لنا ابن باديس كتابا في التوحيد سماه العقائد الإسلامية من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، جسد فيه نظرته الإصلاحية في علم العقائد، وفيما يأتي مزيد توضيح لذلك.
أولا : القرآن والسنة هما المرجع في العقيدة
إن باديس الذي ألف كتابا في العقائد مبنيا على القرآن والسنة، قد بين لنا أن ذلك المنهج الذي اختاره –وكان فريدا من نوعه في زمانه- كان ناتجا عن دراسة عميقة وأنه جار في طريق الإصلاح الذي رسمه، وأن خروجه عن الطريقة المألوفة عند المتأخرين لم يكن وليد صدفة، وإنما كان عن علم ودراية وقصد، فقال رحمه الله:« أدلة العقائد مبسوطة كلها في القرآن العظيم بغاية البيان ونهاية التيسير …فحق على أهل العلم أن يقوموا بتعليم العامة لعقائدها الدينية ، وأدلة تلك العقائد من القرآن العظيم، إذ يجب على كل مكلف أن يكون في كل عقيدة من عقائده الدينية على علم ، ولن يجد العامي الأدلة لعقائده سهلة قريبة إلا في كتاب الله ، فهو الذي يجب على أهل العلم أن يرجعوا في تعليم العقائد للمسلمين إليه »(21). وقال وهو يتحدث عن العقائد :« ويجب أن تؤخذ هي وأدلتها من آيات القرآن فإنها وافية بذلك كله، وأما إهمال آيات القرآن المشتملة على العقائد وأدلتها والذهاب مع تلك الأدلة الجافة فإنه استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير»(22).
وكما بيَّن في هذه النصوص أن القرآن هو المرجع الأول للعقائد الإسلامية، فقد بيَّن في نصوص أخرى ضرورة الاعتماد على السنة الصحيحة، فقال رحمه الله وهو يشرح المنهج المثالي لتدريس العقائد:« فعلى كل مؤمن أن يسلك هذا السلوك، فيحضر مجالس العلم التي تذكره بآيات الله، وأحاديث رسوله ما يصحح عقيدته ويزكي نفسه ويقوم عمله»(23). ويؤكد رحمه الله اعتماد ما صح من السنة دون غيره؛ فيقول: « لا نعتمد في إثبات العقائد والأحكام على ما ينسب للنبي صلى الله عليه وسلم من الحديث الضعيف، لأنه ليس لنا به علم »(24) .
وإن ما ننقله عن ابن باديس في هذا السياق قد يعدّه كثير منا بديهيا؛ وذلك لأننا نعيش زمن ما بعد الإصلاح الباديسي، أما في زمانه فكان هذا الكلام مرفوضا وغير مستساغ، لأن مما هو مقرر عند الأشاعرة أن العقائد أمور عقلية يجب بناؤها على العقل، وخاصة أبواب التوحيد والصفات والقدر والنبوات، ويعتبرون اعتماد القرآن والسنة تقليدا لا يفيد يقينا(25)، وفي هذا يقول السنوسي:« إن الإيمان أصله المعارف العقلية والأدلة البرهانية، لا يكون عن تقليد وإنما عن نظر سديد»(26). وقد طبق هذا التأصيل في كتبه، ومنها العقيدة الصغرى -أم البراهين- التي لا تجد فيها آية قرآنية لا حديثا نبويا.
يقول البشير الإبراهيمي مادحا كتاب ابن باديس وموضحا الفرق الجلي بينه وبين كتاب أم البراهين: « فجاءت عقيدة مثلى يتعلمها الطالب فيأتي منه مسلم سلفي، موحد لربه بدلائل القرآن كأحسن ما يكون المسلم السلفي، ويستدل على ما يعتقد في ربه بآية من كلام ربه، لا بقول السنوسي في عقيدته الصغرى: أما برهان وجوده تعالى فحدوث العالم»(27).
ثانيا: الاحتكام إلى السلف والالتزام بفهومهم
ومن أصول الاستدلال على العقائد عند أهل السنة الاحتكام إلى السلف الصالح، والالتزام بفهومهم لنصوص الكتاب والسنة، وهذا ما قرره ابن باديس هو يدون أصول دعوته إذ قال في الأصل السادس:« فهوم أئمة السلف الصالح أصدق الفهوم لحقائق الإسلام ونصوص الكتاب السنة ». ولا شك أن هذا الأصل حجة على جميع الفرق الإسلامية القديمة كالمعتزلة والخوارج والروافض الذين طعنوا في السلف وفي عقائدهم وفي كثير مما نقلوه عن النبي e، وكذلك هو حجة على الأشعرية المتأخرين، الذين قصروا مذهب مالك على الفروع دون الأصول(28)، واشتهر عنهم قولهم: « عقيدة السلف أسلم وعقيدة الخلف أعلم وأحكم»، فلا يمكن لمن خالف السلف أن تكون عقيدته أعلم وأحكم، يقول ابن باديس رحمه الله:« فكل قول يراد به إثبات معنى ديني لم نجده في كلام أهل ذلك العصر، نكون في سعة من رده وطرحه وإماتته وإعدامه، كما وسعهم عدمه ولا وسع الله على من لم يسعه ما وسعهم. وكذلك كل فعل ديني لم نجده عندهم وكذلك كل عقيدة، فلا نقول في ديننا إلا ما قالوا، ولا نعتقد فيه إلا ما اعتقدوا ولا نعمل فيه إلا ما عملوا، ونسكت عما سكتوا …ونرى كل فتنة بين الفرق الإسلامية ناشئة عن مخالفة هذا الأصل»(29).
الفرع الثالث: نتائج تصحيح المرجعية
إن هذا الاختلاف في المرجعية ومنهج الاستدلال بين ابن باديس والأشعرية سيؤدي حتما إلى اختلاف في مسائل الاعتقاد؛ الواضح الجليل منها والخفي الدقيق، وسأقتصر في هذا المقال على إبراز الأصول العظيمة الجليلة؛ بنقل نصوص صريحة فيها لابن باديس من كتابه العقائد الإسلامية.
أولا : تصحيح مفهوم التوحيد
قال ابن باديس رحمه الله (ص:66):« هو اعتقاد وحدانية الله وإفراده بالعبادة، والأول هو التوحيد العلمي والثاني هو التوحيد العملي، ولا يكون المسلم مسلما إلا بهما»، وهذا مخالف لما هو موجود في كتب الأشعرية؛ التي تقرر أن الألوهية هي القدرة على الاختراع، وتفسر لا إله إلا الله بلا خالق إلا الله، وهذا بعض التوحيد وليس جميعه.
ثانيا: تصحيح مفهوم الإيمان
قال ابن باديس رحمه الله (ص:48):« الإيمان في الوضع الشرعي هو قول باللسان وعمل بالقلب وعمل بالجوارح»، وهذا مخالف لعقيدة الأشاعرة المتقدمين والمتأخرين الذين حصروا مفهوم الإيمان فيما في القلب، واختلفوا هل هو مجرد المعرفة أم المعرفة مع التصديق.
ثالثا: تصحيح منهج الإيمان بالصفات
قال ابن باديس رحمه الله (ص:62) :« نثبت له تعالى ما أثبته لنفسه على لسان رسوله من ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله، وننتهي عند ذلك ولا نزيد عليه، وننزهه في ذلك عن مماثلة أو مشابهة شيء من مخلوقاته، ونثبت الاستواء والنزول، ونؤمن بحقيقتهما على ما يليق به تعالى بلا كيف، وبأن ظاهرها المتعارف في حقنا غير مراد». وهذا مخالف لمنهج التأويل للصفات ومنهج تفويض المعاني والحقائق.
رابعا: تصحيح مفهوم الإيمان بالقدر
قال ابن باديس رحمه الله (ص:74):« ومن توحيده تعالى في ربوبيته : اعتقاد أن العبد لا يخرج في جميع تصرفاته عن مشيئة الله، غير أن له اختيارا يجده بالضرورة من نفسه، مشيئة يجدها كذلك فيما يمكنه من أفعاله كان بها مكلفا، ثم هو لا يخرج بها عن مشيئة الله » فأثبت الاختيار للإنسان ومشيئة وقدرة على الفعل والترك بها يكون التكليف، وهذا مخالف لعقيدة الأشاعرة الذين ينفون قدرة العبد قبل الفعل وقبل التكليف ويقولون بالكسب الذي مآله إلى القول بالجبر ونفي الاختيار.
المطلب الثالث : أثر الإصلاح العقدي الباديسي على المجتمع الجزائري
إن آثار الإصلاح العقدي الباديسي كثيرة يمكن تفريعها وتكثيرها، كما يمكن إجمالها وتلخيصها، وإذا أردنا ردها إلى معان جامعة قلنا هي: إحياء الأمة بربطها بمراجع الدين الصحيحة، ومحو آثار التفكير السلبي الناتج عن عقيدة الإرجاء والجبر، وتصحيح عقلية الجزائريين ومحو آثار التفكير الخرافي المكبل للعقول، وفيما يأتي شرح لهذه المعاني:
الفرع الأول: إحياء الأمة بربطها بمراجع الدين الصحيحة
لقد خرج ابن باديس عن المعهود في زمانه في مناهج التدريس، وخالف الطرائق الكلامية في التأليف، فألف لنا العقائد مبنية على دلائل الكتاب والسنة، كما بث مسائل التوحيد للعامة في دروس التفسير وشرح الحديث، فكان من نتيجة ذلك أن وصل إلى إحياء الأمة الجزائرية، حيث سرت في قلوب الناس روح القرآن، قال تعالى : (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام/122]، وهذه شهادة العلامة الإبراهيمي حول هذه الثمرة الغالية:« والإمام رضي الله عنه كان منذ طلبه للعلم بتونس قبل ذلك، وهو في مقتبل الشباب، ينكر بذوقه ما كان يبني عليه مشائخه من تربية تلامذتهم على طريقة المتكلمين في العقائد الإسلامية، ويتمنى أن يخرج تلامذته على الطريقة القرآنية السلفية في العقائد يوم يصبح معلما، وقد بلغه أمنيته فأخرج للأمة الجزائرية أجيالا على هذه الطريقة السلفية؛ قاموا بحمل الأمانة من بعده، ووراءهم أجيال أخرى من العوام الذين سعدوا بحضور دروسه ومجالسه العلمية، وقد تربت هذه الأجيال على هداية القرآن فهجرت ضلال العقائد وبدع العبادات، فطهرت نفوسها من بقايا الجاهلية التي هي من آثار الطرائق القديمة في التعليم وقضت الطريقة القرآنية على العادات والتقاليد المستحكمة في النفوس وأتت على سلطانها، وقد راجت هذه الطريقة وشاعت حتى بين العوام وإن كانوا لا يحسنون الاستدلال بالقرآن …فأصبح العامي لا يقبل من العالم كلاما في الدين إلا إذا استدل عليه بآية قرآنية، وأصبح العامي إذا سمع الاستدلال بالقرآن والحديث هش وشاعت في شمائله علامة القبول، وهذه أمارة على عودة سلطان القرآن على النفوس يرجى منها كل خير »(30).
وقد ورَّث الشيخ هذا المنهج السلفي في تلقي العقائد وتعليمها لتلاميذه؛ فهذا تلميذه الشيخ محمد الصالح رمضان يقول في تقديمه لرسالة العقائد: «وقد حذا فيها الإمام حذو السلفية الرشيدة من اعتماد كتاب الله وسنة رسول الله e، قبل تفسيرات المذاهب المختلفة وتأويلات أصحابها في مرحلة الاختلاط »(31)، ويقول الشيخ أحمد حماني عنها: «واعتمد فيها أسلوبا رائعا مفيدا مدعما بحجج كتاب الله وسنة رسول الله e مجنبة للناشئة من عقم البراهين الكلامية المبنية على المنطق والفلسفة اليونانية »(32).
ثم إن تأثير كتاب العقائد لم يقف على تلاميذه؛ بل تعدى إلى غيرهم واستمر إلى يومنا هذا، لأنه جعل مقررا لتلاميذ معاهد التعليم الأصلي التي استمرت قرابة خمس عشرة سنة؛ مما أسهم في نشر الفكر السليم والاعتقاد الصحيح في الأوساط الدينية، وقد أعيد طبع الكتاب مرارا في الجزائر وخارجها، ولا يزال مطلوبا مما يبين حجم انتشاره بين الناس من العامة والخاصة.
الفرع الثاني: محو آثار التفكير السلبي الناتج عن عقيدة الإرجاء والجبر
من آثار العقيدة الأشعرية انتشار ظاهرة الإرجاء في الأمة، حيث أصبح العامة والخاصة يقولون إن الإيمان في القلب، وقد نتج عن ذلك فشو مظاهر التفكير السلبي عند الناس؛ فأما الخاصة منهم فإنهم لما فشا فيهم ذلك عطلوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسكتوا عن بيان الحق حيث لا يجوز السكوت، واكتفوا بالإنكار القلبي لما يقرون أنه منكر، وربما يتركون عن النهي عن مظاهر الشرك، والسحر والكهانة، وأما العامة فتبع لخاصتهم في إقرار ما يقرونه واقتراف ما سكتوا عن إنكاره، ويزيدون عليهم بالتقصير في الطاعات وترك الشرائع العملية، وانغماسهم في أوحال المعاصي اعتمادا منهم على أن الإيمان في القلب، بل ربما وقعوا في الكفر عمدا اتكالا منهم على الإيمان هو مجرد التصديق القلبي.
والشيخ ابن باديس قد جاهر بمخالفة عقيدة الإرجاء، ونصرته لاعتقاد السلف بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وبث ذلك في طلبته من العامة والخاصة وأكد عليه في دروسه، فحيي بذلك ما كان غائبا في الأمة كفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحمل الناس واجب الدعوة والنصيحة فحييت بذلك الضمائر وعادت جموع من الأمة إلى المحافظة على شعائر الدين وقواعده، وتركت مظاهر الفسق وأنواع الرذائل، ويمكن أن يقال أنه بمحاربة فكر الإرجاء وتطبيقاته العملية تمكن الشيخ من المحافظة على بقاء الإسلام في هذه البلاد.
ولا يخفى الارتباط بين عقيدة الجبر والإرجاء خاصة من حيث الأثر الذي هو ترك العمل، بل إن الجبر أشر من جهة عموم ترك الأعمال العبادية منها والعادية-أي الطاعات والأسباب-، وتأثير هذه العقيدة الفاسدة على الناس له مظاهر منها القديم الذي يختص به العامة في الغالب كالاحتجاج بالقدر على المعاصي وترك العبادات، والاحتجاج به على الكسل والتواكل وترك الكسب الحلال، ومنها الجديد الذي اختص به المتأخرون؛ وشارك فيه العامة الخاصة كترك الجهاد ومقاومة المستعمرين بدعوى الرضا بالقضاء، وكذا الرضا بكل مظاهر الدون والتخلف وعدم محاولة التغيير بزعم أنه قدر محتوم، ولقد وجد هذا المعتقد الفاسد رواجا كبيرا في الأمة؛ مما جعل المجددين في بداية القرن الماضي يشتكون منه ويردون على أهله.
وتصريح ابن باديس بمخالفة هذه العقيدة الباطلة وفروعها القاتلة؛ كان له الأثر الواضح في نهوض الأمة وتركها لمنهج التواكل والتماوت الصوفي الذي كان مسيطرا على نفوس الناس، وبث روح العمل والتضحية في سبيل الدين والدعوة، وكان من آثارها بعث الروح الجهادية، التي كان لها الفضل في تحرير الجزائر فيما بعد، وهذا ما شهد به الدكتور محمود قاسم حيث قال:« وحقيقة نجح ابن باديس وأعوانه في تصحيح المفاهيم الإسلامية ، وفي بعث الجزائر بعثا روحيا مكنها من الخلاص نهائيا من المستعمر وعملائه»(33).
الفرع الثالث: تصحيح عقلية الجزائريين ومحو آثار التفكير الخرافي المكبل للعقول
من الأمور التي كانت سائدة في الجزائر وعامة في الناس؛ انتشار مظاهر الشرك القولية والعملية والاعتقادية، ومما ساعد على فشو هذه المظاهر؛ بل وجعلها في كثير من الأحيان هي مظهر التدين وعلامة الالتزام بالشرع؛ أن المنتسبين للعلم هم أول الواقعين فيها والمحرضين عليها، في أحسن الأحوال يسكتون عليها، لأن علم العقيدة الذي كانوا يتلقونه لم يكن فيه بيان لحقيقة التوحيد؛ التي تجعل الناس يعرفون معناه ويعرفون ما يضاده، فالتوحيد كان يؤخذ من كتب المتكلمين التي أخلصت لمعاني توحيد الربوبية، وليس فيها ذكر لتوحيد العبادة أو شرح للعبادات الواجبة لله تعالى.
وهذه المظاهر التي نسميها مظاهر الشرك تسمى أيضا مظاهر التفكير الخرافي، الذي يجعل صاحبه يؤمن بتأثير الأموات في حياة الأحياء، ويجعله يبني آماله وتطلعاته على ما يبشر به العرافون والمنجمون، ويقدم القرابين للأشجار والأحجار والدجالين، ويجعله يقبل بالعبودية لمدعي العلم والتصوف الذين هم عباد أمثاله.
ولكن بفضل الله تعالى وبفضل دعوة الشيخ ابن باديس المباركة، تم تصحيح مفهوم التوحيد، ومن ثم تصحيح عقلية الجزائريين وطريقة تفكيرهم، وفي تحقق هذا الأثر يقول البشير الإبراهيمي:« كانت الطريقة التي اتفقنا عليها أنا وابن باديس في اجتماعنا بالمدينة المنورة سنة 1913م في تربية النشء هي ألا نتوسع له في العلم، وإنما نربيه على فكرة صحيحة ولو مع علم قليل، فتمت لنا هذه التجربة في الجيش الذي أعددنا من تلامذتنا»(34)، ولم يقتصر هذا الأثر على التلامذة المباشرين لشيوخ الإصلاح بل تعدى إلى غيرهم ممن جاء بعدهم وإلى يومنا هذا، وهو أمر ظاهر وأشهر من أن يبرهن عليه أو أن تنقل شهادة عليه، فالنهضة العلمية التي عرفتها الجزائر قبل الاستقلال وبعده، لم تكن إلا ثمرة لتصحيح طريقة التفكير عند الجزائريين فالحمد لله على نعمة الإسلام وعلى نعمة الإيمان والعقل، وصلى الله على نبيه الكريم وآله وصحبه أجمعين.
الهوامش
1/ جهود علماء المغرب في الدفاع عن عقيدة أهل السنة لإبراهيم التهامي (ص:30-34) مؤسسة الرسالة ناشرون، ط1-1426.
2/ في رياض النفوس في طبقات علماء القيروان لأبي بكر عبد الله بن محمد المالكي ذكر للتابعين الذين دخلوا القيروان ابتداء من (1/99) دار الغرب الإسلامي،ط2-1414.
3/ ينظر : مدينة القيروان في عهد الأغالبة لفاطمة عبد القادر رضوان (ص:164-167) رسالة علمية-1412، جامعة أم القرى. وجهود علماء المغرب في الدفاع عن عقيدة أهل السنة لإبراهيم التهامي (ص:197-200).
4/ ينظر : جهود علماء المغرب في الدفاع عن عقيدة أهل السنة لإبراهيم التهامي (ص:293-295).
5/ ترتيب المدارك للقاضي عياض (1/15) دار الكتب العلمية بيروت، ط1-1418.
6/ ينظر الجامع لابن أبي زيد القيرواني، تحقيق محمد أبو الأجفان وعثمان بطيخ (ص:125) مؤسسة الرسالة بيروت والمكتبة العتيقة تونس، ط2-1403.
7/ ينظر : أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني حياته وآثاره للهادي درقاش (ص:360-370) دار قتيبة بيروت، ط1-1409.
8/ ينظر:الرسالة لابن أبي زيد القيرواني (ص:10) دار الكتب العلمية بيروت، بدون والجامع لابن أبي زيد القيرواني (ص:117).
9/ ينظر جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، تحقيق أمين الزهيري (2/943).
10/ قال الذهبي في السير (17/558) معلقا على نص للباقلاني في الصفات:« فهذا المنهج هو طريقة السلف وهو الذي أوضحه أبو الحسن الأشعري وأصحابه، وهو التسليم بنصوص الكتاب والسنة، وبه قال الباقلاني وابن فورك والكبار إلى زمن أبي المعالي الجويني، ثم زمن أبي حامد فوقع اختلاف وألوان».
11/ المعجب في تلخيص أخبار المغرب لعبد الواحد المراكشي (ص:236-237) نشر المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالجمهورية المتحدة، بدون.
12/ المعجب في تلخيص أخبار المغرب لعبد الواحد المراكشي (ص:251) .
13/ تاريخ الجزائر القديم والحديث لمبارك الميلي، تقديم وتصحيح محمد الميلي (2/338) المؤسسة الوطنية للكتاب، بدون.
14/ العواصم من القواصم لابن العربي تحقيق ودراسة عمار طالبي (2/290-291) الشركة الوطنية للنشر والتوزيع الجزائر ،ط-1974.
15/ انظر تحذيره الشديد من كتب الفخر الرازي في شرح أم البراهين (ص:28) المؤسسة الوطنية للكتاب،ط-1989، وذكر مذاهب العلماء في الصفات فذكر مذهب التفويض ثم مذهب التأويل ثم ذكر مذهب الإثبات وقال:« الثالث : حمل تلك المشكلات على إثبات صفات الله تعالى تليق بجلاله وجماله لا نعرف كنهها، وهذا مذهب شيخ أهل السنة أبي الحسن الأشعري » ومع ذلك قرر في كتابه عقيدة التأويل قبل النقل وبعده، انظر شرح المقدمات (ص:96) دار البيروتي، دمشق، ط1-1430.
16/ مما زاد في انتشارها ما نسج حولها ودعايات خرافية تناسب الانحطاط الفكري الذي عاشته الأمة في عصور التصوف كمن زعم أنه رأى صديقه بعد موته فسأله عما لقيه من منكر ونكير فقال سألاني عن ديني وعما قرأت من كتب التوحيد فقلت قرأت عقيدة فلان وعقيدة فلان فقالا ببغض وتهديد ولأي شيء لم تقرأ عقيدة السنوسي ! لو قرأتها لكفتك عن غيرها، ورأى آخر في المنام أحد الصالحين بعد موته فسأله ما فعل الله بك فقال أدخلني الجنة وفيها رأيت سيدنا إبراهيم الخليل يقرئ صبيانا عقيدة الشيخ السنوسي يدرسونها في الألواح ويجهرون بقراءتها. انظر الإمام ابن يوسف السنوسي وعلم التوحيد لجمال الدين بوقلي (ص:79) المؤسسة الوطنية للكتاب، ط-1985.
17/ مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير (ص:250) نشر وزارة الشؤون الدينية.
18/ مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير (ص:142).
19/ مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير (ص:257).
20/ آثار عبد الحميد بن باديس (3/85) نشر وزارة الشؤون الدينية .
21/ مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير (ص:142).
22/ آثار عبد الحميد بن باديس (4/59).
23/ مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير (ص:320).
24/ مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير (ص:143).
25/ صرح السنوسي بأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر، انظر شرح أم البراهين (ص:78) وشرح المقدمات (ص:92).
26/ شرح العقيدة الوسطى للسنوسي (ص:72) نقلا عن الإمام ابن يوسف السنوسي وعلم التوحيد لجمال الدين بوقلي (ص:126-127).
27/ مقدمة العقائد الإسلامية لابن باديس رواية وتعليق محمد الصالح رمضان (ص:19-20) منشورات دار الكتب، الجزائر ، ط3-1989.
28/ ومن ذلك قول ابن عاشر:
وبعد العون من الله المجيــد *** في نظم أبيات للأمي تفيد
في عقد الأشعري وفقه مالك *** وفي طريقة الجنيد السالك.
29/ آثار ابن باديس (3/155).
30/ مقدمة العقائد الإسلامية (18).
31/ مقدمة العقائد الإسلامية (12).
32/ صراع بين السنة والبدعة (1/13) دار البعث قسنطينة، ط1-1405.
33/ الإمام عبد الحميد بن باديس الزعيم الروحي لحرب التحرير الجزائرية (ص:95) دار المعارف ، مصر ، ط-1968.
34/ انظر الشيخ عبد الحميد بن باديس رائد الإصلاح والتربية في الجزائر لرابح تركي (204-205) منشورات المؤسسة الوطنية للاتصال والنشر والإشهار، ط5-1422.
منشور في مجلة الفكر الجزائري –كلية الآداب، جامعة تلمسان -العدد السادس أكتوبر 2015 ص 25-42