الشيخ مصباح.. المجاهد الذي تحدّى الاستعمار لنشر الدين والعربية

بقلم: وردة بوجملين / أسماء بهلولي-

ولد الشيخ مصباح رحمه الله سنة 1902 بوادي سوف، وسط أسرة متدينة، وفي سنة 1920 سافر إلى تونس والتحق بجامع الزيتونة إلى جانب الشيخ الياجوري رحمه الله وعلماء دين آخرون وعلى رأسهم العلامة الشيخ عبد الحميد بن باديس وعندما أسس عبد الحميد بن باديس جمعية العلماء المسلمين والإصلاح الديني رفقة البشير الإبراهيمي والشيخ الطيب العقبي والعربي التبسي وسعيد الزموشي وغيرهم، وعندما فتحت جمعية العلماء المسلمين مدارس تعليم اللغة العربية أيام الاحتلال الفرنسي في كامل أنحاء التراب الوطني لتعليم اللغة العربية ومعالم الدين الإسلامي الحنيف، أصبح الشيخ مصباح يتنقل من منطقة إلى أخرى لتعليم اللغة العربية وتدريس معالم الدين الإسلامي الحنيف، فتنقل أيام الاستعمار الفرنسي من الحراش إلى تلمسان إلى بني هديل، إلى السبدو، ثم عين الغرابة ثم إلى معسكر، ودرس هناك أحمد مدغري الذي درس على الشيخ مصباح في معسكر إلى مستغانم أين أنشأ حركة إصلاحية كبيرة .

كانت فرنسا إبان فترة استعمارها للجزائر تعطي تعليمات صارمة للائمة بعدم تجاوز الجانب الديني في خطبة الجمعة، ولكن الشيخ مصباح كان لا يخاف لوم لائم، وبعد الفراغ من الخطبتين، كان يعمل على نشر الوعي الوطني لدى أفراد الشعب الجزائري، وكانت إلى جانبه زوجته أم الخير، -زوجته – التي كانت تحفظ القرآن وتتكلم اللغة العربية الفصحى بشكل جيد، كان الشيخ  يهتم بنشر الوعي في أوساط الرجال وكانت هي تفعل ذلك وسط النساء، حيث كانت تشرح رسالة مصباح الهادفة إلى تنوير العقول، وكان يحرص في خطبة الجمعة على ترسيخ فكرة أن فرنسا هي عدو دخيل على الجزائريين وعلى تقاليدهم وأصالتهم، فتقوم السلطات الاستعمارية الفرنسية بإلقاء القبض عليه وبتعذيبه وأحيانا أخرى كانت زوجته كذلك تعتقل وتعرض للتعذيب ويحذرونهم من ممارسة السياسة من خلال خطبة الجمعة وكانا يعيدان الكرة في الجمعة القادمة وتعتقلهما السلطات الاستعمارية من جديد وتعذبهما.

يقول نجل الشيخ حويذق: لم يكن والدي يعير ذلك اهتماما وكان هذا نفس الدور الذي يقوم به أعضاء جمعية العلماء المسلمين، الشيخ الياجوري، الشيخ العقبي، العربي التبسي ولهذا قررت فرنسا غلق مدارس اللغة العربية واعتقال عناصر جمعية العلماء المسلمين والزج بهم في السجن، وأضاف نجل الشيخ مصباح، أن الاستعمار فرنسي نفى والده من مستغانم حيث كان يقيم في تلك الفترة إلى وهران، نتيجة عدم استجابته لمطالبهم المتعلقة بالتخلي عن نشر الدين والوعي الوطني وتعليم العربية، التي كان والدي يتنقل من مكان إلى مكان لنشرها، وأقمنا في الحراش، السبدو، بني هديل، بني غرابة، تلمسان حيث فتح الشيخ البشير الإبراهيمي مدرسة للحديث في تلمسان، أعود إلى حديثي، ورغم أن فرنسا نفته إلى وهران، إلا أنه لم يتوقف عن رسالته وواصل الخطب الجنونية التي كان يلقيها دون أن يخاف من أحد، فقد كان ينزل إلى مقهى الوداد لإلقاء خطاباته ضد فرنسا وكان يعتقل في كل مرة لهذه الأسباب، وهذه المرة سجن في آفلو، وكان معه في السجن بوعلام بوحمودة -رحمه الله -.

حرب الشيخ مصباح مع الضابط الفرنسي في سبيل الصلاة بالمساجين

يروي المخرج محمد حويذق ـ نجل الشيخ ـ قائلا: “عندما زج بوالدي في سجن “آفلو”، بقي محافظا على صلواته وكان عندما يقوم لأداء الصلاة كانت عساكر الاستعمار الفرنسي تركله، وكان هذا مصير العديد من المساجين الذين كانوا يواظبون على الصلاة، ورغم ذلك لم يكن والدي يكف عن إلقاء الخطب للمساجين وكان له الفضل في إرشاد العديد من الجزائريين داخل السجن إلى جادة الصواب، كان والدي يتمتع بشجاعة كبيرة، كان عندما يشرع في الصلاة بمساجين يتلقى الركلات والضربات على الأيادي، ولكنه ينهض بعدها ويواصل الصلاة بالمساجين، وكان يقف على صخرة ويؤذن، لم يكن المساجين فقط هم من يصلون من خلال سماع آذانه بل وحتى السكان الذين يسكنون بجوار السجن، في يوم من الأيام جاءه ضابط فرنسي وحذره من الآذان مجددا وتوعده بإطلاق النار عليه إذا لم يمتثل لأوامره، فلم يرد والدي عليه وانصرف، بقي الجميع يدعو الله بأن لا ينهض والدي ليؤذن حتى لا يقتل، كان والدي يتمتع بشجاعة كبيرة، لم يخضع لأوامرهم، نهض في الصباح توضأ وعساكر فرنسا تصوّب نحوه سلاحها، صعد على الصخرة وأخذ يؤذن وبدؤوا يطلقون الرصاص نحوه، لكنه لم يتوقف عن الآذان وجمع المساجين بعدها وصلى بهم، بعدها بأيام طلبه الضابط الفرنسي من أجل التفاهم معه ووضع حد لممارساته داخل السجن، فقال له سأضع العساكر في جهة والمساجين في جهة ونتصارع، فإذا ربحت أنت فأعاهدك بعدم التعرض لك مجددا ولكن إذا حدث العكس فسأقتلك هذه المرة إذا وجدتك تصلي بالناس،  فقال له والدي: “إذا أراد الله أن يبقى هذا الدين فسأنتصر عليك حتى أصلي بهم وفي الصباح الباكر ذهب الجميع إلى الساحة لحضور المقابلة، وكانت المفاجأة كبيرة عندما أسقط والدي الضابط الفرنسي أرضا لمجرد ضربه برأسه، وعندما حاولت العساكر الهجوم على والدي طلب منهم الابتعاد عنه وواصل والدي منذ تلك الحادثة الصلاة بالمساجين داخل السجن.

والدي كان يطرق الأبواب ويطلب تدريس البنات

ما عساني أقول أكثر عن والدي يقول ـ محمد حويذق ـ والدي ساعد الكثير من الناس، ودرس اللغة العربية ونشر الوعي الديني، جمعية العلماء المسلمين كانوا ضد التعصب في الدين، كانوا متفتحين، كان والدي يطبق مقولة العلامة بن باديس “من علم امرأة علم شعبا ومن علم رجلا علم فردا”، و”العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة”، كان يقول أن المرأة عندما تكون معلمة ومثقفة تكون واعية بالأمور الدينية فهي التي تصنع رجالا أقوياء للمستقبل، فاطمة أم الأمير عبد القادر المثقفة العالمة، عندما ولد الأمير عبد القادر كانت تعلمه وعمره لم يتجاوز السنتين وعندما بلغ سنة 17 أصبح أميرا، أعود إلى موضوعنا: كانت جمعية العلماء المسلمين هي التي تتكفل بشراء الدفاتر والكراريس وتدعم الفتيات الفقيرات حتى تتمكن من تعلم أصول الدين وقواعد اللغة العربية، ومقابل ذلك كانت تفرض على الذكور تكاليف شراء الأدوات المدرسية والكتب، لأنهم كانوا يسعون لتعليم الفتاة قبل الولد وكان والدي من هذا النوع، حيث كان يدق بيوت الجيران ويطلب من أهل الفتاة أن يسمحوا لها بالدراسة عنده، ورغم الرفض الذي يقابله به بعض الذين كان يقصدهم خوفا من فرنسا التي كانت تأخذ إلى السجن كل من تسمع أنه يدرس أو يدرس اللغة العربية، إلا أن والدي كان يصر على تعليمهن ويحاول معهن مجددا، هكذا كان تعليم اللغة العربية والثقافة الإسلامية مختلف تماما عن الراهن.

الشيخ مصباح عارض الاشتراكية التطرفية

هكذا رد محمد حويذق على سؤالنا بخصوص خلاف والده مع بومدين “والدي لم يكن يعارض الاشتراكية، توجد اشتراكية عمر في الإسلام، وحتى العلامة الشيخ ابن باديس كان يساندها ويدعو إليها، عندما نقول الاشتراكية، توجد اشتراكية شيوعية واشتراكية تطرفية أيضا وتوجد اشتراكية، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:” كلكم شركاء في الماء والكلأ والنار”، ولما نجد أن عمر بن الخطاب يرتدي عباءة فيها 17 رقعة ونجده ينام في أي مكان ما معنى هذا؟ مفهوم آخر للاشتراكية، ولكن عندما نتحدث عن الاشتراكية بمفهومها التطرفي فهذا ما كان والدي يرفضه، كما أن والدي عارض بومدين في نقطتين مهمتين هي انتشار “الميني جيب”، وانتشار “الخمور” وقال لبومدين كيف تمنح المجاهد الذي كان بالأمس رمزا للنضال ودافع عن أمور مقدسة “مخمرة”، كانت هذه النقاط التي اختلف فيها مع الرئيس الراحل هواري بومدين وكان يتحدث عن هذا في خطبه وأذكر أن مرة قاموا بقص خطاب له على الإذاعة الوطنية بسبب تطور خطابه حول هذه الموضوعين، فأدخله بومدين الى السجن وعاد الى آفلو ثم نفاه إلى مستغانم.


علماء ودعاة وأئمة وشخصيات وطنية في ندوة الشروق التكريمية لأحد أعلام الجزائر

الشيخ مصباح حويذق… جاهد الاستعمار وناضل ضد الاستبداد

أجمع المشاركون في ندوة الشروق التكريمية للشيخ مصباح حويذق رحمه الله من دعاة وأئمة وشخصيات وطنية وبينهم تلاميذ للشيخ ورفقاؤه في السجون والمعتقلات، على أن الشيخ حويذق كان من معدن خاص، وهو الذي جاهد خلال الاستعمار بالكلمة وعرفته السجون والمعتقلات، وبعد الاستقلال كانت له جولة أخرى في النضال ضد الاستبداد، حيث تعرض للتضييق والنفي بسبب جرأته في قول الحق، وكانت الندوة فرصة للتعريف بالشيخ الذي لا تعرفه الأجيال الجديدة من الجزائريين، حيث تعاقب على المنصة رفقاء الشيخ وتلاميذه، مقدمين شهادتهم لكفاح الرجل.

أحمد تواقين رفيق الشيخ في المعتقلات: “الشيخ مصباح كان لا يعرف للجبن سبيلا في قول كلمة الحق

أكد الشيخ أحمد تواقين، أن الشيخ مصباح حويذق، كان يتمتع بشجاعة كبيرة في قول كلمة الحق، لدرجة انه كان يتحدى في كل مرة السلطات الاستعمارية التي كانت تمارس عليه أبشع أنواع العذاب بسبب إصراره على ممارسة نشاطه التربوي والدعوي داخل المعتقلات ورفضه الخنوع لفرنسا الاستعمارية.

وقال الشيخ أحمد تواقين، الذي كان رفيق الشيخ مصباح في المعتقلات إبان الاحتلال الفرنسي، خلال التكريم الذي حظي به من طرف مجمع “الشروق” بفندق السلطان، “الذين عرفوه في الستينات، يدركون أنه كان ثقيل السمع، فعندما نقلونا إلى معتقل “أركول” في فيفري 1957، كانوا يفتشوننا خمس أو ست مرات في اليوم، يأتي مدير المعتقل الفرنسي رفقة ضابط ويخرجون المشايخ، وكان الضابط يقول للشيخ مصباح التفت إلى سيدك، فيرد عليه الشيخ مصباح، الذي لا يعرف للجبن سبيلا بصوته الجهوري: أنا ألتفت إلى ربي ويستقبل القبلة ويصيح ويقول “لا تخافوهم”، فيتلقى ضربات على أذنيه وعلى القفى وأعتقد أن صممه الجزئي جاء بسبب هذه الضربات التي كان يتلقاها أذناه”. وأضاف احمد تواقين في سياق متصل: “كان عندما يكثر من خطبه العامة كان يعزل لمدة 10 أيام وقد تطول إلى 15 يوما وفي أثناء عزله كانت تطبق عليه  أبشع أنواع العذاب وحتى بطريقة التعذيب الصيني”.

وأشار المتحدث إلى قصة تعرفه على الشيخ مصباح ولقائه به في معتقل آفلو، أين التقى بجيل كامل من جمعية العلماء المسلمين في نوفمبر 1956، حيث قال: عندما دخلنا إلى المعتقل، كان الشيخ مصباح، ضمن اللجنة المسيرة للمعتقل وكان مستشارا، وهذه اللجنة المديرة كانت متكونة من المعتقلين فقط، لأن المعتقلات السياسية كان يسيرها نزلاء المعتقل طبقا لتعليمات جيش التحرير الوطني التي كانت تصلنا من خلال كميات الطعام التي كانت تدخل إلينا، ولم يكن للسلطات الفرنسية يد في تسيير المعتقل إلا فيما تعلق بمراقبة عمليات الدخول أو الخروج، وأذكر أن الشيخ مصباح كان عضوا في سبع لجان، مستشارا في اللجنة المديرة ولجنة التعليم الابتدائي، كان رئيسا للجنة تحفيظ وتجويد القرآن الكريم وفي كل المعتقلات الثلاثة التي مررنا بها، كان ضمن لجنة إعداد الدروس العامة يوم الاثنين ويوم الجمعة مساء التي كان تقدم للأميين”.

وتابع أحمد تواقين متحدثا عن يومياتهم داخل المعتقل: “كانت البراكة رقم ثمانية والتي يطلق عليها اسم “براكة الشيخ مصباح” تحتوي حوالي 18 نزيلا، كل صباح يوم جمعة يأتي أعضاء جمعية العلماء المسلمين بكمية من الكتب وكان عمري في ذلك الوقت حوالي 16 وكانوا يطالعون في مختلف مجالات المعرفة، وكان أول درس تلقيته في حياتي عن الديموقراطية وحرية الرأي وأنا صغير بالمعنى الأخلاقي والديني والاجتماعي، من خلال هؤلاء حيث كانت تحتدم الآراء بينهم بشكل عجيب وكان الشيخ مصباح أكثرهم نرفزة ومناقشة، في حين كان الشيخ سحنون هادئ جدا، ولكن بمجرد أن يقول محمد الصالح بن عتيق “الشيخ مصباح، لقد آن أوانك” فينتحي إلى ركن معين ويقوم بإخراج لوازم تحضير الشاي الذي يحضره بشكل جيد”، وأضاف احمد تواقين متحدثا عن بعض النشاطات التي كان يشرف عليها الشيخ مصباح -رحمه الله-: “كان يدرس صفوف محو الأمية، السور القصيرة، ويشرف عليها بنفسه وكان رفقة من كانوا معه يجمعون قائمة النزلاء الذين لا يتمكن أهلهم من زيارتهم ويحضرون لهم الملابس وكل ما يحتاجون إليه دون ان يدري احد بذلك”.

أبوجرة سلطاني: “الشيخ مصباح من الرجال الذين رسخوا توجهات الجزائر العربية الإسلامية الأمازيغية

قال الشيخ أبو جرة سلطاني: “كثيرون من أبناء الصحوة لا يعرفون الشيخ سحنون ولا الشيخ مصباح ولا الشيخ سلطاني عليهم رحمة الله، ولا هؤلاء الذين كانوا جسرا ممتدا بين استرجاع السيادة الوطنية ومحاولة إحياء القيم التي حاولت الثورات الاشتراكية ان تطمسها فقامت هذه الأصوات الخافتة في ذلك الوقت بمحاولة إيقاد ضوء كان في عتمة كان نفقها طويلا ولا يكاد يظهر”.

وأضاف أبو جرة سلطاني في سياق متصل: “تكريم الشيخ مصباح يحمل رمزيتين، أولها رمزية التاريخ، وأنتم تعلمون أن الثورة حاولت أن تذيب أطياف اللون السياسي والدعوي والإعلامي في أتونها لتصبح ثورة شعبية واحدة، وألحقت كل مخلص بصفوفها فردا، فلما أذن الله عز وجل لنا بالاستقلال كان على هؤلاء أن يعودوا إلى أوكارهم لمواصلة مسيرتهم ما قبل الثورة، فمنعوا ولذلك فعندما نكرم هؤلاء فإننا نحيي رمزية التاريخ بربط جيل التأسيس بجيل استكمال البناء، الرمزية الثانية هي محاولة إحياء رمزية القيم التي قفز عليها كثير من الناس، معتبرين ان الصحوة بدأت سنة 79 بقيام الثورة الاسلامية في ايران.

صالح عوض: “الشروق تدرك أهمية تكريم الشيوخ والعلماء

قال ممثل مجمع “الشروق” للإعلام، الدكتور صالح عوض، “أن الشروق تدرك أهمية تكريم رجال الفكر والعلماء وشيوخ الأمة”، مشيرا إلى أن “الهدف الأسمى من سلسلة التكريمات التي تنظمها في كل مرة هو التعريف بهذه الشخصيات لأبناء هذا الجيل”، وتابع صالح عوض: “نلتقي في حضرة عالم من علماء الأمة، حق علينا أن نكرمه ميتا وحيا، ومؤسسة “الشروق” تدرك أن هذا السلوك يجب أن يتواصل حتى تعرف هذه الأمة نفسها وأنها تستطيع أن تخلق المجد والعز”، وتابع متحدثا عن الشيخ مصباح -رحمه الله- “الشيخ هو علم من أعلام الدين والفكر، سمعت عنه كثيرا من الشيخ محفوظ نحناح، وعلمت انه جاهد بالعلم والتربية وجاهد في الثورة وفي الاستقلال للحفاظ على خط الثورة، فكان رجل الجهاد في كل المراحل، لم تنحرف به الدنيا فحق للجزائر الافتخار به”.

محمد حويذق نجل الشيخ مصباح: تكريم “الشروق” لوالدي مواصلة لرسالة جمعية العلماء

قال محمد لمين حويذق، نجل الشيخ مصباح، في الكلمة التي ألقاها بمناسبة تكريم والده: “أشكر مؤسسة “الشروق” لتفكيرها في تكريم والدي. أنا أعتبر تكريمها لوالدي ولكل العلماء ورجال الفكر مواصلة لرسالة الشيخ عبد الحميد بن باديس والعربي التبسي والشيخ الإبراهيمي والطيب العقبي. أنا سعيد، وأنا أرى المؤسسة تحافظ على رسالة هؤلاء”.

وأخذ المخرج محمد حويذق يسرد تفاصيل قصة وقعت له مع والده إبان ثورة التحرير، حيث قال: “كان والدي يدرس البنات والبنين على حد سواء، وجاءه خبر أن أحد طلبته كان ينوي الزواج من إحدى الطالبات فزوجه إياها دون استشارة والدها الذي لم يعارض الأمر فيما بعد وقال للشيخ مصباح، الذي أراد استشارته في الأمر: “لك ما ترى”، وبعدها جاءه الشاب الذي رزق بابن وطلب منه أن يربطه بالمجاهدين في الجبال، فكان له ذلك، ليسقط الشاب بعد مدة في ساحة الشرف، فأخذ والدي الشيخ مصباح على عاتقه كل تكاليف ومصاريف عيش المرأة وابنها.

وفي مرة من المرات رفض ابنها أن يغادر بيتنا بسبب رغبته في مشاهدة أحد البرامج على التلفاز الذي كان والدي أول من كسبه في ذلك الوقت، وعندما لاحظ والدي ذلك، حمل الجهاز وطلب من المرأة أن تتبعه إلى بيتها، ولأنه لاحظ غضبي بسبب حرماننا من التلفاز ضربني ضربا مبرحا وقال لي، والده أعطاك عمره وأنت تستكثر على ابنه صندوقا”، كانت هذه من الأشياء التي أذكرها عن والدي والتي بقيت مؤثرة فيّ بشكل كبير. 

الشاعر سليمان جوادي: البشير الإبراهيمي ضم الشيخ مصباح إلى جمعية العلماء لتفوقه

يتحدث الشاعر المعروف سليمان جوادي عن الشيخ مصباح قائلا: “كان يزورنا في البيت. وكان الشيخ مصباح من أقرب المقربين إلى والدي. ذهب الشيخ مصباح مرتين إلى تونس من أجل الدراسة ولكنه لظروف اجتماعية قاهرة جدا لم يحصل على شهادة التطويع التي كانوا يحصلون عليها هناك، ولكنه تفوق على أقرانه في التحصيل العلمي، فهو عصامي. وهذا ما جعل البشير الإبراهيمي يضمه إلى جمعية العلماء ويكلفه بالتدريس”، كما أن الجدير بالذكر أن الشيخ مصباح ـ رحمه الله ـ من الشخصيات الفكرية التي اشتهرت باسمها دون العودة إلى اللقب “الشيخ مصباح”.

عمار طالبي: الشيخ مصباح قدم موقفا مشرّفا بعد الاستقلال ومات منفيا في بلده

قال البرفسور عمار طالبي إن الشيخ مصباح حويذق من الشخصيات والعلماء الجزائريين الذين وقفوا موقفا مشرفا بعد الاستقلال، لا سيما وأن هذه المرحلة شهدت تحولا عظيما وظهرت تيارات تدعو عكس ما حملته الرسالة الثورية.

بهذا بدأ عمار طالبي شهادته في حق العلامة مصباح حويذق أين أكد على الدور الكبير الذي أداه الشيخ مصباح حويذق أثناء الثورة وبعد الاستقلال ومساهمته الكبيرة رفقة العديد من الشيوخ في نشر الرسالة المحمدية والثورية، وأضاف الأستاذ أن الشيخ مصباح قدم موقفا مشرفا لا سيما في ظل التحول العظيم الذى عرفته مرحلة ما بعد الاستقلال أين ظهرت تيارات عديدة تدافع عن الاشتراكية من جهة والماركسية من جهة أخرى دون العودة إلى مبادئ الثورة التحريرية، وكان هؤلاء العلماء وعلى رأسهم الشيخ مصباح وسحنون وعبد اللطيف سلطاني وغيرهم من الشيوخ في مواجهة قيادات سياسية كانت مبهورة بالإيديولوجية الاشتراكية التى عرفت آنذاك.

وقال الأستاذ طالبي إن أول لقاء له مع الشيخ مصباح كان في صلاة الجمعة بمسجد الحراش وبعدها في لقاءات أخرى.. أبهرت حينها بصراحته وقوله الحق دون أن يخشى أحدا، وهذا ما ظهر في الرسالة التى قدمها في علم التوحيد التى تؤكد قوة وعزيمة الرجل الذي قدم الكثير لدينه وللجزائر وأراد للشباب أن يتعلق برسالة التوحيد، معتبرا أن صوته الجوهري ساعده كثير في الوصول إلى القلوب، خاصة الشباب الذين تعلقوا به في زمن التحول وسيطرة التيار السياسي على المشهد أين اندفع الناس إليه وأبهروا بهذا الفكر بوعي أو بغير وعي.

لكن دور العلماء ومنهم الشيخ مصباح جعل الكثير يلتفون وراء هذه الأفكار بالرغم من دعوة الشيوخ إلى ضرورة العودة إلى القيم التي بنتها الثورة المجيدة وكان دورهم آنذاك مشهودا بعد تأسيس جمعية القيم برئاسة الشيخ التيجاني وهي التى أزعجت السلطات آنذاك وتم منعها من بعد ما أبدت موقفا من إعدام السيد قطب وحصل التضييق عليها وأغلقت حينها. وأضاف طالبي أن الشيخ مصباح مات منفيا في بلده ولم يعرف عنه الكثير بسبب انحسار الإعلام آنذاك عن المسجد.

الشيخ بوجمعة عياد: الشيح مصباح أعاد الاعتبار للهوية الجزائرية

ذكر الشيخ بوجمعة عياد في شهادته أن تكريم الشيخ مصباح هو بمثابة إعادة الاعتبار للهوية الجزائرية التى كان الشيخ من أكثر المدافعين عنها أثناء الثورة وبعد الاستقلال أين أريد حينها القضاء على القيم الوطنية.

وقال المتحدث أن شيوخ الجزائر وعلى رأسهم مصباح وسحنوني وسلطاني قدموا الكثير للمحافظة على هوية الجزائر التى سعى المستعمر إلى طمسها بكل الطرق حتى من بعد الاستقلال، معتبرا أن معرفته للشيخ مصباح يجعله كل مرة يتساءل عن المدرسة التى أخذ منها والتي جعلته يقف في وجه التحول الذي عرفته الجزائر وهو الأمر الذي ليس بالهين على -حد قوله- فهو وقف في وجه سلطان مغتر وفاء لقيمه وانجازات التى تحققت في الثورة لاسيما وأن الكثير من الجزائريين اغتروا بعد ذلك.

لهذا فإن معرفتنا بالشيخ مصباح تجعلنا نعتز بهؤلاء الذين قدموا الكثير من أجل الإبقاء على قيم الدين والثورة برغم الظروف والصعوبات التى واجهوها، غير أنهم لم يتراجعوا،  وأضاف عياد أن كل جزائري يجب عليه أن يفتخر، لأن هؤلاء الشيوخ أعادوا الاعتبار للهوية الجزائرية التي أراد البعض طمسها.

الداعية بوجمعة لوراري: تكريم الشيخ مصباح جاء ردا على الإساءة لرسول الله

لم يشأ الداعية بوجمعة لوراري أن يفوت الندوة التكريمية التى أقيمت على شرف الشيخ مصباح دون أن يؤكد على أنها جاءت في وقتها وردا على حملة الإساءة لرسول الله عليه الصلاة والسلام الذي أوصى بالعلماء.

مؤكدا على أنه لم يتعرف شخصيا على الشيخ مصباح، لكن البحوث التى قام بها لمعرفة هذه الشخصية التى قدمت الكثير للبلاد جعلته يتأكد من الدور الكبير الذي قدمه هؤلاء العلماء من أجل الحفاظ على الهوية الوطنية والإسلامية، وأضاف لوراري أن تكريم جريدة “الشروق” لهذه الشخصية في هذا الوقت بالذات سيكون بمثابة الرد على الحملة التى شنها الغرب إساءة لرسول الله محمد من خلال تكريم العلماء ورثة الأنبياء.

الشيخ جلول حجيمي: “الشيخ مصباح من القلائل الذين صدعوا بالحق

قال الأمين العام للتنسيقية الوطنية للائمة وموظفي الشؤون الدينية والأوقاف “أن مصباح كان صاحب منهج معتدل، صادقا في دعوته، يقول الحق ولا يخاف من أحد، ثابتا في الدفاع عن ثوابت الأمة، فهو من الرجال القلائل الذين صدعوا بالحق وكان لهم البلاء الحسن”.

أحمد بن موسى الشحمة أستاذ بمعهد دار الإمام لتكوين الأئمة: كان له الفضل في نشر الإصلاح في الجزائر

قال أحمد بن موسى، إن الشيخ حويذق عانى من ويلات الاستعمار وتجاوزات الذين حكموا بعد الاستقلال، وهذا التكريم جاء في وقته، فنحن في وقت تكالبت علينا الأمم حتى يردوننا عن هويتنا ونهجنا المعتدل الذي بناه أمثال الشيخ حويذق رحمة الله عليهم.

نجيب حمان تلميذ العلامة حويذق مصباح: “كان مثلنا الأعلى في الوطنية والتمسك بالدين

قال نجيب حمان، أحد من تتلمذ على يد العلامة مصباح في ثانوية عبان رمضان بالعاصمة “كنا نعتبره مثلنا الأعلى في ذلك الوقت، إذ كان مدرسنا في اللغة العربية وإمامنا في المسجد، حيث كان جد صارما لا يتساهل مع الواجبات، والدليل على ذلك أن الجيل الذي درس عند العلامة أصبحوا كلهم الآن إطارات في الدولة.

وأضاف نجيب حمان أن الشيخ حويذق كان إماما ومدرسا بالإضافة على عمله مع الشيخ البشير الإبراهيمي في إطار جمعية العلماء المسلمين، إذ كانا يقومان ببناء المدارس وتدشينها ومن بينها مدرسة النصر والمحافظين بالعاصمة.

محمد السعيد بوقابس أستاذ متقاعد: الشيخ مصباح كان إسما على مسمى

قال محمد السعيد بوقابس “إن العلامة حويذق مصباح اسم على مسمى، فقد أنار الطريق للشعب الجزائري في وقت كانت الأمة بحاجة إلى مصباح تستنير به وهي تحت نير الاستعمار، وكان أمثال العلامة مصباح يصدحون بالحق ونشر الوعي بين الجزائريين، وأضاف بوقابس أن مجمع الشروق كان له السبق في تكريم علماء الأمة، وأصبحت سنة حميدة تقتدي بها الأجيال القادمة إن شاء الله.

عبد الرحمان سعيدي: الشيخ نحناح كان يعتبر الشيخ مصباح أبا الوسطية

أثنى عبد الرحمان سعيدي القيادي في حركة حمس على مبادرة مجمع “الشروق”، وقال إننا نضع أيدينا مع أيديكم من أجل إحياء تراث وسيرة رجال الجزائر، الذين كانوا مثالا للاعتدال والوسطية، ومنهم العالم الكبير حويذق مصباح، والبشير الإبراهيمي، وعبد الحميد بن باديس، والكثير الذين نسيناهم عن قصد أو غير قصد، وأضاف سعيدي أن الشيخ محفوظ كان يبجل هؤلاء العلماء ودائما ما كان يستشهد بأقوالهم وخصالهم.

لقطات من حياة الشيخ مصباح حويذق بالحراش

ـ إذا ما كانت مقابلة تجرى في ملعب الحراش تحيّن الشيخ الفرصة للدخول إلى الملعب بين الشوطين وإلقاء كلمة يعظ بها ويذكر بها من حضر هناك.

ـ إذا مر الشيخ مصباح في أزقة الحراش أغلقت الحانات أبوابها رهبة منه.

ـ كان المصلون بمسجد الحراش يرفضون كل وافد جديد من طرف الوزارة، بل بلغ بهم الحد إلى مرافقته إلى مخفر الشرطة كلما استدعته للتحقيق معه، مهددين بعدم المغادرة إلا وإمامهم معهم.

ـ قال الشيخ عبد اللطيف سلطاني رحمه الله في عارضة أرسلها إلى رئيس مجلس الثورة والحكومة: نذكركم وأنتم بدون شك على علم ما لقيه بعض العلماء من الزج بهم في سجن الحراش مع القتلة واللصوص والمجرمين، بتهم لم تر العدالة لها قيمة فأفرجت عنهم، وهاهو اليوم خطيب جامع الحراش الشيخ مصباح الحويذق مبعد عن بيته إلى الصحراء كأنه أجرم وأتى بكبائر الإثم والعدوان، مع اعتلال صحته وكبره.

لا تعليقات

اترك تعليق

آخر التغريدات:

    Message: Sorry, that page does not exist., Please check your Twitter Authentication Data or internet connection.