مؤلفات مولود قاسم نايت بلقاسم محاورها الفكرية وقيمتها العلمية

مؤلفات مولود قاسم نايت بلقاسم محاورها الفكرية وقيمتها العلمية

بقلم: د. مسعود فلوسي-

من الصعوبة بمكان رصد كل الإنتاج الفكري الذي أدبر عنه الأستاذ مولود قاسم نايت بلقاسم رحمه الله، فالرجل الذي عاش قبل الثورة وأثناءها طالبا وساهم فيها بنشاط فكري واسع وألقى محاضرات كثيرة في أنحاء مختلفة من العالم تعريفا بهذه الثورة، ثم واكب مرحلة الاستقلال وتقلد خلالها المسؤولية السياسية، ومن موقعه كوزير مكلف بالتعليم الأصلي والشؤون الدينية، كانت له أنشطة فكرية وثقافية كثيرة، لاسيما من خلال ملتقى الفكر الإسلامي الذي أشرف عليه شخصيا مدة تزيد على العشر سنوات.. هذا الرجل كان له من الإنتاج الفكري الكثير الغزير، لكنه لم يُتَح له من الوقت والظروف ما يُمَكِّنُه من جمع كل هذا الإنتاج وتقديمه إلى القارئ في الجزائر والعالم العربي والإسلامي مجموعا في مؤلفات.

فابتداء من سنة 1947م، بدأ مولود قاسم ينشر مقالاته الفكرية، حيث نشر ما بين 1947 و1949 في جريدة “المغرب العربي” في الجزائر، و”الثمرة الأولى” و”لسان العرب” و”الحرية” في تونس، وما بين 1951 و1954 في جريدة “المنار” و”صوت الشعب” في الجزائر، وخلال 1953 في “البيان” و”الفيحاء” و”الزمان” و”النصر” في سوريا. وكذلك في مجلة “علم النفس” القاهرية فيما بين 1950 و1954م، ثم في (Die tat) في سويسرا، و(Die arabische) التي كان يصدرها مكتب جامعة الدول العربية في ألمانيا الاتحادية في السنوات الأربع الأخيرة من الخمسينات من القرن الماضي.

كما ألقى مولود قاسم عشرات المحاضرات أثناء الثورة، في الأكاديمية الإنجيلية في إيزرلون في ألمانيا الاتحادية، وفي الجامعات الشعبية والمعاهد التربوية العليا في النمسا والسويد وفنلندا، في أواخر الخمسينات وبداية الستينات من القرن الماضي، كما قدم أحاديث في تلفزة ألمانيا وتلفزة لندن.

كل هذه الأعمال لا نعرف عنها شيئا، ولم يتم جمعها وتقديمها للقارئ في صورة كتب منشورة ومتداولة.

كما أن الكثير من المحاضرات التي ألقاها مولود قاسم والمقالات التي كتبها بعد الاستقلال، وخاصة تلك التي كتبها في “المجاهد” اليومية بالفرنسية و”الجزائر الأحداث” بالفرنسية أيضا، وكذا تلك المحاضرات والمقالات التي كتبها بعد خروجه من الوزارة، والمقابلات الصحفية التي أجريت معه، لم تُجمع ولم تُنشر، رغم أنها تمثل زادا ثقافيا غزيرا.

وهكذا، وجدنا مؤلفات مولود قاسم المنشورة قليلة مقارنة مع موسوعية الرجل الفكرية واطلاعه الواسع ومداخلاته التي لا تُحْصى في الملتقيات والمؤتمرات ومقالاته الكثيرة في الصحف والمجلات.

لكن عزاءنا في ذلك؛ أن ما نُشر من إنتاج مولود قاسم كافٍ –نوعا ما- لتقديم صورة مجملة وتقريبية عن فكر هذا الرجل الفذ، وقسماته، وخصائصه، ومدى فائدته للباحثين وطلبة العلم من أجيال الجزائر الحاضرة والقادمة.

ونقدم فيما يلي عرضا توصيفيا للمؤلفات التي نُشرت للمرحوم مولود قاسم في حياته رحمه الله، ثم نتبعه بمحاولة الكشف عن المحاور الرئيسة التي دارت حولها هذه المؤلفات، وكذا إبراز القيمة العلمية لهذا الإنتاج الفكري.

أولا: مؤلفات مولود قاسم المنشورة:

مؤلفات مولود قاسم التي نشرت في حياته رحمه الله، لا يتعدى عددها الخمسة، وهي:

1- كتاب (الجزائر Algérien):

نُشر هذا الكتاب في ألمانيا وباللغة الألمانية، من قِبَل مكتب الجامعة العربية في بون (Arabische Liga, Bonn) أثناء الثورة سنة 1957م. وهو يمثل مجموع المداخلات والمحاضرات التي ألقاها مولود قاسم أيام الثورة التحريرية باسم جبهة التحرير الوطني عندما كان مقيما في أوربا، في جامعات ومؤسسات ألمانيا الاتحادية والنمسا وهولندا وبولونيا، حيث كان يقوم بأداء واجبه في مناصرة الثورة والتعريف بها وحشد الدعم لها.

ومن المؤسف فإن هذا الكتاب لم يتم إعادة نشره ولا ترجمته إلى العربية، وهو ما حرم قراء هذه اللغة من قراءته والاطلاع على ما فيه بالرغم من كونهم أحق الناس بذلك.

ولسنا ندري لماذا زهد مولود قاسم رحمه الله في أن يقوم بذلك بنفسه أثناء حياته؟

2- إنية وأصالة:

سفر ضخم من 654 صفحة، يجمع بين دفتيه المقالات التي كتبها مولود قاسم في مجلة (الأصالة)، مضافا إليها محاضراته الكثيرة التي ألقاها في أوقات متلاحقة ومناسبات مختلفة، وكذا تعليقاته وتدخلاته الكثيرة أيضا أثناء جلسات ملتقيات الفكر الإسلامي إلى سنة 1975م، حيث إن الرجل على الرغم من أنه كان وزيرا إلا أنه كان يُتابِع كل ما يُقال في أثناء المحاضرات ويسجل ملاحظاته ثم يقوم ليعقب على ما قيل، وأحيانا يتحول تعقيبه إلى محاضرة بأكملها.

وقد سُجلت هذه التعقيبات والتعليقات وجمعت في هذا الكتاب.

نشرت هذا الكتاب وزارة التعليم الأصلي والشؤون الدينية، وطبعته مطبعة دار البعث بقسنطينة سنة 1395 هـ، 1975م، ولم تتم إعادة طباعته بعد ذلك مرة أخرى، رغم أهميته وحاجة القراء عامة والطلاب والباحثين بالخصوص إليه.

يجمع الكتاب بين دفتيه ستة وسبعين موضوعا، بعد المقدمة التي أنشأها المؤلف خصيصا للكتاب عند تهيئته للنشر. وقد روعي في ترتيب الموضوعات في هذا الكتاب التتابع الزمني، ولم يُراعَ فيه جانب وحدة الموضوع، وكان ذلك بقصد من المؤلف رحمه الله ليتيح للقارئ متابعة تطور الأفكار وملاحظة تنوع الأسلوب بتنوع الدواعي بين ما هو محاضرة وما هو تعليق وما هو مقالة أو بحث.

وقد أطلق المؤلف على مجموع ما تضمنه هذا الكتاب عنوان (إنية وأصالة)، وأراد بذلك أن كل موضوعات الكتاب تدور حول فكرة أساسية أو إشكالية رئيسة عبر عنها المؤلف بقوله: (كيف نكون أبناء عصرنا، مع البقاء على أديم مصرنا، ودون أن نصبح نسخة من غيرنا؟).

وبالفعل، فنحن حين نوالي قراءة الموضوعات المدرجة في الكتاب نجدها لا تخرج عن هذه الفكرة المحورية، بل إن الكثير من العناوين الواردة تتضمن كلمة (الأصالة) أو كلمة (المعاصرة) أو الكلمتين معا، أو كلمات تؤدي المعنى نفسه.

يؤكد المؤلف في مقدمة الكتاب أنه أقدم على إخراجه، لدواع ثلاث: أولها؛ كثرة الطلب من داخل الوطن وخارجه من العلماء والباحثين الذين رغبوا في جمع ما توزع من آراء المؤلف في المجلات والجرائد وعلى أشرطة التسجيل. وثانيها؛ الرغبة في توثيق الكلام ونشره كما أراده صاحبه دفعا للنقول المغشوشة التي عادة ما تقُصُّ الكلام عن سياقه وتنقله إلى سياقات أخرى أو تعطيه تفسيرات مختلفة مما يوقع في الخلط والخبط. وثالثها؛ العمل بالتقليد الحسن الشائع في الشرق والغرب القاضي بلمِّ النصوص المتفرقة في سجلات تلم شتاتها.. ونسجل نحن هنا أن هذا التقليد لم يُعمل به في الجزائر إلا نادرا، ويمكن أن نذكر هنا أعمال كل من عبد الله شريط ومولود قاسم وأبو القاسم سعد الله ويحى بوعزيز. أما أكثر المفكرين والعلماء الجزائريين فقد ظلت مقالاتهم ومحاضراتهم رهينة الصحف والمجلات والتسجيلات ولم يتم جمعها في سجلات أو مؤلفات جامعة تلم شتاتها وتجمع ما تفرق منها، نذكر من هؤلاء مثلا: مبارك الميلي، الطيب العقبي، العربي التبسي، أحمد حماني، أحمد بن ذياب، عبد الرحمن شيبان، المهدي البوعبدلي، علي مرحوم، عبد المجيد مزيان، إسماعيل العربي، بوعمران الشيخ، عبد الرزاق قسوم، وغيرهم كثيرون.

3- أصالية أم انفصالية؟

كتاب كبير هو الآخر يقع في مجلدين كاملين، يتكون الأول منهما من 416 صفحة، والثاني من 428 صفحة.

وهو كذلك يمثل جملة مقالات كتبها مولود قاسم في (الأصالة)، مضافا إليها الكثير من تدخلاته وتعليقاته أثناء ملتقيات الفكر الإسلامي التي نُظِّمت بعد سنة 1975م إلى غاية سنة 1979م.

نشرت هذا الكتاب أيضا وزارة التعليم الأصلي والشؤون الدينية، وطبعته كذلك مطبعة دار البعث بقسنطينة سنة 1400 هـ، 1980م، وأعادت تصويره المؤسسة الوطنية للكتاب بالجزائر العاصمة سنة 1411 هـ، 1991م.

بلغ عدد موضوعات الكتاب سبعة وخمسين موضوعا، تدور في معظمها في إطار نفس موضوع كتاب (إنية وأصالة)، مع الالتفات إلى بعض القضايا الفكرية الأخرى التي دعت الظروف إلى الاهتمام بها، لكن الفكرة المحورية هي دائما قضية الأصالة والمعاصرة وكيفية التوفيق بينهما.

ما يلفت الانتباه في هذا الكتاب هو تلك المقدمة المطولة التي كتبها المؤلف، والتي طالت وامتدت حتى صفحة 72، وهي بذاتها يمكن نشرها في كتيب مستقل، والغريب أن هذه المقدمة منشورة في كلا الجزئين، ولسنا ندري إن كان ذلك مقصودا أو مجرد خطأ في أثناء الطباعة؟.

في هذه المقدمة يتحدث المؤلف بمرارة، ظاهرة في كل سطر وفي كل عبارة، عن الظروف العصيبة التي تمر بها أمة الإسلام في هذا العصر، تلك الظروف التي أوقعت فيها الأمة نفسها بنفسها بسبب إعراضها عن قيمها وتعلقها بالخرافات واشتغالها بالانحرافات. ويؤكد أنه ليس للأمة من سبيل للخروج مما تعانيه إلا بالتمسك بالأصالة المقرونة بالمعاصرة.

يتحدث المؤلف كذلك بالتفصيل عن مظاهر الانحراف الأخلاقي في واقع المسلمين، ويثبت أن الطريق إلى الخروج من هذا الواقع الكئيب يتمثل في العودة إلى الإسلام والالتزام بقيمه وتعاليمه، ويؤكد أن ذلك ليتحقق لابد من الاهتمام بالتربية والتعليم والثقافة والتاريخ.

ويتحدث عن التراث الإسلامي وأهميته وسبل الاستفادة منه، وضرورة غربلته وأخذ أحسن ما فيه وترك ما لا نفع ولا فائدة من ورائه.

كما يشير إلى ما يتردد في الغرب وينعكس في العالم الإسلامي من تشويه لصورة الإسلام، من خلال التركيز على بعض أحكامه التي لا تتوافق مع العقلية الغربية المتحررة من كل القيم والمبادئ. ويكشف أن التركيز على هذه الأحكام وعدم الكف عن ترديدها -رغم ما أبانه علماء الإسلام من حكمتها ومقاصدها- إنما ينم عن روح صليبية حاقدة، همها تشويه الإسلام وطمس صورته.

ولم يفت المؤلف أن يعرج على قضية المرأة التي عادة ما تثار في وجه الإسلام، إذ يتهم بانتقاصه من قيمتها، ويؤكد أن أحكام الإسلام كلها إنما جاءت ترفع من شأن المرأة وتعلي من قيمتها وتفسح المجالات المختلفة أمامها إلا ما يتعارض مع طبيعتها وفطرتها.

إن هذه المقدمة هامة جدا، وهي تعبير صادق ومركز عن قسمات فكر مولود قاسم واهتماماته وأمانيه وآماله رحمه الله.

4- ردود الفعل الأولية داخلا وخارجا على غرة نوفمبر أو بعض مآثر فاتح نوفمبر:

كتاب متوسط الحجم، يقع في 254 صفحة، نشرته دار البعث بقسنطينة سنة 1403 هـ، 1983م، وأعادت نشره وزارة الشؤون الدينية والأوقاف سنة 1423 هـ، 2003م، بمناسبة الذكرى الأربعين لعيد الاستقلال والشباب، حيث طبعته وحدة الرويبة للمؤسسة الوطنية للاتصال والنشر والإشهار.

الكتاب –كما هو واضح من عنوانه- رصد وتتبع لردود الفعل الأولى التي أعقبت إعلان اندلاع ثورة أول نوفمبر 1954م، سواء منها تلك الردود التي صدرت في داخل الجزائر من أشخاص أو هيئات، أو تلك الردود التي ترددت في الخارج سواء في فرنسا الدولة المستدمِرة التي قامت الثورة ضدها أو في الدول الأخرى ومنها بالخصوص دول العالم العربي والإسلامي.

قسم المؤلف كتابه بعد مقدمة موجزة إلى ثلاثة فصول.

تناول في الفصل الأول الذي هو بمثابة تمهيد عام للدخول في صلب الموضوع؛ الوضعَ العام الذي كان قائما في كل من فرنسا والجزائر خلال سنتي 1953 و1954، حيث رصد أهم الأحداث السياسية التي جرت في فرنسا أو في المستدمرات التي كانت تابعة لها أو الدول التي كانت تربطها بها علاقات من نوع ما. كما تتبع ما كانت عليه الأوضاع في الجزائر خلال هذه المرحلة، حيث سجل أحوال الأحزاب السياسية التي كانت ناشطة في ذلك الحين وطبيعة توجهاتها السياسية. كما وصف في نهاية هذا الفصل حال الجزائر قبل أسبوع واحد من انطلاق الثورة، ثم اندلاعها بعد ذلك.

أما الفصل الثاني، فقد خصصه المؤلف للحديث عن ردود الفعل الأولية على اندلاع ثورة أول نوفمبر في كل من الجزائر وفرنسا، وقسمه إلى مبحثين.

تناول في المبحث الأول ردود الفعل الأولى في الجزائر، حيث أبرز مواقف الأحزاب الجزائرية من انتصاريين ومصاليين وبيانيين وعلماء وشيوعيين، ثم مواقف كل من الإدارة الاستدمارية وبعض النواب الفرنسيين ورجال الكنيسة، وأخيرا تحدث عن مواقف السكان الفرنسيين والصحافة الفرنسية في الجزائر.

أما المبحث الثاني، فأداره المؤلف حول ردود الفعل على اندلاع الثورة في فرنسا، حيث رصد مواقف كل من الحكومة الفرنسية ممثلة في رئيسها ووزير داخليتها وكاتبها للدفاع، ومواقف الشخصيات من رجال الفكر أو المسؤولين السابقين، ومواقف الأحزاب والصحافة.

ليأتي بعد ذلك الفصل الثالث والأخير في الكتاب، الذي يعرض ردود الفعل الأولى على أول نوفمبر خارج كل من الجزائر وفرنسا. فبعد تقديم ضروري من أكثر من عشرين صفحة، تناول المؤلف في المبحث الأول ردود الفعل لدى دول أمريكا وأوربا الغربية وروسيا، ثم ردود الفعل في الصحافة الأوربية والأمريكية، وعرض عينات من الصحافة السويسرية والانجليزية والألمانية الغربية والأمريكية.

وفي المبحث الثاني أورد المؤلف ردود الفعل الأولية في العالم العربي والإسلامي لدى الدول والشخصيات، فأبرز موقف الجامعة العربية ومواقف الوفود المغاربية في القاهرة.

وفي المبحث الثالث والأخير أكد المؤلف أن الثورة الجزائرية كانت السبب في التعجيل باستقلال العديد من الدول المستدمَرة المغاربية والافريقية، وأورد البراهين الناصعة والحجج الدامغة المثبتة لذلك.

5- شخصية الجزائر الدولية وهيبتها العالمية قبل سنة 1830:

كتاب من جزئين، الأول في 256 صفحة، والثاني في 396 صفحة، وقد نشرته دار البعث بقسنطينة سنة 1985م.

الكتاب عبارة عن دراسة علمية مركزة تتناول بالتفصيل رصد الهيبة العالمية التي كانت تحظى بها الجزائر كدولة قوية ذات كلمة نافذة في حوض البحر الأبيض المتوسط قبل أن تتعرض للاستدمار الفرنسي سنة 1830م.

يتحدث المؤلف في مقدمة الكتاب عن الأسباب التي دعته إلى الإقدام على إنجاز هذه الدراسة، والتي منها إنكار البعض أن يكون للجزائر وجود كأمة من الأمم قبل تعرضها للاستدمار، هؤلاء الذين أرادوا تمزيق صفحات ذهبية تمتد إلى قرون ثلاثة من تاريخنا وتلك هي فترة الحكم العثماني بالجزائر. ويقتبس المؤلف نصوصا كثيرة تتضمن هذه الدعوى الزائفة.. كما يركز المؤلف في هذه المقدمة على قضية المروحة ويؤكد أنها لم تكن سوى تبرير فقط للحملة الفرنسية على الجزائر، وإلا فإن نية الاحتلال والاستدمار كانت قائمة من قبل. كما يفند المؤلف دعوى كره الجزائريين للعثمانيين، ويثبت أنها مجرد أكذوبة أريد بها اقتطاع العهد العثماني من التاريخ الجزائري.

بعد هذه المقدمة عقد المؤلف مدخلا تمهيديا، أكد فيه عراقة الأمة الجزائرية وامتدادها في التاريخ، وأن هذه الأمة ظلت ثلاثة قرون متوالية سيدة البحر الأبيض المتوسط، وكانت تؤدي دورا محوريا في العلاقات الدولية، وتحسب لها الدول الأخرى ألف حساب. ثم أورد نصوصا كثيرة لمؤرخين فرنسيين وحتى كتاب عرب يحاولون فيها إنكار أن تكون الجزائر قد تكونت كأمة في يوم من الأيام. ثم يكر المؤلف على هذه الدعاوى بالنقض ويؤكد بالوثائق أن الجزائر كانت قائمة كأمة ذات كيان وسيادة منذ العصر النوميدي والعهد الإسلامي. ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى الحديث عن بداية العلاقات بين الجزائر والدولة العثمانية، تلك التي تعود إلى تلك المرحلة الحرجة من تاريخ الجزائر والتي شهدت تعرضها إلى الغارات الأجنبية مما جعلها تستنجد بعدد من البحارة العثمانيين لمساعدتها على رد تلك الغارات. ويعتبر المؤلف هذا التحالف بين هؤلاء البحارة والجزائريين، الذي أدى إلى نشأة الدولة الجزائرية الحديثة سنة 1516م، الدرع الواقي الذي حفظ المغرب العربي كله من الذوبان والتلاشي أمام الغارات الأوربية والأمريكية. ويبين المؤلف أن الجزائر تمكنت بعد ذلك من صد كل الغارات التي شُنت على سواحلها، بل أصبحت مع الزمن قوة بحرية ضاربة في البحر البيض المتوسط، مكنتها من أن تفرض ضرائب على الدول التي تمخر سفنها عباب البحر لضمان أمن هذه السفن وضمان الجزائر لأمنها الذاتي.

على إثر هذا المدخل، عقد المؤلف فصلا مطولا للحديث عن أولية ومآل العلاقات بين الجزائر والخلافة العثمانية وأوروبا والولايات المتحدة قبل سنة 1830م، ويتحدث بالتفصيل مستشهدا بالوثائق المكتوبة بلغات مختلفة، عن طبيعة هذه العلاقات، وما أفرزته من معاهدات بين الجزائر كدولة ذات سيادة وكيان مستقل وبين هذه الدول كلها. وفي السياق يتحدث المؤلف عن علاقات الجزائر بكل من: الدولة العثمانية، الفاتيكان، إيطاليا، البرتغال، ألمانيا، روسيا، الدانمارك، السويد، هولاندا، اسبانيا، بريطانيا، الولايات المتحدة الأمريكية.

هذا فيما يتعلق بمضمون الجزء الأول من الكتاب، أما الجزء الثاني منه، فخصه المؤلف للحديث عن العلاقات بين الجزائر وفرنسا قبل سنة 1830م، فيتحدث في البداية عن نشأة العلاقات الجزائرية الفرنسية والمعاهدات التجارية الأولى التي قامت بينهما، والمساعدات التي قدمتها الجزائر لفرنسا قبل سنة 1830م. كما يتحدث أيضا عن النوايا العدوانية الفرنسية ضد الجزائر منذ القرن الثالث عشر، ويورد بالتفصيل المشاريع التي سبق أن خُططت للاعتداء على الجزائر من قبل ملوك فرنسا، ثم الغارات العدوانية التي شنتها فرنسا على الجزائر والحروب التي قامت بينهما.

وخص المؤلف المعاهدات بين الجزائر وفرنسا بفصل مستقل، حيث عرف بالتفصيل بالمعاهدات الخمسة والستين التي أبرمت بينهما قبل الاحتلال.

وعقد الفصل الأخير من الكتاب للحديث عن العدوان الاستدماري الفرنسي على الجزائر سنة 1830 وأسبابه، وكذا المعاهدات التي عقدت بين فرنسا والجزائريين بعد الاحتلال، بدءا من اتفاقية تسليم الجزائر العاصمة بين الداي حسين وشارل العاشر في جويلية 1830، إلى اتفاقيات ايفيان في مارس 1962.

يعود المؤلف بعد ذلك للحديث عن العهد العثماني في الجزائر، ويؤكد أن التهم التي أريد إلصاقها به ما هي إلا تشكيكات سخيفة، لا تقوم أمام النقد العلمي. ويورد المؤلف خمسة من هذه التهم، ويكر عليها بالنقض، ويثبت أنها مجرد مفتريات لا أساس لها من الصحة.

ينتهي المؤلف في الأخير إلى خلاصة عن شخصية الجزائر الدولية وهيبتها العالمية قبل سنة 1830، مؤكدا أن تلك الهيبة كانت تتمثل في أن الدول الكبرى رغم ما كانت تحيكه من مؤامرات ضد الجزائر، كانت مع ذلك مضطرة لأن تدفع لها الضرائب الباهضة، بل وتحاول التقرب منها أكثر، وتستنجد بعضها بالأخرى للتوسط لديها، وعندما لا ينفعها ذلك تهرع إلى الخلافة العثمانية علها تتدخل، وعندما لا يجديها ذلك ترضخ لإرادة الجزائر وتقبل بأحكامها عليها مقابل حماية سفنها من أي عدوان يمكن أن تتعرض له من أي طرف كان.

ينتهي المؤلف في الأخير إلى التأكيد على أهمية التاريخ وضرورة العناية به، ويذكر بأهمية الوثائق والمحافظة عليها.

ما يمكن التأكيد عليه هنا؛ أن هذا الكتاب مليئ بالوثائق المصورة عن أصولها الخطية والمطبوعة، وهي وثائق نادرة، ومكتوبة بلغات عالمية مختلفة، ولا شك أن المؤلف قد بذل جهودا جبارة في سبيل الحصول عليها. وهذه الوثائق هي التي جعلت الكتاب في القمة من حيث الطرح العلمي والتوثيق المنهجي.

ثانيا: المحاور الرئيسة التي دارت حولها أعمال مولود قاسم:

تندرج أعمال مولود قاسم ضمن جملة من المحاور الفكرية التي فرضتها الظروف الثقافية والسياسية والتاريخية التي عاشها المجتمع الجزائري خلال عشرين سنة، أي بداية من استعادة السيادة الوطنية في بداية الستينات إلى بداية الثمانينات من القرن الماضي.

ولست هنا بصدد تحليل أو عرض أفكار مولود قاسم في هذه القضايا ومواقفه منها، وإنما أكتفي فقط بإثارتها وتنبيه الباحثين إليها، مع الإشارة إلى مواضعها من مؤلفاته، حتى يتسنى الوقوف عليها لمن يريد الرجوع إليها ودراستها بتوسع.

ويمكن القول أن أهم القضايا التي شغلت الرأي العام الوطني والساحة الثقافية والفكرية الجزائرية، خلال تلك المرحلة، ووجدت صداها الواسع في فكر مولود قاسم هي:

أ- قضية الأصالة والمعاصرة:

شغلت قضية المحافظة على الأصول مع مواكبة معطيات العصر، فكر مولود قاسم، واستأثرت بجانب كبير من اهتماماته، خاصة في تلك الفترة الحرجة التي مر بها العالم الإسلامي عامة والجزائر خاصة في السبعينات من القرن الماضي، حيث كانت هناك موجة حادة من الهجوم على كل ما هو التزام بالإسلام ومحافظة على أحكامه وتعاليمه في المظهر والمخبر. هذه الموجة التي كان هناك ما يبررها من سلوك كثير من المسلمين الذين لم يفهموا الإسلام حق الفهم، وتصوروا أنه جملة من المظاهر والسلوكات والأفكار التي ينبغي الجمود عليها دون أدنى استعداد لتغييرها، مع أن هذه المظاهر والأفكار والسلوكات هي في كثير من الأحيان ليست من صميم أحكام الإسلام وتعاليمه وإنما هي إفرازات لمرحلة التخلف والانحطاط التي مرت بها أمة الإسلام في الحقب الأخيرة من تاريخها الطويل.

وبحكم أن مولود قاسم رحمه الله كان يرابط على ثغر هام من ثغور الإسلام، وهو وزارة التعليم الأصلي والشؤون الدينية، ويشرف في كل سنة على عقد وتنظيم ملتقى الفكر الإسلامي، كان يلاحظ ما ينشأ من مناقشات وما يظهر من إفرازات فكرية وسلوكية متعلقة بهذه القضية، فكان لا بد أن تشغل اهتمامه وأن تستأثر بجانب كبير من فكره.

يظهر هذا في كثير من الموضوعات المنشورة في كتابيه (إنية وأصالة) و(أصالية أم انفصالية؟)، حيث نقف على عناوين بارزة وتعليقات مطولة تدور حول هذه القضية، ويمكن الإشارة هنا إلى بعض تلك العناوين.

ففي كتاب (إنية وأصالة)، إلى جانب المقدمة نجد مثلا العناوين الآتية: الإنية والأصالة، أمتم علينا ديننا أماتكم الله، تفتح لا انفتاح، أصالتنا تعني لا إغلاق الأبواب والنوافذ ولا إزاحة السقوف والرفوف، نتسامح ولكن لا نسمح في قيمنا، أبعدوا عنا الخمريات والغلاميات وأعطونا موسيقى وطنية ذات بعد عالمي، بقدر أصالتنا يكون إسهامنا في الفكر الإنساني، معنى التعليم الأصلي، هل كان صوت عائشة عورة؟، عمائم أم غمائم؟، إنما الأمم، اعتبار ماضينا لبناء المستقبل، الإنية والأصالة مع التفتح والعالمية، الانحلال بداية الاضمحلال، الأصالة تتضمن التفتح ونحن من أنصار الحوار مع الجميع، إنيتنا أو مَنِيَّتُنا، الإسلام نظام شامل والعيب فينا… الخ.

وفي كتاب (أصالية أم انفصالية؟)، نقف كذلك بعد المقدمة المطولة، على جملة من العناوين، ومنها مثلا: الأصالة ليست التقوقع ولا التفرقع، الإسلام دنيا وآخرة، يعاب إسلامنا والعيب فينا، أنيام في خيام ألا من قيام؟، استهلاك أم هلاك؟، صناعة ومناعة، لا قيام بدون قيم، التمسك لا التنسك، العلم عمل، المسجد جامع وجامعة… الخ.

ب- المحافظة على الهوية الوطنية الجزائرية:

لاحظ مولود قاسم ما واكب مرحلة استعادة السيادة الوطنية من محاولات لطمس الهوية الوطنية وتغريب المجتمع الجزائري، فمن جهة كانت هناك محاولات لتشويه صورة الإسلام واتهامه بالقصور، ومن جهة ثانية كانت هناك محاولات للتملص من اللغة العربية واحتقارها والعمل على تغييبها من واقع المجتمع الجزائري.

بذل مولود قاسم أثناء وجوده على رأس وزارة التعليم الأصلي والشؤون الدينية جهودا جبارة في المحافظة على مقومات الهوية الوطنية، وإلى جانب هذه الجهود العملية كان يصارع ويكافح وينافح عن هذه المقومات بفكره متمثلا في قلمه ولسانه.

وقد كانت ملتقيات الفكر الإسلامي وأعداد مجلة (الأصالة) منابر استثمرها مولود قاسم أحسن استثمار في المنافحة عن مقومات الشخصية الوطنية الجزائرية.

يظهر هذا أيضا فيما نقف عليه من عناوين لمقالات وتعليقات في كتابيه (إنية وأصالة) و(أصالية أم انفصالية؟).

ففي مجال الدفاع عن الإسلام والكشف عن حقيقة تعاليمه وسموها وحاجة المجتمع الجزائري إليها وتنقيتها مما علق بها، نقف في كتاب (إنية وأصالة) على هذه العناوين: الإسلام ثورة شاملة، جمعة أو أحد؟، جامع كتشاوة عاد إلى أصله ومتى تعود الجمعة؟، الفكر العربي والفكر الإسلامي، نتسامح ولكن لا نسمح في قيمنا، الإسلام دين ودولة ونظام اجتماعي كامل، بعد أربعة عشر قرنا من نزول “اقرأ” أمة أمية لا تكتب ولا تحسب، توحيد الصوم والأعياد من اهم مظاهر الوحدة الإسلامية، خرافة الفصل بين الدين والدولة في أوربا وأمريكا، كنتم خير أمة، دور علماء الإسلام كما كان بالأمس وينبغي أن يكون اليوم ودائما، لا ضرر ولا ضرار، الإسلام نظام شامل والعيب فينا. وفي كتاب (أصالية أم انفصالية؟)، نجد: الإسلام دنيا وآخرة، شعب الجزائر مسلم، يعاب إسلامنا والعيب فينا، مفهوم العدالة الاجتماعية في الإسلام، العمل عبادة، العروبة بدون الإسلام جاهلية.

وفي مجال الدفاع عن اللغة العربية والعمل على دحر الهجمات التي تشن عليها، نقرأ في (إنية وأصالة): تعريب الأمخاخ والقلوب قبل تعريب الألسنة، قيمة اللغة في نظر بعض الأمم، تكلم لغة قومك، علمية العربية ماضيا ومستقبلا، اللغة والشخصية في حياة الأمم، بربريسك

ج- تنقية تاريخ الجزائر مما علق به من تزييف وتحريف:

اهتم مولود قاسم نايت بلقاسم رحمه الله بتاريخ الجزائر اهتمام خاصا، وخصص له جانبا كبيرا من أنشطته الفكرية، من كتابات ومحاضرات، سواء في أثناء مرحلة ثورة التحرير، أو في مرحلة ما بعد استعادة السيادة الوطنية، وقد ظل هذا الموضوع يشغله رحمه الله إلى أن لحق بربه عز وجل.

فإلى جانب كتابه (الجزائر) المنشور بالألمانية، والذي عرف فيه بجوانب من شخصية الجزائر وتاريخها، وإلى جانب تكريسه لكتابين كاملين عن تاريخ الجزائر ومكانتها الدولية وعظمة ثورتها التحريرية.

إلى جانب هذه الكتب الثلاثة، نقف في كتابيه الآخرين على كثير من الموضوعات المكرسة للإبانة عن عراقة الشخصية الجزائرية وحضورها العالمي عبر التاريخ.

فنقرأ في كتاب (إنية وأصالة): مغزى الاحتفال بذكرى أمجادنا، كفاح أمة، العيد عيدان عاشر وألفي والذكرى ذكريات، تحية إلى بلكين، لماذا تاريخ الجزائر في هذه الملتقيات؟، إلياذة الجزائر، للأمم أيامها.

ونقرأ في كتاب (أصالية أم انفصالية؟): أما تزال براقش؟، شعب الجزائر مسلم، الثورة الجزائرية وبعض المخربشين هنا وهناك، منسيين لستم يا بني رستم، اهتمام الأمم بأيامها، لسنا يتامى التاريخ، الجزائر وابن خلدون، هل آل عثمان كالنرمان؟، التاريخ ذاكرة الأمم، استمرارية الأمم أو مواقف ألمانية ونمسوية وسويدية من كفاحنا التحريري المسلح.

إلى جانب ما ذكرناه من مؤلفات وموضوعات، وقفنا على دراسة مطولة لمولود قاسم رحمه الله بعنوان (دور فاتح نوفمبر في استرجاع ليبيا فزانها والمغرب وتونس استقلالهما بل وافريقيا كلها حريتها)، نشرتها مجلة (الثقافة) في عددها الممتاز (83، س: 14)، الصادر بمناسبة الذكرى الثلاثين لاندلاع ثورة التحرير، في ذي الحجة 1404 ومحرم 1405 هـ، سبتمبر وأكتوبر 1984م. وهي في الأصل جزء من كتاب (ردود الفعل الأولية على أول نوفمبر).

وفي العدد (85، س: 14) من مجلة (الثقافة) أيضا، الصادر في ربيع الثاني، جمادى الأولى 1405 هـ/ يناير، فبراير 1985م؛ دراسة أخرى مطولة بعنوان (لمحة عن مجد الجزائر وديمومة شخصيتها البارزة المتميزة عبر العصور والأعاصير)، الصفحات: 13-55

ووقفنا كذلك على دراسة مطولة أخرى، بعنوان (مفاهيم وصيغ خاطئة من تاريخنا)، هي في الأصل محاضرة ألقاها في قصر الثقافة بالجزائر العاصمة بدعوة من المركز الوطني للدراسات التاريخية يوم الإثنين 22 جمادى الثانية 1406 هـ، 3 مارس 1986م، ونشرتها بالعربية والفرنسية مجلة (التاريخ) الصادرة عن المركز في عددها الثاني والعشرين الصادر في النصف الثاني من سنة 1986. كما نشرتها مجلة (الثقافة) في العدد: 94، الصادر في ذي القعدة، ذي الحجة 1406 هـ/ يوليو، أغسطس 1986م، الصفحات: 11-44.

ولا شك أن من يرغب من الباحثين في دراسة قضايا تاريخ الجزائر والرؤية التاريخية في فكر مولود قاسم سيقف على مادة ثرية وغزيرة تسعفه في بناء نظرية مولود قاسم في التاريخ بوجه عام والجزائري بالخصوص.

تلك أهم المحاور التي شغلت فكر مولود قاسم رحمه الله وتجلت في مؤلفاته ومقالاته ومحاضراته، والحقيقة أن هناك قضايا أخرى شغلته، لكن في مناسبات متفرقة وعالجها بتعليقات في حينها، ويمكن لمن أراد معرفتها أن يقف عليها من خلال مؤلفاته المنشورة.

ثالثا: القيمة العلمية لمؤلفات مولود قاسم:

إن إبراز القيمة العلمية لأعمال مولود قاسم نايت بلقاسم رحمه الله العلمية والفكرية يُعد من تحصيل الحاصل، ومما لا يختلف فيه عاقلان مخلصان ممن قرأوا هذه الأعمال واستفادوا منها، لكن مع ذلك لا مانع من التأكيد على جملة من النقاط التي تُذَكِّر بالقيمة العلمية لأعمال هذا الرجل وتؤكد أهميتها وتبرز وجه الحاجة إليها:

1- أعمال مولود قاسم الفكرية هي أعمال متفردة وغير مسبوقة، ولا يمكن لغيره أن ينسج على منوالها، ولو أراد ذلك. والسر في ذلك أن مولود قاسم رجل ذو شخصية متحررة ومتفتحة وينهل من منابع فكرية متعددة ومتنوعة، أتاح له ذلك انفتاحه على ثقافات متعددة واطلاعه الواسع على الفكر الإسلامي والإنساني بفضل إتقانه لعدد من اللغات العالمية. ولذلك فإن قراءة أعمال مولود قاسم من شأنها أن تتيح الإفادة من الفكر الإنساني الذي نهل منه ولم يتسن لغيره الاطلاع عليه والاستفادة منه.

2- تعبر أعمال مولود قاسم الفكرية أصدق تعبير عن شخصيته الإنسانية وخصائصه النفسية، ويمكن لقارئ هذه الأعمال أن يلاحظ بيسر كيف تنعكس نفسية مولود قاسم وخصائص شخصيته في كل جملة يخطها وفي كل عبارة يقولها.

فالقارئ حين يطالع إنتاج مولود قاسم يحس وكأنه يسمع شخصا يتكلم أو يراه وهو يخطب مزمجرا متوعدا متهكما مقررا للحجج الدامغة والبراهين الساطعة بكل إخلاص وقوة. فمولود قاسم المتكلم هو مولود قاسم الكاتب، لا فرق إلا في أن الأول مسموع والثاني مقروء لا غير.

3- أعمال مولود قاسم المؤلَّفَة ابتداء هي مراجع علمية وأكاديمية من طراز علمي عالٍ، لا يدانيها في علميتها إلا القليل من الكتب المؤلفة. ولذلك فإن هذه الأعمال لا يمكن الاستغناء عنها لمن يريد أن يكتب في موضوعات تاريخية قريبة الصلة بالموضوعات التي تناولها مولود قاسم في مؤلفاته.

4- حصل مولود قاسم ثقافة موسوعية عالمية مكنته من الاطلاع على الإنتاج الفكري العالمي في لغاته المختلفة، هذه الثقافة وظفها مولود قاسم في مؤلفاته التي أنشأها ابتداء، وخاصة في كتابيه (بعض مآثر فاتح نوفمبر)، و(شخصية الجزائر الدولية)، حيث تظهر هذه الموسوعية الثقافية واضحة، ومتجلية في تلك النقول التي يقتبسها من مصادر ومراجع مكتوبة بلغات مختلفة، ويوظفها في سياق تأليفه دون أدنى حرج أو مشقة.

هذا الثراء والتنوع في الثقافة وفي القدرة على الاستفادة من المراجع والمصادر المختلفة، تجعل هذه المؤلفات في القمة من حيث العمق المعرفي والثراء العلمي.

5- بعض أعمال مولود قاسم هي –كما أسلفنا- صدى للصراع الفكري الذي شهدته الجزائر خلال عقدي الستينات والسبعينات من القرن الماضي، والذي تميز بالنزاع الصامت والعنيف في آن واحد بين الوطنيين والمتغربين، وبين المفرنسين والمعربين. وقد كانت أعمال مولود قاسم تعبيرا صارخا عن توجهه الإسلامي العربي المناصر للتعريب وللمحافظة على هوية الأمة وأصالتها الحضارية دون تقوقع أو انزواء. لذلك فإن من يريد أن يدرس واقع الصراع الفكري في الجزائر خلال تلك المرحلة لا مناص له من الرجوع إلى أفكار وآراء مولود قاسم التي أطلقها في تلك المرحلة، والمسجلة خاصة في كتابيه (إنية وأصالة) و(أصالية أم انفصالية؟).

6- أعمال مولود قاسم الفكرية والأكاديمية هي ميدان خصب لا يزال ينتظر جهود الباحثين الجامعيين، الذين بإمكانهم أن يتناولوا هذا الفكر من جوانب مختلفة وأن يحللوا مواقف مولود قاسم وآراءه في قضايا عصره والمشكلات التي عايشها أو كان أحد أطرافها.

كل هذه العناصر، تجعل إعادة طباعة مؤلفات مولود قاسم وجمع ونشر ما تفرق من مقالاته ومحاضراته وتدخلاته والمقابلات الصحفية التي أجريت معه، والعمل على ترجمتها إلى لغات العالم الحية، من أوكد الأعمال المنوطة بالهيئات العلمية والثقافية الرسمية والشعبية في البلاد، كالمجلس الإسلامي الأعلى والمجلس الأعلى للغة العربية ووزارة الشوؤن الدينية والأوقاف، وكليات العلوم الاجتماعية والعلوم الإسلامية وكليات الآداب واللغات في الجامعات الجزائرية المختلفة، والمتمكنين من الباحثين والمترجمين.

ولا شك أن القيام بذلك هو بعض ما يمكن الوفاء به لروح هذا الرجل الفذ الذي أفنى حياته في سبيل الجزائر وظل مرابطا على ثغور الهوية الوطنية منافحا عنها صادا الأعادي عنها مانعا لهم من اختراقها حتى توفاه الله عز وجل إلى رحابه، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، هو ومن سبقه أو لحقه من علماء الجزائر البررة ورجالاتها الأفذاذ.



 

سبق نشر هذا البحث ضمن كتاب (الأستاذ مولود قاسم نايت بلقاسم: المفكر الموسوعي والوطني الثائر)، الصادر عن جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة، بمناسبة تخرج الدفعة العشرين من طلبتها، جمادى الثانية 1428 هـ، جويلية 2007م، الصفحات: 153-167.

آخر التغريدات: