جمعية العلماء والمدّ الثقافي
بقلم: د. عبد الرزاق قسوم-
بعد ما خفتت الأصوات، واختفت من المحيط الشعارات، وطوّيَت صفحة الانتخابات، وتبيّن لكلّ ذي عينين؛ الخيط الأبيض من الخيط الأسود في الأرض والسّموات، وَدَعَ الناس شهر أبريل، شهر الكذب، والسّطو على الإرادات. وأطلّ على الجزائر شهر مايو، وما شهر مايو إلا شهر الدماء، والدموع والآهات، والزفرات، فصفحات مايو مخضّبة بالأحداث الدّامية، والمعاني العالية. ففي الثامن من مايو، استهلّت صارخة، خير جمعية أُخرجت للناس، وهي أمّ الهيئات والجمعيات؛ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين...
ومع ميلاد جمعية العلماء، أٌعيد بعث الوجود الجزائري الحقيقي مجللاً بالثوابت الخالدات، وإنّ هذه الثوابت هي التي أخرجت الجماهير في الثامن من مايو، مطالبة بحقّها في الحرّية والاستقلال، فكان ما كان من ولوغ الاستعمار الاستئصالي في دماء الجزائريين الأبرياء، وبذلك أشعل جذوة المقاومة، والقضاء على دعاة الاندماج والمساومة.
إنّه درس تعلّمناه من الخامس من مايو وجسّدناه في الثامن منه، فكان الحدثان بمعانيهما السّامية، وقيّمهما العالية، حافزين للجزائر على الإعداد والاستعداد، ليوم الخلاص من الجلاّد.
وحيث إنّ الاستعمار في الداخل والخارج رحم واحد ترعاها الحضارة اليهودية النصرانية لبعضها البعض، جاء يوم الخامس عشر من مايو على الصعيد العربي الإسلامي، ليصبح في تاريخ يوم النكبة، والمؤامرة، هذا اليوم المشؤوم علينا وعلى فلسطين، ليمكن الذي لا يملك للذي لا يستحق. ولا زلنا نحيي ونعاني تبعات هذا اليوم المشؤوم علينا إلى اليوم، فالمكائد على الوطن العربي تتوالى، وما مأساة سوريا، ومحنتا العراق واليمن، والمؤامرة على مصر وليبيا، وما يُحاك ضدّ تونس والجزائر، إلا صورة مصّغرة للمؤامرة الأمّ التي حُبِكت ولا تزال في المخبر الغربي الصهيوني، لاجتثاتنا من أصولنا، وتمزيق أوصالنا، وما ذلك إلا لهشاشة في هياكل بنائنا، وقابلية في من أُوكل إليهم أمر حكمنا.
كذلك كان شهر مايو في الجزائر بمقدمات أوائل أيّامه، وأواخر شهره، خصوصا يوم 19 الذي هو يوم الطالب، ويوم العشرين الذي هو يوم وفاة الإمام الإبراهيمي، كان الحافز لشعبنا، بقيادة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، على تنظيم المظاهرات الثقافية التوعوية في كامل أنحاء الوطن.
عاشت جمعية العلماء ملتقى الإمام مالك في بوابة الجنوب بورقلة، ليكون هذا الملتقى عاملاً أساسيًا في إعادة المسلم الجزائري إلى الذات الوطنية، بتعميق الانتماء، وتجسيد معنى التسامح والإخاء، ونبذ كلّ معاني التّعصّب، والفُرقة، والعداء، مع أبناء الوطن الواحد، المتساكنين الأشقاء.
ثم جاء ملتقى عين ولمان، بولاية سطيف، بمثابة الإغاثة لكلّ لهفان، وبلّ الصدى لكلّ ضمآن، فقد كان موضوع ملتقى "عين ولمان" تعميقًا لمعنى الانتماء، متخذًا قضية هامّة له؛ وهي جمعية العلماء وحماية الهوية الوطنية. فقد تميّز الملتقى بحسن التنظيم، ودقّة التعليم، ومنهجية الأداء، وحفاوة الاستقبال في ظلّ المحبّة والإخاء.
لقد نجح ملتقى عين ولمان في تشخيص الداء، ووصف الدواء، بما تميّز به من نخبة المشاركين من الباحثين والعلماء، فقدّم صورة رائعة عن المدّ الثقافي المتنامي في بلادنا على أنقاض الجزر السياسي، وكساد الاقتصاد، المشرف على الإفلاس.
وغير بعيد من عين ولمان، نظّم منتدى سوق أهراس للفكر والثقافة في سوق أهراس، بالتعاون مع شعبة جمعية العلماء، وبإشراف واليها الحازم، نظّموا ملتقى هامًا بمناسبة يوم الطالب خصص لدور طلبة الزيتونة والمعهد الباديسي، ومساهمتهم في الثورة التحريرية المجيدة.
إنّ أهمية هذا الملتقى تكمن في كون سوق أهراس على حلقة الوصل الثقافية والاقتصادية بين تونس الشقيقة والجزائر العميقة، وقد شارك عن جمعية العلماء رئيس الجمعية -كاتب هذه السطور- وأخونا الكاتب المتميّز الأستاذ محمد الهادي الحسني، إلى جانب نخبة من الباحثين المحليين من أمثال الأستاذ زبير عمامري، والأستاذ جمال الدين بن خليفة، والأستاذ عوادي، وبالتنظيم والتنشيط المحكم من الأستاذ الزيتوني المجاهد عمار جوامع.
لقد جاء ملتقى سوق أهراس صورة رائعة لما كان الماهدون من علمائنا ينظمونه في القديم، متميّزا بتنوّع المواضيع، وتعدد المحاضرين، وتجمع المتلقين، وإنّها لبشائر خير، تبشّر كلّها بما يتميّز به شعبنا من طاقات علمية، وخامات وطنية، تنسي ألوان السلبيات السياسية، والخيبات الاقتصادية، والنكسات الاجتماعية، وهو ما ينبغي أن نستخلصه من الدروس، وأهمّها:
أنّ الأمل معقود على العلم والثقافة، فعلى الجزائر أن تستمرّ في الثقافة كمًا وكيفًا، ليكون البناء صلبًا ومضادًا لكلّ الهزّات والزلازل.
على الشعب الجزائري، بمختلف فئاته شبابًا، وكهولاً، نساء ورجالاً، وخاصة المثقفين والأغنياء، ورجال الأعمال على الجميع أن يلتفّ حول جمعية العلماء الضامنة للثوابت، الحاضنة للقيم، المجسّدة للمواطنة والوطنية.
لن يُكتب للجزائر النهوض، والتقدّم إلا على أساس الإسلام الصحيح في فهمه وتطبيقه، والعلم الدّقيق الملتزم بقضايا أمته ووطنه، وهذا لن يكون إلا بتلاحم الجامع، والجامعة، والجمعية.
هذه هي معالم المدّ الوطني لمن أراد أن يبني بحقّ، فما عدا هذا البناء العلمي يصبح هراء، ولغوًا من القول والفعل، {فَأمََّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ}