الشيخ العلامة عبد الحميد بن باديس: الرجل الذي حسم أهم مسألتين في تاريخ الجزائر الحديث: العلاقة مع الاستعمار، والهوية الوطنية الجزائرية
بقلم: د. عدي شتات -
في السنة التي أجمع العرب على تسميتها بسنة العظماء (1889)، ولد العلامة الشيخ عبد الحميد بن باديس رائد النهضة والإصلاح في الجزائر بمدينة العلم والعلماء قسنطينة عاصمة الشرق الجزائري. لأسرة كريمة تنتسب لقبيلة صنهاجة الأمازيغية العريقة، والتي كان لها باع طويل في تاريخ الجزائر القديم والحديث.
كانت الجزائر يومها ترزح تحت نير الاحتلال الاستيطاني الفرنسي الذي سعى فيما سعى لطمس الهوية الوطنية للشعب الجزائري، وسلخه عن انتماءاته الدينية والقومية من خلال محاربة اللغة العربية، وتعميم الجهل، واختصار الإسلام في بعض الطقوس الغريبة، وفي شيوخ كانوا أقرب إلى الدجل منهم إلى الدين.
في سن الثالثة عشر، أتم الشيخ العلامة بن باديس حفظ القرآن الكريم، وبدأ ينهل من العلوم على يد خيرة علماء قسنطينة، وحين بلغ التاسعة عشر من عمره التحق بجامع الزيتونة في تونس حيث تتلمذ على يد خيرة العلماء وعلى رأسهم العلاّمة محمّد النخلي القيرواني المتوفى سنة: (1342هـ - 1923م)، والشيخ محمد الطاهر بن عاشور المتوفى سنة: (1393هـ - 1973م). ثم توجه لأداء مناسك الحج، وفي المدينة المنورة تعرف على رفيق دربه الشيخ العلامة البشير الإبراهيمي.
عاد بن باديس إلى الجزائر في سنة 1913، واستقر في مسقط رأسه قسنطينة بادئا رحلة التعليم والإصلاح من مساجدها. وفي سنة 1925، أدرك الشيخ أهمية الصحافة ودورها في التوعية والإصلاح، فأسس جريدة المنتقد الناطقة باللغة العربية وبعد صدور العدد الثامن قامت سلطات الاحتلال بإغلاقها، فأسس جريدة الشهاب الأسبوعية، التي بث فيها آراءه الإصلاحية، واستمرت كجريدة حتى عام 1929م ثم تحولت إلى مجلة شهرية علمية، وكان شعارها: "لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها". واستمر في أداء رسالته الإصلاحية من خلال حلقات العلم في المساجد، والصحافة المكتوبة إلى أن اختمرت فكرة إنشاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين سنة 1931م، والتي كان لها الدور الأبرز في توعية الشعب، وتهيئته فكريا وحضاريا وعقديا للثورة على المحتل الغاصب، حين نادى المنادي في الفاتح من تشرين ثاني/ نوفمبر سنة 1954م.
توفي الشيخ العلامة عبد الحميد بن باديس في السادس عشر من شهر نيسان/ أبريل سنة 1940، تاركا وراءه تربة خصبة، وميراثا تربويا وعلميا كبيرا، وجمعية علماء استطاعت ان تقف في وجه أخطر المشاريع الاستعمارية على الإطلاق ألا وهو مشروع سلخ الشعب الجزائري عن جذوره، ومحاولة طمس هويته الوطنية.
إن إعادة قراءة المسيرة التربوية والإصلاحية والنضالية للشيخ العلامة عبد الحميد بن باديس ليس بالأمر الهين، فللشيخ باع كبير يصعب حصره في بضع سطور، لكن باستطاعة كل دارس أن يختصر هذه المسيرة العظيمة بعناوين كبيرة، ولعل أكبر هذه العناوين وأبرزها على الإطلاق، عنوانان كان لهما الأثر الأكبر في تحديد مستقبل الصراع في الجزائر، ومستقبل الاحتلال الفرنسي الاستيطاني فيها ألا وهما: حسم العلاقة مع المحتل، وحسم مسألة الهوية الوطنية للجزائر، وهما العنوانان الرئيسيان اللذان كانا على رأس قائمة أولويات المشروع الاستدماري الفرنسي، والذي أعلن الجزائر جزء لا يتجزأ من فرنسا، من خلال مشروع الجزائر الفرنسية.
فالشيخ ابن باديس ابن المدرسة العربية الإسلامية سعى دائما لترسيخ الانتماء الحضاري للشعب الجزائري، من خلال تعليم اللغة العربية، وتعاليم الدين الإسلامي، باعتبارهما المقومان الرئيسيان للهوية الوطنية الجزائرية، والتركيز باستمرار على التناقض الفكري والحضاري بين الجزائر العربية المسلمة، والمحتل الغاصب، والوقوف بحزم في وجه مشروع الاندماج. وفي نفس الوقت الوقوف في وجه محاولات خلق الفتنة بين المكون الأمازيغي والمكون العربي في البلاد، الأمر الذي من شأنه أن يمزق اللحمة الوطنية الجزائرية، وبالتالي تسهيل مهمة الاحتلال. وليس غريبا على رجل من طينة بن باديس الصنهاجي الأمازيغي أن يعلنها صراحة ودون مواربة:
شَعْـبُ الجـزائرِ مُـسْـلِـمٌ=وَإلىَ الـعُـروبةِ يَـنتَـسِـبْ
مَنْ قَــالَ حَـادَ عَنْ اصْلِـهِ=أَوْ قَــالَ مَـاتَ فَقَدْ كَـذبْ
أَوْ رَامَ إدمَــاجًــا لَــهُ=رَامَ الـمُحَـال من الطَّـلَـبْ
يَا نَشءُ أَنْـتَ رَجَــاؤُنَــا=وَبِـكَ الصَّبـاحُ قَـدِ اقْـتَربْ
خُـذْ لِلحَـيـاةِ سِلاَحَـهـا=وَخُـضِ الخْـطُـوبَ وَلاَ تَهبْ
وَاْرفعْ مَـنـارَ الْـعَـدْلِ وَالإحْـسـانِ=وَاصْـدُمْ مَـن غَصَبْ
وَاقلَعْ جُـذورَ الخَـــائـنينَ=فَـمـنْـهُـم كُلُّ الْـعَـطَـبْ
وَأَذِقْ نفُوسَ الظَّــالـمِـينَ=سُـمًّـا يُـمْـزَج بالـرَّهَـبْ
وَاهْـزُزْ نـفـوسَ الجَـامِدينَ=فَرُبَّـمَـا حَـيّ الْـخَـشَـبْ
مَنْ كَــان يَبْغـي وَدَّنَــا=فَعَلَى الْكَــرَامَــةِ وَالـرّحب
حتَّى يَعودَ لـقَــومــنَـا=من مَجِــدِهم مَــا قَدْ ذَهَبْ
هَــذا لكُمْ عَـهْــدِي بِـهِ=حَتَّى أوَسَّــدَ في الـتُّـرَبْ
فَــإذَا هَلَكْتُ فَصَيْـحـتـي=تَحيـَا الجَـزائـرُ وَ الْـعـرَبْ
وفي خضم الصراع الفكري والحضاري مع المحتل الغاصب، وقف الشيخ ومن ورائه جمعية العلماء المسلمين الجزائريين موقفا معاديا لأي تقارب مع من سلب الأرض واستلب الهوية، وأعز الذليل وأهان الكريم، وأحل كل المحرمات؛ فكان رحمه الله مقتنعا كل الاقتناع ألا مجال لبقاء المحتل في البلاد، وأن الكفاح بشتى أنواعه الحل الوحيد للقضية الجزائرية. فالعلاقة بين المُحْتَل والشعوب المُحْتَلّة صراع دائم ينتهي بجلائه عن البلاد. وجاءت مقولته الشهيرة (والله لو قالت لي فرنسا: قل لا إله إلا الله لما قلتها) لتؤكد للجميع رفض كل ما له علاقة بالمحتل مهما كان:
أشعبَ الجزائرِ روحِى الفِدى=لمَا من عِزةٍ عربيَّهْ
بَنَيْتَ على الدينِ أركانَها=فكانتْ سلامًا على البشريَّهْ
خَلَدتُم بها وبكم خلَـدَتْ=بهذى الديارِ على الأبدِيَّـهْ
فدُوموا على العهدِ حتَّى الفَنَا=وحتى تَنالُوا الحقوقَ السنيَّهْ
تَنالُونَها بسواعِـدِكُـم=وإيمَانِكم والنفوسِ الأبيَّهْ
فضَحُّـو وهَا أنا بَينكُـمُ=بِذاتِي ورُوحِي عليكم ضَحيهْ
رحم الله العلامة الشيخ عبد الحميد بن باديس رائد النهضة والإصلاح في جزائر الشهداء، ورحم الله رفاق دربه، وقادة العمل الوطني الجزائري وفي مقدمتهم شهداء ثورة نوفمبر الخالدة، وحمى الله الجزائر من كيد الكائدين، ورفعها ورفع أهلها بين الأمم، وتحية فخر واعتزاز لأهل العلم في عيد العلم (16-04) الذي يوافق ذكرى وفاة رائد الإصلاح، وقائد المجاهدين عبد الحميد بن باديس.
شبكة البصرة: الثلاثاء 6 جماد الثاني 1434 / 16 نيسان 2013.