الشيخ عبد الرحمن شيبان في حوار لمجلة الوحدة الإسلامية
تناهت إلىمسامع المسلمين في المشرق العربي الإسلامي أنباء عودة جمعية العلماء المسلمينالجزائريين للعمل من جديد، بعد انقطاع دام حوالي الأربعين عاماً. والمسلمون إذيستبشرون خيراً بهذا الاستهلال المجيد يرغبون في معرفة الكثير عن هذه الجمعيةالراشدة، التي كان لها الفضل الأول في ترسيخ الدين الإسلامي في النفوس وفي تحريكالألسنة بالحرف العربي، في وقت كانت تسمى الجزائر فرنسيةً. فهذا الشرفالعظيم والمجد التليد يثير فينا المزيد من الأسئلة التي تضيء لنا الدرب الذي سارعليه السابقون، ومن بعدهم اللاحقون، فنأمل التفضل بالإجابة عما تيسّر من هذهالهموم، ولكم منا الشكر العميم ومن الله تعالى الفضل الجزيل.
1. أنتم فضيلةالشيخ عبد الرحمن شيبان شخصية ذات صيت طيب منذ فترة طويلة، فهل لكم أن تحدثونا عنشخصكم الكريم من حيث الجذور والولادة والنشأة ومسار حياتكم.
الحمد لله الحقيق بالحمد لا أحصيثناء عليه سبحانه وتعالى هو كما أثنى على نفسه والصلاة على نبيه سيدنا محمد سيدالأنام ، وعلى آله الطيبين الأطهار وصحابته الكرام الأخيار أما بعد: (لقد ولدت فيعام 1918 بولاية البويرة، ونشأت في أسرة مسلمة محافظة محبة للإسلام ومعتزة به، ولذاحرص والدي رحمة الله عليه على تنشئتي تنشئة دينية علمية، وقد كان على علاقة طيبةمع الشيخ عبد الحميد بن باديس فدرست بقريتي أولاً، ثم بزاوية الشيخ بن سحنون، ثمأوفدني إلى تونس للدراسة بجامعها المعمور جامع الزيتونة ولما عدت إلى الجزائردعاني الشيخ البشير الإبراهيمي رئيس جمعية العلماء والشيخ العربي التبسي مدير معهدبن باديس للتدريس بالمعهد.
أضحيت أستاذا بمعهد عبد الحميد بنباديس واشتغلت بالصحافة حيث كنت أوالي الكتابة بالجرائد التي كانت تصدرها الجمعية.اعتقلتني السلطة الاستعمارية أنا وزوجتي في سبتمبر 1956م. وعملت مستشاراً لرئيسبعثة الثورة الجزائرية بليبيا سنة 1960م.
بعد الاستقلال في 22 أوت / آب 1962منشرت برفقة نخبة من أعضاء الجمعية نداء لإحباط دعوة تجعل اللائكية أساساً للدستورالجزائري. توليت بعدها مهاماً عديدة في الدولة الجزائرية في التربية والتعليم. كماعُيِّنْتُ عضواً في المجلس الإسلامي الأعلى، ووزيراً للشؤون الدينية لمدة ست سنوات (1980- 1986م). ولا أزال أعمل عضواً مؤسساً في مجمع الفقه الإسلامي الدولي، وأتابعالإشراف على الجمعية ونشاطاتها العامة.
2. جمعية العلماءالمسلمين الجزائريين جمعية توليتم إعادة بعثها من جديد فهل لكم أن تعرفوا القارئالكريم في المشرق عن ماهية هذه الجمعية: من أسسها؟ وما هي أهدافها التي عملت لها؟
إن جمعية العلماء المسلمينالجزائريين لم تتأسس صدفة ولا طفرة، بل هي ثمرة جهود قام بها رجال صدقوا ما عاهدواالله عليه، وقد أرادوها رداً على دعوى المحتل الفرنسي الذي زعم في احتفاله المئويلاحتلاله الجزائر الذي أقامه سنة 1930 أن الصليب قد هزم الهلال وأخرجه منها إلىالأبد فكان الإعلان عن تأسيسها رداً حازماً وحاسماً على بطلان دعواه، وخيبةمسعاه. كما جاءت تصديقاً لنبوة سيدنا محمد عليه أفضل صلاة وأزكى تسليم الذي قال:((إن الله يبعث إلى هذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها)) ولا يخفىعلى أحد أن جمعيتنا هذه قد تكفلت قبل الثورة بمهام أساسية حتى يتسنى لها استنهاضأمتنا من الوهدة التي سقطت فيها وتلكم المهام هي:
- الحفاظ على الإسلام والدفاع عنهومقاومة كل محاولات تنصير المجتمع.
- الحفاظ على اللسان العربي ومقاومةمحاولات الفرنسة ولإحباطها.
- مقاومة محاولات الإدماج ومساعيوتذويب المجتمع الجزائري في الكيان الفرنسي.
وقد تطلب ذلك نشر التعليم العربيوإذكاء الفكر الديني وبث الوعي السياسي قصد تهيئة العقول والنفوس لتحمل مسؤوليةالقيام بالواجب حالة نشوب حرب تحريرية تقتضيها رغبة الشعب في استرجاع سيادتهالمسلوبة ، واعتمدت كذلك إستراتيجية طويلة المدى سخرت لها أدوات منها:
- إنشاء المدارس والتوسع في التعليموجعله يشمل الجنسين ومتعدد المراحل واتخاذ الإجراءات التي تسمح لخريجي مدارسالجمعية بمواصلة التعليم العالي خارج الجزائر مثل تونس والمشرق العربي.
- بناء المساجد والتوسع فيهاتكثيراً لمنابر الدعوة ونشراً للفكر الديني الصحيح عند الكبار.
- تأسيس النوادي لاستقطاب الشبابواتخاذها إطاراً للتكوين الثقافي والسياسي قصد تحصينهم ضد الانحراف ومحاولاتتخديرهم من قبل المحتل لصرفهم عن واجبا تهم الوطنية والاجتماعية.
- إصدار الصحافة الناطقة بالعربيةلنشر فكر الجمعية على أوسع نطاق ولاستقطاب الكفاءات ذات التوجه الوطني للاستفادةمن جهودها في خدمة أهداف الجمعية.
- استغلال المجالس العامة والخاصةوتوظيف المناسبات الاجتماعية والدينية لخدمة أهداف الجمعية وتوعية الجماهيربواجبهم تجاه دينهم ولغتهم ووطنهم.
- إنشاء جمعيات خيرية ورياضيةوكشفية لاستغلال الفراغ ومحاربة البطالة وتدريباً لأفراد المجتمع على التنظيموالتسيير لتكوين قاعدة من القيادات تفيد المجتمع في القيام بمسؤولياته كاملة عنداللزوم، وقد استطاعت الجمعية - بحمد الله – وبفضل الرجال الذين سخرهم اللهلتأسيسها أمثال الشيخ عبد الحميد بن باديس والشيخ محمد البشير الإبراهيمي والعربيالتبسي والفضيل الوارتلاني أن توفق إلى تحقيق أهدافها في تهيئة الشعب للقيام بواجبهنحو وطنه ودينه ولغته إذ ثار في وجه المحتل وحرر أرضه وطهرها من دنسه واسترجعسيادته كاملة غير منقوصة.
لقد تأسست هذه الجمعية بمبادرة منالعلامة الفاضل الإمام المجاهد المؤمن الوطني الشيخ عبد الحميد بن باديس وزميله فيالكفاح الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، بمعية جمهرة من رجال الفكر والدين؛ وذلك علىإثر تفكرهما وتدبرهما فيما آل إليه وطنهم وما كان يتهدد دينه وشخصيته من طمسوإدراكهما لفشل العمل الفردي والجهد المعزول، فانتهيا إلى أن الخطب لا يدفع إلابالعمل الجماعي المنظم. فقررا رحمهما الله تأسيس جمعية العلماء المسلمينالجزائريين وبادراً على الفور الاتصال بالعلماء ورجال الفكر والدين وتبصرتهمبحاجتهم إلى ضم جهود بعضهم إلى بعض والعمل في إطار منظم يكفل لهم نجاح مسعاهم فياستنهاض وطنهم، واستغرق ذلك منهما سنوات حتى تم لهم الأمر سنة 1931 وقد وفقها اللهلتحقيق أهدافها واستعاد الشعب حريته وسيادته على أرضه واسترجع الإسلام مكانته فيأرض الإسلام هذه، كما استرجع الشعب لغته التي حاول المستعمر الفرنسي تجريده منهاوها هي اليوم بعد أن عادت إلى العمل تسعى جاهدة لدعم جهود الدولة في خدمة الإسلاموالعربية والحفاظ على سلامة الوحدة الوطنية.
أما أعلام الجمعية فيتقدمهم الشيخالإمام المؤسس عبد الحميد بن باديس ورئيسها الثاني محمد البشير الإبراهيمي ونائبهفي الرئاسة العربي التبسي وممثلها بالمشرق العربي الفضيل الوارتيلاني وغيرهم...وغيرهم... فهم لا يحصى عددهم رحمهم الله جميعاً وأكرم مثواهم وجعل الجنة مأواهم.
أما آثار الجمعية فهي كذلك لا تحصى،فقد أسست المدارس والمعاهد ومساجد ونوادي ثقافية وأسست الصحافة وشجعت العملالاجتماعي الخيري وتكفلت بالشباب فأنشأت لهم النوادي الرياضية والكشفية ويكفيهاشرفاً أن رجالها شاركوا في الحياة الثقافية والفكرية بالمشرق العربي أمثال الشيخمحمد البشير الإبراهيمي الذي كان عضواً بالمجمع اللغوي بالقاهرة ودمشق والفضيلالوارتيلاني. ويمكن لكم إذا شئتم أن تتعرفوا على بعض آثارها من الجرائد التي كانتتصدرها مثل المنتقد والشهاب والبصائر. وأنا على يقين أنكم تجدون بها ثروة فكريةتبهركم: بجمالها أسلوباً وسموها فكراً ونضجها وعياً.
3. بعدالاستقلال توقفت الجمعية لظروف غير مفهومة وقد طال توقفها رغم ما لها من مكانةمحترمة في النفوس. فما هي أسباب ذلك التوقف غير الاعتيادي عقبالاستقلال؟
• إن توقف الجمعية عن النشاط لم يكنلظروف غير مفهومة كما قلتم حيث أن الجزائر بعد الاستقلال وتبني الدولة للنظامالاشتراكي الذي يعمل بالحزب الواحد اقتضى ذلك وقف نشاط جميع الجمعيات والمنظماتماعدا تلك التي تنضوي تحت لواء الحزب. ومع ذلك فإن رجال الجمعية تعبوا على العمل فيإطار مبادئها في مختلف المجالات حيث ساهموا في مواجهة التيار العلماني وحمل الدولةعلى اتخاذ الدين الإسلامي دينا للدولة والعربية لغة وطنية ورسمية لها .
4. لا نسمعكثيرا ولا قليلا إشارة إلى ما قدمته الجمعية للجزائريين إبان الاحتلال الفرنسي منقبل جهات من الطبقة الحاكمة في الجزائر، فهل ذلك يعود إلى جهلهم بإرثها التاريخي أمأن لذلك علاقة بما تعرضت له الجمعية بداية الاستقلال؟
• لا أحد من رجال الدولة الجزائريةوطبقتها الحاكمة يجهل أو ينكر ما قدمته الجمعية قبل وأثناء الثورة على المحتلالفرنسي من خدمات جليلة لعبت دوراً أساسياً وحاسماً في إعداد الشعب للثورة ثم فيالتفافه حولها ومناصرته لها.
وإرثها التاريخي معروف للجميع وذلكلا يمنع من وجود صراع أفكار غير أن ذلك الصراع لا يعني البتة وجود نية مبيتة لدىالطبقة الحاكمة لاستبعاد الجمعية وإقصائها عن دائرة الفعل الاجتماعي وذلك بالتغطيةالمتعمدة على آثارها ماضياً أو حاضراً. ولا أدل على ما نقول من ذلك الثناء الذي خصبه فخامة رئيس الجمهورية الشيخ محمد البشير الإبراهيمي في الملتقى الذي أقامتهالجمعية تحت رعايته السامية يومي 22 و 23 مايو 2005 حيث أن ذلك الثناء دل على عظيمالتقدير الذي يكنه فخامته لأحد أبرز رجال الجمعية وللجمعية ذاتها.
5. صورةالجمعية بعد تجديدها تشابه إلى حد كبير صورتها أيام نشأتها، فما هي الثوابت في مسارالجمعية قديماً وحديثاً؟ وما هي المجالات التي تريد الجمعية التجديدفيها؟
• ما زالت الجمعية متمسكة بمبادئهاالإصلاحية الإسلامية ووجهتها الوطنية وتراثها الفكري والأدبي، وهذا ما جعلك تجد فيصورتها الحالية شبهاً كبيراً بصورتها الماضية غير أنها إن كانت فيما مضى تمثلالمرجع الديني والفكري والتربوي والإصلاحي، فهي في عهدها الحالي تقوم بدور الإسنادلمؤسسات الدولة المتخصصة في الشؤون الدينية والفكرية والثقافية والتربويةوالاجتماعية، من حيث أن الأهداف التي كانت تعمل لأجلها قد تحققت، ومن ثم فإن دورهاتحول من المطالبة إلى تثبيت وترسيخ ما تحقق من مكاسب وذلك عن طريق التركيز علىإثراء الفكر الديني والثقافة العربية بالتعاون مع الجهات الشعبية والرسمية.
6. هل لكم أنتحدثونا عن تواجد وحضور الجمعية في الأوساط الشعبية ومدى قدرتها على تأطيرالجماهير في شِعَبٍ ولائية ومحلية أي أن تقوموا لنا المسيرة خلال السنواتالأخيرة؟
• بعد مجيء دستور 1989 الذي أقربالتعددية السياسية سارع رجال الجمعية بالاتصال بعضهم ببعض واتفقوا على بعثالجمعية وسعوا لاعتمادها، وباشرت نشاطها وأول ما بدأت به أنها عاودت إصدار جريدة (البصائر) لسان حالها. وجاهدت لإعادة تأسيس شعبها الولائية حتى تمكنت من إيجاد تمثيللها على مستوى كل ولايات الوطن كما تمكنت سنة 2004 من استعادة نادي الترقي ذلكالنادي الذي شهد ميلاد الجمعية سنة 1930 وهي تعتزم استرجاع كل المرافق والمدارسخصوصاً تلك التي حُوِّلَتْ عن وضعها الأساسي. والجمعية بحمد الله متواجدة فكرياًوثقافياً واجتماعياً وعلى كل المستويات الشعبية والرسمية.
7. كيفتتعامل قيادة الجمعية مع باقي الجمعيات السياسية والمحلية الأخرى؟ وهل تتعاطىالعمل السياسي إضافة إلى عملها في التربية والتثقيف والإرشاد.
• الجمعية تتعامل مع جميع الجمعياتالسياسية والمحلية في إطار مبادئها التي تحكمها والتي تفرض عليها التعاون معالجميع في إطار خدمة أهدافها التي تقتضيها مساندة كل جهد يرمى إلى خدمة الوطنوصيانة سيادته غير أنها لا تتعاطى العمل السياسي الحزبي لأن ذلك ليس من اختصاصهاولذلك تتركز جهودها في المجال الفكري التربوي الديني والسياسة الوطنيةالعامة.
8. ما هيرؤية الجمعية لقضايا الوحدة الإسلامية بين المذاهب المختلفة للمسلمين، خاصة وأنلها تجربة في مرحلة التأسيس، عندما اشترك في تأسيسها إباضيةومالكية.
• إن رأي الجمعية من حكم الله الواردفي الآية الثالثة عشر من سورة الشورى (((أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاتَتَفَرَّقُوا))) (الشورى: من الآية 13) ورأي الجمعية من رأي مؤسسها الإمام عبدالحميد بن باديس الذي قضى بأن الأخوة في الدين تسمو على كل خلاف وعلى كل ما يقبلأو يرد من أفكار، والجمعية لا ترى سبباً للفرقة والاختلاف ما دام الجميع يؤمنبكتاب الله ويأتم برسوله عليه أفضل صلاة وأزكى تسليم. وإذا كان الناس اليوم يسعونلتقارب الأديان السماوية والمذاهب الأرضية فكيف يحسن بنا أن نختلف نحن المسلمينفيما بيننا خصوصاً أن الاختلافات المذهبية استندت إلى الفروع لا إلى الأصول، فنحنعلى يقين من أن ذلك يمكن تجاوزه ويمكن أن تتقارب المذاهب فيما بينها ولعل الظروفالسياسية الدولية التي تحيط بالأمة الإسلامية اليوم ستسهم بطريقة أو أخرى فيالتقريب بين مذاهبنا بل قد تعمل على توحيدنا كلية إن شاء الله.
9. كيف ترىالجمعية لما يثار حاليا من نعرات تفرق بين السنة والشيعة في أكثر من بلد وموقعإسلامي كما نشاهد ذلك في باكستان والعراق ولبنان والخليج؟
• إن جمعيتنا تتألم لذلك أيما ألمونحن ندعو الله أن يجمع شمل أمتنا ولا يشتته، وحري بالمسلمين أن يستوعبوا واقعهمويعلموا أن قوتهم في التوحد لا في الفرقة والشتات، ولا نرى تلك الدعوات والطروحاتالتي تحرض على ذلك إلا كيداً من العدو المتربص، ولذلك نأمل أن ينتبه لذلك المسلمونفي كل البلاد الإسلامية وأن يفوتوا على عدونا الفرصة ولا يتركوا له المجاللتفريقنا فالسنة والشيعة كلهم يؤمنون بأركان الإسلام الخمسة الواردة في الصحاح : ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقامالصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً))، وهم يتجهونإلى قبلة واحدة وفي ذلك ما يتسع للجميع، وهناك مؤسسات دينية إسلامية تسعى مشكورةللتقريب بين المذاهب الإسلامية مثل المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلاميالذي مقره بطهران عاصمة الجمهورية الإسلامية بإيران، وكذلك الإتحاد العالميللعلماء المسلمين الذي يرأسه الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي، وعسى الله أن يباركجهود المؤمنين ويحقق التقارب .
10. يدعوكثير من العلماء إلى ضرورة اشتراك كل المسلمين في الحقوق الدينية والسياسيةوالاجتماعية، مما يعني تغييرا في نمط التعاطي مع مجتمعات ظلت تظهر بمظهر واحدباستمرار كما في السعودية التي تظهر بمظهر سني، والجمهورية الإسلامية التي تظهربمظهر شيعي. فما هي وجهة نظر الجمعية في مثل هذه الحالة الطارئة ؟ وهل ترون أنهاتغني العمل الإسلامي داخل الأمة أم أنها أمور تدعو إلى إثارة الفتنة أكثر مما تدعوإلى البناء والوحدة؟
• إن ما يبدو لكم جديداً في واقعالأمة الإسلامية الراهن ما هو بجديد فقد عرفته في مراحل تطورها التاريخي، ففيالعهد العباسي تباينت التيارات الفكرية وتعددت المذاهب وتنوعت الفرق ولكن قوةالدولة جعلتها تتمكن من الحفاظ على التوازنات داخل المجتمع فالعبرة ليست بتغليبمذهب على المذاهب، وإنما العبرة في جعل هذه المذاهب تتعايش داخل المجتمع الواحد فيإطار من الاحترام المتبادل من الجميع. ولا ينبغي أن تنسى أن التنوع هو الأصل ولذلكقال الله تعالى في الآية الثالثة عشر من سورة الحجرات: (((يَا أَيُّهَا النَّاسُإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَلِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌخَبِيرٌ))) (الحجرات:13). فاختلاف المذاهب أمر طبيعي حتى يتحقق الانسجام الكاملبين الفرد وما يعتقده ويدين به. وبما أن الأفراد يتفاوتون ذكاءً وفهماً، وشدةوليناً، تعددت المذاهب ليتحقق الانسجام بين هذا وذاك فيجد كل فرد ما يلائمه ويوافقفهمه ومزاجه وتطمئن له نفسه وتقر به عينه، ونحن نعتقد أن مراعاة الدولة فيتشريعاتها للاختلافات المذهبية يوطئ لها القلوب ويحقق لها احترام مواطنيهالإرادتها لأنها بذلك تؤكد لهم احترامها لاختياراتهم ومراعاتها، هذا اجتهادنا واللهورسوله أعلم.
* مجلة الوحدة الإسلامية – مجلة شهرية إسلامية تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان / السنة الخامسة / العدد الخمسون / ذوالحجة 1426هـ الموافق يناير (كانون الثاني) 2006 م.