ابن باديس والتركيز علي النشء

ابن باديس والتركيز علي النشء

ركز علماء كثيرون علي مجالات مختلفة، كبيرة أو صغيرة، واضحة أو خفية، ذائعة الصيت أومتوارية، لتأكيد حضارة الاسلام وتبرئته من التهم التي تلاحق المسلمين في كل مكان. وكلها مجالات تؤكد ذكاء القائمين عليها، حتي لو ظهرت تجلياتها متأخرة. لكن يظل التركيز علي تربية النشء في أي مشروع اصلاحي عاملاً مهماً للنجاح.فهؤلاء هم عماد المستقبل وتقع علي عاتقهم المسئولية الأكبر فاذا صلحوا صلح حال الأمة.

وبالتالي فالاهتمام بهم وتكوين ثقافة واسعة لديهم يمثل ضرورة إسلامية. من هنا شاهدنا الكتاتيب كانت تحرص علي تعليم الصغار أصول الدين وتقوم بتحفيظهم القرآن. لكن تظل هذه المساعي فردية وغير منظمة تنظيماً صحيحاً. وقد جاء من حاول تقنين هذه المسألة ورعايتها بصورة واعدة. وكان أكثر العلماء تركيزاً فيها الجزائري عبدالحميد بن باديس. وهو فقيه ومصلح وسياسي ومفكر وكلها خصال تؤكد أنه من العلماء المخلصين الذين جاءوا في زمن فرض عليهم أن يمتلكوا ثقافة واعية ودراية ناضجة بأمور دينهم وأمتهم.وعلي هذا الأساس أحدث مشروعه الاصلاحي ردود أفعال متباينة، خاصة من المستعمر الفرنسي الذي سعي جاهداً الي قطع الطريق علي تحركاته الثقافية وتفشيل جهوده الاصلاحية، لكن يظل من الذين أنبتوا نبتة قيمة تنتظر من يواصل مسيرتها بشكل سليم.

الذوق لراقي

وفي اعتقاد عدد كبير من الباحثين والمؤرخين أن مشروع بن باديس الاصلاحي امتداد لحركة الامام محمد عبده، اذ تأثر في شبابه بالحركة السلفية ومدرسة محمد عبده عن طريق أساتذته بجامع الزيتونة.وخلال زيارته للمشرق العربي في عام 1913 وعن طريق المجلات والصحف الاصلاحية التي كانت تصل الي الجزائر رغم الرقابة الشديدة التي مارستها السلطة الاستعمارية، الا أنه لايمكن اغفال بعض الخصائص التي تتعلق بالوضع الاستعماري للجزائر وجهود بن باديس دون إجحاف لدور محمد عبده .وبرأي الدكتور فهمي جدعان أن مشروع ابن باديس الاصلاحي “جاء نتيجة للظروف التاريخية التي مرت بها الجزائر المستعمرة، ولم يجئ نتيجة تأثر مباشر بأفكار عبده.

ويتمثل المشروع الاصلاحي عند ابن باديس أساساً في التركيز علي تربية النشء كوسيلة لتحضير مستقبل الجزائر وتوعية الشعب الجزائري حتي يقف سداً منيعاً لسياسة الاندماج والاستيطان التي انتهجتها فرنسا في الجزائر. وقد استمد ابن باديس فلسفته من الآيه القرآنية “إن الله لا يغير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم”. وبهذا الربط بين الاصلاح التربوي المؤسساتي والسياسي، تفادي بن باديس الأخطاء المنهجية التي وقع فيها رواد “المشروع التحرري” الذين سبقوه، فقد ركز الأفغاني والكواكبي علي التغيير السياسي، واهتم محمد عبده أكثر بالجانب التربوي.

بدأ ابن باديس جهوده الاصلاحية بعد عودته من الحج في سن مبكرة بالقاء دروس في تفسير القرآن بالجامع الأخضر بقسنطينة، فاستمع إليه المئات، وجذبهم حديثة العذب، وفكره الجديد، ودعوته الي تطهير العقائد من الأوهام والأباطيل التي علقت بها، وظل يلقي دروسه في تفسير القرآن حتي انتهي منه بعد خمسة وعشرين عاماً. وكانت المساجد هي الميادين التي يلقي فيها دروسه وكان التعليم فيها لايشمل الا الكبار، في حين اقتصرت الكتاتيب علي تحفيظ القرآن للصغار، فعمد الي تعليم هؤلاء الصغار بعد خروجهم من كتاتيبهم.

إبطال النظرية

أكد الدكتور مولود عويمر أن هاجس ابن باديس الأكبر كان إبطال النظرية الاستعمارية التي أقنعت كثيراً من النخبة بعدم وجود أي أمة جزائرية في التاريخ وارتباط هذا البلد عضوياً ومصيرياً بمستقبل فرنسا. وكان عليه أن يقدم بديلاً فكرياً لدحض هذه الأفكار التي صارت مع مرور الزمن مسلمات في الأذهان ومقدسات يحميها القانون والدستور الفرنسي. وفي ضوء هذه المعطيات أشار عويمر الي ضرورة دراسة فكر هذا المصلح حتي لايظلم بغير علم فهماً وتقييماً واتباعاً. ولم يرا بن باديس تناقضا في دعوته الي القومية الجزائرية مع عالمية الاسلام اذا قام كل مسلم في وطنه بواجبه نحو دينه وبلاده : “ليس ما ندعو إليه، ونسير علي مبادئه من الاصلاح، بالأمر الذي يخص المسلم الجزائري ولا ينتفع به سواه، كلا، فان صحة العقيدة، واستنارة الفكر، وطهارة النفس، وكمال الخلق واستقامة العمل وهذا هو الاصلاح كله مما يشترك في الانتفاع به جميع المسلمين، بل جميع بني الانسان وإنما نذكر المسلم الجزائري، لاشعاره بوجوده، فيعمل لاسلامه وجزائريته، فيكون ذا قيمة ومنزلة في المجموع”.

وهدف من وراء تأسيس صحيفة “المنتقد” تسليط الضوء علي أخطاء المستعمر، وصدر العدد الأول في الثالث من يوليو عام 1925 في مدينة قسنطينة. وفي افتتاحيته الأولي أراد أن يبين أهدافه، وغاياته، ودعوته وأراد أن يعرف الناس برسالته. فكتب يقول :”باسم الله، ثم باسم الحق والوطن، ندخل عالم الصحافة العظيم، شاعرينبعظمة المسئولية التي نتحملها فيه، مستسهلين كل صعب في سبيل الغاية التي نحن اليها ساعون.. وهانحن نعرض علي العموم مبادئنا التي عقدنا العزم علي السير عليها. نحن قوم مسلمون جزائريون، فلأننا مسلمون نعمل علي المحافظة علي تقاليد ديننا التي تدعو الي كمال انساني، ونحرص علي الأخوة والسلام بين شعوب البشر”. واستطرد قائلاً “ان الدين قوة عظيمة، لايستهان بها، وان الحكومة التي تتجاهل دين تسئ في سياسته، وتجلب عليه وعليها الأضرار”. وهذه المبادئ تلخص بعد نظر الرجل وتؤكد حرصه علي نهضة أمته الجزائرية والاسلامية، ما يشير في محتواه النهائي الي قدرة عالية في الفهم وحسن ادراك للأمور.


 

آخر التغريدات: