بدران بن لحسن
بقلم: د. بدران بن لحسن -
نعيش اليوم عصرا مطبوعا بطابع العالمية في مستواه العلمي والفكري والثقافي والسياسي والاجتماعي والحضاري، ويتميز بارتباط المصير الإنساني ببعضه البعض، وبهيمنة النموذج الغربي، الذي أصبغ فوضاه على العالم، فأصبحت أزمته أزمة عالمية، تأثرت بها كل الأمم والمجتمعات، إضافة إلى أزمتنا الخاصة بنا.
ويطرح هذا العصر تحديات كثيرة، سواء في مستوى تحدي النموذج المعرفي، أو تحدي الأزمة الأخلاقية، أو تحدي الفساد الكوني.
ولا شك أن المأزق العالمي، الذي تعيشه الإنسانية إن على مستوى الروح أو المادة أو العقل وإن على مستوى الحضارة بعمومها، لا يمكن مواجهتها بالانكفاء على الذات، أو بالاستقالة من مجال صناعة التاريخ، كما لا يمكن مواجهته بانفعال عاطفي بالإسلام، أو إيمان نظري بقدرة الإسلام على حل مشكلات البشرية، وأنه صالح لكل زمان ومكان.
وإذا كان العالم اليوم موحد في مصيره، ويتوجه نحو تجميع قواه في صورة مصير مشترك، قد يصاغ على غير ما نرغب، وأن البشرية صارت تعمر الأرض، وكأنها في عمارة واحدة تتقاسم طوابقها الأمم، تربطهم وشائج، مهما كانت هذه الوشائج.
في هذا كله، ما هو دور الشباب المسلم؟ وما العمل الذي يقوم به حتى يحفظ ذاته من الذوبان؟ وكيف يساهم في حل أزمة الإنسانية التي تنتظر منقذا، يرفعها من مهاوي الإخفاق والجدل الوضعي وأوهام المادية، إلى مستوى نور الهدي الرباني، واستقامة المنهج، ووضوح الرؤية القائمة على التوحيد لله عز وجل؟
فما هو دورنا نحن؟
هل نتمثل قول الشاعر: وما أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد
أم هل نتبع سنن من سبقنا إلى الحضارة والتقدم، شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى إذا دخلوا جحر ضب دخلناه ؟
أم هل يكون لنا دور؟ فنوطن أنفسنا، جاء في الحديث: (لا يكون أحدكم إمعة يقول إن أحسن الناس أحسنت وإن أساؤا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس فاحسنوا وإن أساؤا تتجنبوا إساءتهم) ، وننقذ سفينة البشرية من الغرق، وننجو وينجو معنا غيرنا، كما جاء في الحديث النبوي الشريف: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا في سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها..) .
إن أي دور للمسلم في هذا العصر والشباب المسلم بخاصة، لا يمكن تصوره إلا دورا قائما على ركائز نحسبها مهمة، هذه الركائز تضبط هذا الدور، وتؤصله، وتحقق فيه الفعالية، وتمنحه الوعي، وتجعله عملا محققا للقدوة العلمية والعملية.
هذا الدور يقوم على نظرية واضحة عمادها الوحي إطاراً وتصوراً، والواقع ممارسة وإعماراً. ومن أهم ركاز هذا الدور؛ الوعي بالذات الإسلامية، والوعي بخارطة الواقع الحضاري، وتكامل الأصالة والفعالية، ودخول التاريخ من باب الواجب، وتقديم نموذج عملي للإسلام مثلما كان على عهد السلف الصالح.
1. الوعي بالذات الإسلامية:
الوعي بالذات الإسلامية أمر ضروري، ومهم ودونه لا يمكن أن نحل مشكلاتنا، ولا أن نبلِّغ الهداية إلى الآخرين، ورسالتنا في عصر العالمية تتحدد بمدى فهمنا وتمثلنا للقيم الإسلامية، ولا يمكن أن نحقق التغيير المطلوب إذا لم نرتفع إلى مستوى الإسلام.
يقول مالك بن نبي يرحمه الله: "لكي يتحقق التغيير في محيطنا يجب أن يتحقق أولا في أنفسنا"; وإلا فان المسلم لن يستطيع إنقاذ نفسه ولا إنقاذ الآخرين. ثم إذا كان منهج الرسالة يقتضي التغيير، والتغيير يقتضي تغيير ما بالنفوس أولا"; عندها يجب على كل مسلم أن يحقق بمفرده شروطا ثلاثة: أن يعرف نفسه، وأن يعرف الآخرين"; وأن يعرف الآخرين بنفسه ولكن في الصورة المحببة.
والأمر هنا يتمثل في الانسجام مع أهداف وغايات الرسالة الإسلامية، والتطابق معها، على مستوى التصور العقدي، وعلى مستوى الممارسة العملية.
والوعي بالذات الإسلامية يعني تحقيق وتمثل المثل الإسلامية، وأن يعيشها الفرد المسلم (الشاب) والمجموع، وأن تصبح صبغة لمفردات الحياة اليومية للمسلم، وليس فقط التلفظ بعبارات التوحيد والتوكل والرضا والإتقان للأعمال، وغيرها.
فالتوحيد الذي هو جوهر الذات الإسلامية، ينبغي أن يحياه المسلم في أبعاده الاجتماعية والنفسية والعلمية، فعلى المستوى النفسي يربط المسلم مصيره وأمله وتوجهاته وأهدافه بالله عز وجل، فيخلص التوجه إلى الله، ليحقق وحدته من التمزق، وعلى المستوى الاجتماعي تنتفي مظاهر الصراع والتناقض ويكون توجه المجتمع نحو التكامل والتآلف، فتحكمه مبادئ الاستخلاف والإعمار والتسخير والعبودية لله عز وجل، وعلى المستوى العلمي يتحقق لدى المسلم وحدة الحقيقة، وانسجام سنن الله في الكتاب وفي الأنفس والآفاق والتاريخ، فلا يحدث عنده تناقض بين الوحي والكون، ولا بين الوحي والعلم؛ لأن الوحي هدي صادق، والعلم توجه صادق بحثا عن الحقيقة.
لهذا، فإن الوعي بالذات الإسلامية يقتضي أن يحياها المسلم ويحقق بها غايات الحق من الخلق، كما كان الجيل الأول رضوان الله عليهم، إذ كانوا قرآنا يمشي.فالمسألة لا تتمثل في تلقين أو في إعادة تلقين المسلم عقيدته؛ ولكنها تتمثل في إعادة تلقينه استخدامها وفعاليتها في الحياة .
ثم أن مواجهة أي غزو فكري تتطلب هذا الوعي بالذات، حتى يميز المسلم بين تفوق ذاته الإسلامية، وقصور مصدر هذا الغزو، وبالتالي تحقيق الحصانة من الغزو، والقضاء على عنصر القابلية للاستضعاف والغزو. فقبل أن نواجه الغزو الفكري، لا بد من بناء شخصيتنا، وتحصين أنفسنا، لنصبح ممنوعين من تأثير الغزو، ليس عندنا قابلية له وإذا تحصنا، لم يعد للغزو تأثير فينا..ولهذا لا بد لنا إذا رغبنا أن لا تؤثر فينا مخططات المتربصين، أن نبني شخصيتنا بحيث تكون مصبوغة بصبغة الإسلام، وموسومة بميسم الإيمان .
2. الوعي بخارطة الواقع الحضاري:
إن الخريطة الحضارية للمجتمع الإنساني الراهن تتشكل من حضارات، وكل حضارة تعبر عن نموذج حياتي متميز عن غيره، وفهم الحضارة مقرون بوعي مذهبيتها ونظامها الفكري ومشروعها الاجتماعي ومنهجيتها المعرفية التطبيقية.
كما إنه من الواضح أن الضمير الإنساني في القرن العشرين لم يعد يتكون في إطار الوطن والإقليم، وهذا مع اعترافنا بأن أرض المولد التي يعيش عليها الناس تمدهم بالبواعث الحقيقية لمواقفهم العميقة، غير أن الضمير الإنساني في القرن العشرين إنما يتكون على ضوء الحوادث العالمية التي لا يستطيع أن يتخلص من تبعاتها، فإن مصير أي جماعة إنسانية يتحدد جزء منه خارج حدودها الجغرافية. فالثقافة أصبحت تتحدد أخلاقيا وتاريخيا داخل تخطيط عالمي.
خاصة مع التطور الذي دفعت به الحربين العالميتين الأولى والثانية، وتلاهما من تطورات وأحداث عالمية أحدثت تأثيرا في وعي الإنسان واهتماماته ولم يعد وعيه يتشكل بشكل انعزالي عن المؤثرات الخارجية، ومن هنا فالوعي بها، ووضعها في الحسبان يمكن من التفاعل الإيجابي معها.
يقول مالك بن نبي في هذا الإطار:فالمثقف المسلم نفسه ملزم بأن ينظر إلى الأشياء من زاويتها الإنسانية الرحبة، حتى يدرك دوره الخاص ودور ثقافته في هذا الإطار العالمي.
ولم يعد من المستساغ علميا وواقعيا الغفلة عن ما يجري من حولنا في القرية العالمية، وإلا فإن وعينا سيصيبه الضمور، ونجهل المعالم التي تتحرك على منحاها أحداث التاريخ، فالمستوى الشخصي للمسلم حتى ولو نما نموا نسبيا، يمكن أن يبدو في حالة تضاؤل، بقدر ما ينمو تطور الآخرين بسرعة أكثر.
والواقع أن الوعي الاجتماعي الذي كان يتكون منذ حين في دائرة محدودة أمام منظر محدد عموما، بنطاق بلاد معينة هي الوطن، قد أصبح يتكون اليوم في إطار أكثر امتدادا بدرجة لا تضارع، وفي منظر أكثر انفساحا .
ونلاحظ أن مالك بن نبي يربط تطور ونضج الوعي باتساع دائرة الاهتمام التي يوليها كل منا عنايته، ويمثل لذلك بدوائر متعاقبة، وذلك عند حديثه عن تجربة الوحدة الإسلامية، بالنسبة لفرد من الجزائر ودوائر وعيه المتعاقبة من الجزائر إلى العالم العربي إلى العالم الإسلامي وصولاً إلى الدائرة الإنسانية.
يقول في كتابه فكرة كمنولث إسلامي: بقدر ما يعي فيه الفرد المولود في الدائرة رقم 1 والدائرة رقم 2 أعني مشاكل العالم العربي واتجاهاته وآماله، بقدر ما يكتمل وعيه ذاته وينمو مستواه الشخصي، وبقدر ما يتخطى دائرة داخلية إلى أخرى خارجية بقدر ما ينمو عالم أفكاره؛ وعندما يبلغ وعيه الاكتمال المتطابق مع الدائرة العالمية يكون مستواه الشخصي قد بلغ أقصى اكتماله، بحيث ينبث حضوره في سائر أجزاء المعمورة .
ولهذا فإن الاهتمام بالآخرين يفرضه المنطق الإنساني، وتحتمه التداخلات بين الشعوب والأمم، التي تواجه في عصرنا هذا مشكلات خاصة بكيانها، ومشكلات مشتركة، تعبر عن امتداد كيانها في عالم الآخرين، وتأثير العامل التقني الذي صاغ بالنسبة لكل شعب ضرورات من نوع خاص تفرض على حياته التزامات ومسؤوليات جديدة في نطاق أوسع من نطاقه التاريخي الجغرافي المعتاد .
3. تكامل الأصالة والفعالية:
تكمن الأصالة في أن الانطلاق يكون من الإسلام في الغاية والعقيدة والقيم والتصورات، لأن الأمة المعنية بالنمو والبناء والحركة هي أمة إسلامية في عقائدها، وفي قيمها، وفي تكوينها النفسي والفكري ، فأي مشروع نفكر فيه بأفكار البعض ونحاول إنجازه بوسائل البعض الآخر معرض للفشل لا محالة .
والفعالية في أن نتوجه بالحل نحو واقع الأمة المعاصر وقضاياها القائمة، وما يستلزم ذلك من إدراك أبعاد الزمان والمكان، وإدراك معنى التغيرات الكمية والنوعية في الحياة البشرية بكل ما يحتمه حسن الفهم من الشمول والعمق والدقة والخبرة والتحليل .
وإن الإسلام محوري في بناء الفعالية والمحافظة عليها بشكل يحقق البناء المستمر والتصحيح المتواصل . والفعالية تتحقق بناء على العودة إلى الإسلام؛ إلى أصالة القرآن والمنهج النبوي في بناء النفوس، بناء يقوم على الربط بين العلم والعمل، فالعلم الذي لا يترجمه عمل يظل ترفا لا مكان له .
لهذا فإن الأصالة والفعالية يتحققان من خلال الرجوع إلى الهدي النبوي، في التربية على الجمع بينهما، والموازنة بينهما، يقول مالك ب نبي يرحمه الله: ينبغي العودة إلى روح الإسلام نفسها، ولم يترك الرسول صلى الله عليه وسلم فرصة واحدة تمر دون أن يحذرنا من مثل هذا التمسك والاكتفاء الذي نعرف اليوم آثاره المعوقة للنمو الاقتصادي في المجتمع الإسلامي الحالي. فبعد عودة الرسول صلى الله عليه وسلم من إحدى الغزوات وسط شهر رمضان وكانت مشقة الصيام كبيرة على الصائمين، نراه يعزو الفضل في الانتصار إلى الذين أفطروا في ذلك اليوم.(ذهب المفطرون بالأجر) ، فالشريعة أباحت لهم الإفطار لمواجهة وإعداد ما تحتاج إليه القافلة في السفر. ونحن اليوم أكثر من أي يوم مضى بحاجة للتذكير بهذا الهدي النبوي الذي يعطي في حالة معينة الأولوية لفضيلة الفعالية على فضيلة الأصالة .
كما أن من الفعالية أن الإنسان يصوغ حلوله وفق معالم مضبوطة يراعي فيها الحال والمآل، فإنه إذا تم تجاهل هذا الأمر فإن الارتكاس والخطأ، أو التباطؤ والتنكب عن تحقيق الهدف، هي المآلات الحتمية للعمل الارتجالي، غير المرتبط بواقعه وأصوله.
يقول مالك بن نبي عليه رحمة الله: وعليه فلا يجوز لأحد أن يضع الحلول والمناهج مغفلا مكان أمته ومركزها، بل عليه أن تنسجم أفكاره وعواطفه وأقواله وخطواته مع ما تقتضيه المرحلة التي فيها أمته. أما أن يستورد حلولا من الشرق أو الغرب فإن في ذلك تضييعا للجهد ومضاعفة للداء. إذ كل تقليد في هذا الميدان جهل وانتحار. وعلاج أي مشكلة يرتبط بعوامل زمنية نفسية، ناتجة عن فكرة معينة تؤرخ من ميلادها عمليات التطور الاجتماعي في حدود الدورة التي ندرسها. فالفرق شاسع بين مشاكل ندرسها في إطار الدورة الزمنية الغربية ومشاكل أخرى تولدت في نطاق الدورة الإسلامية .
فالأصالة هي العودة إلى الذات الإسلامية، العودة إلى القيم التي تجلت في فكر وعمل وسلوك السلف الصالح، الذين تشكل وفق منهجهم تاريخنا ونبع منه، فعلينا العودة إلى الأصول والمنابع التي منها نبع تاريخنا.
والأصالة تكمن في عدم الاقتباس الآلي للحلول دون مراعاة المعادلة الاجتماعية، ولا التركيبة النفسية للمسلم، ولا بتجاهل مسلمات التوحيد الخالص، وما الارتكاس في التخلف إلا لغياب عنصر الأصالة في الحلول المقترحة، مما أدخلنا في فوضى من الطروحات المتباينة، وإن العالم الإسلامي لا يستطيع في غمرة هذه الفوضى أن يجد هداه خارج حدوده.
بل لا يمكنه أن يلتمسه في العالم الغربي الذي اقتربت قيامته، ولكن عليه أن يبحث عن طرق جديدة ليكشف عن ينابيع إلهامه الخاصة. ومهما كان شأن الطرق الجديدة التي قد يقتبسها فان العالم الإسلامي لا يمكنه أن يعيش في عزلة، بينما العالم يتجه في سعيه إلى التوحد، فليس المراد أن يقطع علاقاته بحضارة تمثل ولا شك إحدى التجارب الإنسانية الكبرى، بل المهم أن ينظم هذه العلاقات معها .
كما أن الأصالة تقتضي أن لا نستورد حلاًّ جاهزا يختلف في أصله عن تركيبة النفس الإسلامية، كما انه يختلف عمليا عن المشاكل التي نعيشها في إطار دورة الحضارة الإسلامية، يقول مالك بن نبي:ولهذا نستطيع أن نقرر بصفة عامة أن من المخاطرة أن نقتبس حلا أمريكيا أو حلا ماركسيا، كي ما نطبقه على أية مشكلة تواجهنا في العالم العربي والإسلامي، لأننا هنا أمام مجتمعات تختلف أعمارها أو تختلف اتجاهاتها وأهدافها .
فإن المجتمع الذي لا يصنع أفكاره الرئيسية، لا يمكنه على أية حال أن يصنع المنتجات الضرورية لاستهلاكه، ولا المنتجات الضرورية لتصنيعه، ولن يمكن المجتمع في عهد التشييد أن يشيد بالأفكار المستوردة أو المسلطة عليه من الخارج سواء كانت تمت إلى الاستشراق أو الشيوعية وبكلمة علينا أن نستعيد أصالتنا الفكرية، واستقلالنا في ميدان الأفكار حتى نحقق بذلك استقلالنا الاقتصادي والسياسي .
فالتنمية لا تشترى من الخارج بعملة أجنبية، غير موجودة في خزينتنا. فهناك قيم أخلاقية اجتماعية ثقافية لا تستورد وعلى المجتمع الذي يحتاجها أن يلدها .
4. الدخول من باب الواجب: الواجب والحق.
إن المدخل السياسي لعملية الدعوة والتغيير الاجتماعي يحولها إلى وسيلة تكسب وتنويم، ذلك أن طبيعة العمل السياسي تركز على الحقوق، وهو أمر محبب لدى النفوس العاطلة التي تنتظر أن يأتيها رزقها بياتا وهي لم تقدم جهدا يستحق هذه الحقوق.
وليس معنى هذا الكلام أن نفرّط في الحقوق، غير أن الذي تؤكده التجربة التاريخية، وتشهد له سنن الإصلاح أن دخول التاريخ يكون من باب الواجب، ولنا في السلف الصالح رضي الله عنهم خير مثال، فالصحابة رضوان الله عليهم لو لم يحملوا الدعوة ويصبروا على أذى الطريق، ويبذلوا الغالي والنفيس، لما مكّن الله لهم في الأرض، قال تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً)[سورةالنور، 55].
ولهذا فعلى الشباب المسلم أن تكون له نظرية واضحة متوازنة بين الحق والواجب، وأن يعي أن الواجب هو مقدمة الحق، وأن لا يفصل في كفاحه من أجل تثبيت قيم الإسلام والحياة على هداه بين الحق والواجب.
يقول مالك بن نبي عليه رحمة الله: فلسنا إذن بحاجة إلى نظرية تهتم (بالحق) على حدة، أو (الواجب) على حدة، فان الواقع الاجتماعي لا يفصلهما، بل يقرنهما ويربط بينهما في صورة منطقية أساسية، هي التي تسير ركب التاريخ.
5. تقديم نموذج عملي للإسلام:
إن العصر الحاضر الذي تأثر بالصياغات الفلسفية الوضعية للعلم والحياة صار يؤمن بمنطق العمل أكثر ما يؤمن بمنطق الفكرة ذاتها، ولفصامه عن البعد الغيبي صار العقل الحديث لا يؤمن بالفكرة إلا إذا كانت تحمل كثافة الواقع، ولها برهان عملي على تقديم نماذجها الملموسة حية مشاهدة.
وإن مهمة المسلم اليوم إذا أراد أن يكون له دور فاعل ومؤثر، أن يرتكز على أصالة الفكرة الإسلامية القائمة على الإسلام، ويربط بين المبدأ وبين المنطق العملي الذي هو أهم خصائص العصر الحديث.
ففي منطق هذا العصر المنغمس في البراغماتية، لا يهمه إثبات صحة الأفكار بالمستوى الفلسفي أو الأخلاقي، بل بالمستوى العملي، فالأفكار صحيحة إذا هي ضمنت النجاح. ولا يكفي أن نعلن عن قدسية القيم الإسلامية، بل علينا أن نزودها بما يجعلها قادرة على مواجهة روح العصر. وليس المقصود أن نقدم تنازلات إلى الدنيوي على حساب المقدس، ولكن أن نحرر هذا الأخير من بعض الغرور الاكتفائي والذي قد يقضي عليه ، حينما نربط آليا بين الإسلام والمسلم في واقعه، فنسقط صورة المسلم المتخلف على الإسلام في أصالته.
كما أن علاقة المسلم بالإسلام لها مستويان، مستوى الحقيقة المنزلة، أي العلاقة الروحية، ومن هذه الجهة فنحن لا نحتاج أن نقنع المسلم بوجود الله ولا بصحة الإسلام، ولكن هناك المستوى الآخر، وهو المستوى الاجتماعي، الذي من خلاله يعيش المسلم إسلامه في حياته حقيقة اجتماعية تحكم يومياته وتوجه سيره في المجتمع، ويرتبط بالإسلام سلوكيا. وبتعبير آخر، استحضار الوظيفة الاجتماعية للدين.
يقول ابن نبي عليه رحمة الله:علاقة المسلم بالإسلام. فهذه العلاقة مزدوجة، إذ هي روحية واجتماعية، فالعلاقة الروحية قوية سليمة لا يمكن مسها باعتبارها يقينا مطلقا. والضمير المسلم لا يشعر بأي نوع من القلق الميتافيزيقي. ولكن العلاقة الاجتماعية على العكس من ذلك أفسدتها المشاكل المادية التي تفرضها الحياة على كل مسلم .
والنموذج العملي للإسلام مطلوب من وجهين؛
الأول للمسمين ذاتهم حتى يطمئنوا بأن الإسلام ليس فكرة طوباوية، أو أنها فلتة زمان حدثت مع السلف الصالح ولن تتكرر، وبالتالي يدخلهم الشك في مدى عملية التعاليم الإسلامية والقيم التي يقدمها الإسلام للناس لتحكم الحياة وتهدي الناس.
والثاني لغير المسلمين، لتبليغ قيم الهداية إليهم وتحويلها إلى سلوكيات عملية مرتبطة بالعمل، وبخاصة في زمننا هذا، الذي لا يحتفل الناس كثيرا بالقيمة الذاتية للفكرة بقدر ما ينصب اهتمامهم لثمرتها العملية في تغيير شؤون حياتهم، وتحقيق مصالحهم وإنقاذهم من ضنك المادية وضلالات الوضعية، وضبابية الرؤية العلمانية للحياة.
والنموذج العملي الذي نقدمه، يكون بالارتقاء إلى المستوى الاجتماعي للحضارة، ورفع الحضارة إلى المستوى الروحي للحقيقة الإسلامية.
بعبارة أخرى، أن نحقق القدوة الحقيقية التي تحتاجها البشرية، وذلك على المستوى الفردي والمستوى الاجتماعي والمستوى الحضاري. وهي كلها دوائر متعاقبة ومتصلة ببعضها، ولا يمكن أن نبقى نردد القرآن بألسنتنا، بل نعيشه بقلوبنا وسلوكنا.
خاتمة:
وما نختم به ونود التأكيد عليه أن دور الشباب المسلم في عصر العولمة والعالمية دور مهم وصعب، ولا يمكن الحديث عنه بالشكل الأدبي، أو النظري البحت، مهما كان هذا التنظير عميقا وشاملا، وحتى يؤدي الشباب المسلم دوره لا بد من تكاتف كل الأجهزة على إعداده؛ بما في ذلك المنظومة التربوية والإطار الاجتماعي، والحكومات في البلاد الإسلامية.
فالمشاركة في المصير الإنساني، وتقديم الإسلام بديلا عن الأديان المفلسة، واستدراك الفساد الأخلاقي، كلها تحتاج إلى مشروع متكامل، تقوم عليه المؤسسات في البلدان الإسلامية، كلٌّ في موقعه، بحيث تتوزع هذه المؤسسات على خارطة الإنجاز لتحقيق التكامل فيما بينها، إن على المستوى المحلي الخاص بكل دولة، وإن على المستوى الإقليمي الخاص بالعالم العربي أو الملايوي أو التركي أو الفارسي، وإن على مستوى الأمة الإسلامية ككل، وإن على المستوى العالمي فيما يتعلق بما هو مشترك بيننا وبين غيرنا من الأمم.
فالمنظومة التربوية، وحتى تحقق أهدافها في هذا العصر عصر العالمية- من الجوهري أن تركز هدفها في بناء الإنسان، الذي هو مناط التكليف ومحور البناء ومرتكز أي إنجاز، ولتحقيق بناء الإنسان الذي سيظهر الإسلام على الدين كله، لا بد من تزويده بالقيم الثابتة والرؤية الواضحة والأداة الفعالة؛ فالرؤية الواضحة هي الرؤية القائمة على التوحيد الخالص لله عز وجل، هذا التوحيد الذي ليس تسليما كلاميا بوجود الله، بقدر ما هو أداء عملي لأبعاد التوحيد الغيبية والاجتماعية، ودون الربط بين الغيب والواقع فإنا سنخرج إنسانا إما متصوفا، وإما ماديا متهتكا، فالتوحيد المطلوب هو الذي يربط الإنسان بالله ربطا مستمراً، فينطبع في تعامله مع نفسه ومع الإنسانية ومع الكون كله، فيستحضر دوما أنه عبد لله ومسؤول عن تعبيد الناس لله رب العالمين.
أما القيم الثابتة، فهي التي تحفظ له خط السير من أن لا ينحرف، هذه القيم الكبرى الأساسية هي أن نعلّم الشاب المسلم أنه مستخلف في هذه الأرض وأنه يحمل أمانة الهداية، ومكلف بعمارة الأرض وفق هداية الوحي.
وأما الفعالية، فهي العودة إلى المنطق العملي الذي جاء به الإسلام، من خلال ربط العلم بالعمل، وتحقيق القدوة، ومداومة التحرك بين حدي الرجاء والخوف، هذان الحدان اللذان يضبطان حركة المسلم فلا يقع في الإفراط ولا التفريط.
كما أن تمكين الشباب المسلم من أداء دوره لا بد له من منهج واضح المعالم والخطوات، ومحدد الآليات والأدوات، ولا يترك الأمر إلى الخطاب الذي يرتكز على الثناء التاريخي ولا على ذم الآخر الغربي المسيطر. كما يحتاج تمكين الشباب المسلم من أداء دور فعال إلى نظرية في البناء الحضاري ترتكز على الوحي إطارا وتصورا، وترتكز على الواقع ممارسة وإعماراً.
بقلم: ناصر حمدادوش - يؤكد “مالك بن نبي” في كتابه “مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي”…
بقلم: محمد الهادي الحسني - منذ عشر حِجَجٍ، وفي يوم 14-12- من سنة 2013 جاء…
بقلم: د. علي الصلابي- كانت نفسية ابن باديس وأشواقه الروحية تواقة إلى التضحية في سبيل…
بقلم: د. علي الصلابي- استعمل عبد الحميد بن باديس في العديد من مواضيع شعره ونثره،…
بقلم: د. توفيق جعمات- لم تكن مدارس جمعية العلماء المسلمين مجرد فصول تعليمية أو كتاتيب…
بقلم: عبد الحميد عبدوس- تعرفت على الكاتب المفكر والطبيب المجاهد الدكتور السعيد شيبان في سنة…