بقلم: د. إبراهيم نويري -
يُعدُّ الشيخ محمد البشير الإبراهيمي -رحمه الله تعالى- من أبرز أدباء الجزائر وعلمائها وخطبائها ومصلحيها الأفاضل ولد سنة 1889 م ، و توفي سنة 1965 م، سخّر حياته كلها للنضال من أجل تحرير وطنه من آسار وأغلال الاستعمار الفرنسي البغيض، وجاهد بقلمه مع رفيق دربه الشيخ الإمام عبد الحميد بن باديس و إخوانه ، ضمن إطار جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ترك العديد من الآثار العلمية والقصائد القوية والمقالات الرصينة، أشهرها مقالات ” عيون البصائر” التي كان ينشرها أسبوعياً في صحيفة البصائر.
ولعلّ قراء العربية الذين أُتيح لهم الإطلاع على كتابات ومقالات الشيخ الإبراهيمي، لاحظوا قوّة لغته وتميّز ديباجة أسلوبه، حتى لكأننا بإزاء أساليب الجاحظ وأبي حيان التوحيدي وعبد الحميد الكاتب وابن العميد وغيرهم من المترسلين في مجال النثر الفني البديع ذي السبك اللغوي والأدبي المشرق الرصين. وقد ألفيتُ الشيخ الإبراهيمي يتحدّث عن العيد، فيعدّد لنا معانيه ويُجلّي لنا أبعاده المختلفة بأسلوب مترع بجماليات الصنعة الأدبية، فيقول: “العيد في معناه الديني كلمةُ شكرٍ على تمام العبادة، لا يقولها المؤمن بلسانه، ولكنها تعتلج في سرائره رضًى واطمئناناً، وتنبلج في علانيته فرحاً و ابتهاجاً، و تُسفرُ بين نفوس المؤمنين بالبشاشة والطلاقة والأُنس، وتمسحُ ما بين الفقراء والأغنياء من جفوة. ” [ البصائر ج 2 ، ص 543 ] .
ويستتلي الإمام الإبراهيمي في السياق ذاته، فيكشف عن رؤى ومرئيات كثيرة متداخلة تسكن النفس البشرية ، و تثوي في أخاديد الفؤاد ، و لكنها تظهر في تيار الشعور المتدفّق بحبور العيد والانتعاش بمذاقاته ومعانيه في أبعادها النفسية والزمنية والاجتماعية ونحوها، حيث يقول: “العيد في معناه النفسي حدٌّ فاصلٌ بين تقييدٍ تخضع له النفس وتسكن إليه الجوارح، وبين انطلاق تنفتح له اللّهوات وتتنبّه له الشّهوات.. والعيد في معناه الزمني قطعة من الزمن خُصّصت لنسيان الهموم و اطّراح الكُلَفِ، واستجمام القوى الجاهدة في الحياة. والعيد في معناه الاجتماعي يومُ الأطفالِ يفيضُ عليهم الفرحَ والمرَحَ، ويومُ الفقراء يلقاهم باليسر والسعة، ويومُ الأرحام يجمعها على الصلة والبر، ويومُ المسلمين يجمعهم على التسامح والتزاور. “[البصائر ج2، ص 543].
بيد أنّ إقرار تلك المعاني العظيمة و إتاحة الإمكانات المشروعة للتعبير عنها ضمن الضوابط الشرعية المقرّرة والتقاليد الاجتماعية المرعية، لم تُنسِ الشيخ الإبراهيمي الواقع و المتغيّرات التي طرأت على حياة المسلمين، وأثّرت فيها سلباً مع كلّ أسف، حيث ضعُفت منازع التضامن والوحدة والتقارب بين المسلمين، وتراجعت العديد من وشائج القربى التي يدعو إليها ديننا، مما جعل تيار الشعور الإسلامي يستبطن الكثير من الآلام والشجون والأحزان.. وقد صوّر الإبراهيمي جانباً من هذه المشاعر والأحاسيس فقال: “يا عيد كنا نلتقي فيك على عزّة تمكنتْ أسبابُها، وعلى حياة تجمعُ الشرفَ والتّرَفَ، وتأخذُ من كلّ طريفةٍ بطَرَفٍ، وعلى جدّ لا ينزلُ الهزلُ بساحته، واطمئنان لا يُلم النّصَب براحته، فأصبحنا نلتقي فيك على الآلآم والشُّجون.. يا عيد إنْ لقيناك اليوم بالإكتئاب، فتلك نتيجة الاكتساب؛ ولا والله ما كانت الأزمنةُ ولا الأمكنةُ يوماً جمالاً لأهلها، ولكنّ أهلَها هم الذين يجمّلونها ويكمّلونها”. [البصائر ج 2 ، ص 544].
ثم يُطلق الإمام الإبراهيمي زفراتٍ حرّى مُعتّقة بجرعاتٍ كبيرة من الحزن والألم والكرب على ما آل إليه وضع الأمة الإسلامية والعالم الإسلامي على كافة الأصعدة، وخاصة الوضع السياسي، ولعلّ مَنْ يتأمل كلمات هذا الإمام الأديب يُخيّل إليه كأنه ما يزال يعيش بين ظهرانينا، مما يدلُّ على أن واقع الأمة لم يتغيّر إلاّ من بعض المناحي الشكلية، بل هو ــمع كل أسف ــ يسير من سيء لأسوأ، وخير دليل على ذلك ما يجري هذه الأيام من صراعات وفتن ومنابزات بين دول مجلس التعاون الخليجي لا تخدم سوى أعداء أمتنا، وفي هذا السياق الحزين يصوّر الشيخ الإبراهيمي جانباً من مشاعره الكئيبة إزاء واقع الأمة المستعصي عن العلاج منذ عقود طويلة فيقول: “والحقيقة هي أنني كلما أظلّني عيدٌ من أعيادنا أظلّتني معه سحابةٌ من الحزن لحال قومي، وما هم عليه من التخاذل و الانحلال والبعد عن الصالحات والقرب من الموبقات، واحتدَمتْ جوانبي من التفكير فيما هم فيه من سَدَرٍ [أي: تيه و غيّ وغيبوبة]، لا يملكون منه الوِردَ ولا الصّدرَ، وذكرتُ كيف يعيشون على الخيال المُفضي إلى الخبال…وكيف استخفّهم علماؤهمو زعماؤهم وكبراؤهم وملوكهم فأطاعوهم في معصية الله، وقادوهم إلى النار فانقادوا بشعرة، وكيف يَلقون أعيادهم التي هي موقظات. عزائمهم بهذه التقاليد الزائفة والعادات السخيفة التي تطمس معالمها وتشوّهُ جمالها، فأجدُني بذلك كلّه كأنني من قومي أعرابيٌّ بين أنباط، أفهمُ من لفظ العيد غيرَ ما يفهمون.. “[البصائر ج 2، ص 546].
هذه شذراتٌ سريعة وخواطر بديعة من عبارات الأديب الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله في حديثه عن العيد، وتصويره لمختلف المنازع والأحاسيس والرؤى التي تنسكب في نفس وروح الإنسان المسلم في مناسبة العيد .
واللهَ تعالى نسأل أن يجعل أيام المسلمين أعيادا تطفح بالوحدة والأُخوة والتماسك والتضامن والتقارب، وأن يُبعد عن هذه الأمة أسباب الفتنة والاختلاف والوهن، إنه سبحانه وليُّ ذلك والقادر عليه .
والله وليّ التوفيق
بقلم: ناصر حمدادوش - يؤكد “مالك بن نبي” في كتابه “مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي”…
بقلم: محمد الهادي الحسني - منذ عشر حِجَجٍ، وفي يوم 14-12- من سنة 2013 جاء…
بقلم: د. علي الصلابي- كانت نفسية ابن باديس وأشواقه الروحية تواقة إلى التضحية في سبيل…
بقلم: د. علي الصلابي- استعمل عبد الحميد بن باديس في العديد من مواضيع شعره ونثره،…
بقلم: د. توفيق جعمات- لم تكن مدارس جمعية العلماء المسلمين مجرد فصول تعليمية أو كتاتيب…
بقلم: عبد الحميد عبدوس- تعرفت على الكاتب المفكر والطبيب المجاهد الدكتور السعيد شيبان في سنة…