جهود الشيخ أحمد حماني في الدفاع عن الهوية الوطنية

بقلم: عزوز بوساحة -

يشغل موضوع الدفاع عن الهوية الوطنية حيزا كبيرا من جهود الشيخ أحمد حماني إن لم نقل جل أعماله كانت تصب في خانة الدفاع عن هذه الهوية التي تستمد ينابيعها الصافية من الإسلام والعروبة والجزائر، ذلك لأن الأنا عند الإنسان الجزائري قبل مصيبة الاستعمار هو الأنا الإسلامي في أسمى مستوى والجزائر هي وطنه الحسي ودار الإسلام وطنه الروحي واللغة العربية هي لسانه المعبر عن آماله وآلامه ، أما بعد الاحتلال فقد عمل الاستعمار على إضعاف هذه الرابطة بمحاولته تخريب المنظومة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية للمجتمع الجزائري... واستبدالها بمنظومة غريبة لا علاقة لها بتاريخ الجزائر وحضارتها وثقافتها.

فما هي أهم معالم جهود الشيخ أحمد حماني في الدفاع عن الهوية الوطنية ؟ وما هي أهم مواقفه ممن حاولوا الانفصال عن المجتمع الجزائري روحيا وفكريا ومعنويا ...من دعاة التغريب والاستئصال ؟

وقبل استعراض الإجابة على هذه التساؤلات التي تشكل صلب موضوع هذه المداخلة نحتاج إلى تحديد مصطلح ومفهوم الهوية ، لإزالة أي لبس أو غموض عن هذا المفهوم .

1- حدود الهوية :

يعتبر مفهوم الهوية "L’identité " من المصطلحات السياسية والقانونية الحديثة التي تحمل معنى فضفاضا يتداخل في كثر من الأحيان مع غيره من المفاهيم والمصطلحات ، الشيء الذي يجعل من الضروري تحديد دلالته الاصطلاحية حتى لا يختلط بغيره من المصطلحات والمفاهيم.

أ- تحديد مفهوم الهوية :يتكون مصطلح الهوية من كلمة الضمير الغائب " هو" مضافا إليه ياء النسبة للدلالة على أن الهوية : تعني نب أشياء معينة وصفات محددة ... وغرها إلى صاحبها دون غيره لتميزه عن الآخرين، كبطاقة التعريف وجواز السفر... وغيرها من الوثائق التي تحدد هوية الشخص .

ثم توسع مدلول هذه اللفظ ليشمل تميز أفراد أمة من الأمم أو شعب من الشعوب أو مجتمع من المجتمعات بخصائص ومميزات ثقافية وحضارية واجتماعية محددة عن غيرها من الأمم والشعوب والمجتمعات .

أما مدلوله في الاصطلاح الفلسفي العربي فيعني حقيقة الشيء كما هو بوصفه وجودا فذا متميزا عن غيره، يقول الفيلسوف العربي " الفارابي" في ذلك :" هوية الشيء وعينيته وشخصه وخصوصيته ووجوده المتفرد له... إشارة إلى هويته وخصوصيته ووجوده المنفرد له ، الذي لا يقع فيه اشتراك" (1)

ب – مكونات الهوية :حتى يتحقق الوعي بالذات وتكتمل صورة الأنا الجماعي لابد من توافر عنصرين أساسين هما :

1- العنصر الموضوعي: ويتمل في تلك المجموعة من القواسم المشتركة التي تجمع أفرد المجتمع وجماعاته ف وحدة متراصة مترابطة متماسكة يلتفون حولها ويعتصمون بحبالها كاشتراكهم في العقيدة واللغة والرقعة الجغرافية والتاريخ وغيرها .

وقد تبوأ ت رابطة الدين الإسلامي واللغة العربية مركز الصدارة بين هذه الروابط، ذلك لأن المجتمع العربي الإسلامي _ ومنه المجتمع الجزائري _ عبر تاريخه الطويل احتضن مجموعات بشرية متباينة وقوميات وشعوب مختلفة ... انصهرت كلها ضمن إطار الهوية العربية الإسلامية .

وفي ظل هذه الهوية فتح المجال أمام الأفراد والجماعات بمختلف أصولهم ومشاربهم ومذاهبهم في شتى مجالات العلوم والفنون، ولكن ذلك كله تم ضمن إطار الحضارة العربية الإسلامية .

ولم يتخلف المجتمع الجزائري عن التشبث والاعتزاز بهاتين الرابطتين : الإسلام واللغة العربية

عبر مسيرته التاريخية بالرغم من المحن والصعوبات التي واجهها خصوصا الحملة الاستعمارية الفرنسية عام 1930م.

فكان ذلك سببا في حفظه من الذوبان والانصهار في ثقافة وحضارة الاستعمار ، كما أن عقيدة الإسلام كانت هي الدافع الحقيقي الذي أيقظ روح الجهاد والمقاومة والاستبسال مدة 132 سنة ضد الاستعمار الفرنسي .

بالرغم من أنه سعى بشتى الوسائل إلى تهميش اللغة العربية واستبدالها باللغة الفرنسية ، كما حاول طمس معالم الدين الإسلامي وتشويهها وإحلال الدين المسحي مكانه .

2- العنصر الذاتي :تترك تلك الروابط من عقيدة ولغة ورقعة جغرافية وتاريخ مشترك وتراث ...وغيرها حالة نفسية لدى الأفراد والجماعات يترجمها ذلك الشعور بالانتماء المتبادل وبذلك الإحساس الداخلي الذي يجمع بين مختلف أفراد المجتمع روحيا وعاطفيا .

فالإحساس بهذا الانتماء نستشعر حرارته في تعابير واستجابات وردود أفعال مختلفة لدى هؤلاء الأفراد والجماعات كالتعاون والتآلف والتآزر والتضامن ... وغيرها .

2- بعض معالم جهود الشيخ أحمد حماني في الدفاع عن الهوية الوطنية :

إن المتصفح لحياة الشيخ أحمد حماني – رحمة الله عليه- سيجدها بأنها كانت كلها حلقة من حلقات الصراع مع الآخر الذي كان يسعى إلى إقصاء لغة وثقافة وتاريخ المجتمع الجزائري بل وإنهاء وجوده ... سواء كان هذا الآخر مؤسسة استعمارية أو ذيلا من ذيولها أو بقايا من تراثه وتركته وثقافته ...

لذلك كان – رحمة الله عليه – متنبها واعيا بهذه الأساليب الاستعمارية في ابتلاع الأمم والشعوب بتحريف عقائدها وطمس معالم شخصيتها ووأد تاريخها .

فقال : "إن العدو، إذا تغلب على أمة من الأمم أراد ابتلاعها، يعلم أنه لا يتمكن من ذلك إلا بمحو شخصيتها، لذلك فهو يسعى للقضاء على الدين ليعم الانحلال وفساد العقائد والذبذبة والقضاء على اللغة، فتذهب أداة التعبير الجامعة وأداة العلم والثقافة والرقي الذهني ". (2)

لذلك كان الشيخ - رحمة الله عليه – منذ نعومة أظافره واعيا بهذه الأساليب الاستعمارية التي يلتجئ إليها لتوسيع رقعة الاغتراب وتعميق أزمة الفرد والمجتمع فيتمكن من الهيمنة والسيطرة على المجتمعات الواقعة تحت نفوذه .

وأخطر ما تمتد إليه يد الاستعمار للتحريف والتشويه من مقومات الهوية الوطنية هو :الدين واللغة، فمن خلال هاتين الرابطتين يتمكن الاستعمار من إحداث تغيير في إطارها الحضاري ونسيجها الثقافي، وهذا ما تفطن إليه الشيخ أحمد حماني .

إذن فنحن أمام شخصية وطنية تملك مستوى راق من الوعي الوطني والإدراك الثقافي والحضاري والذي بدون شك قد رشحه لقيادة الدفاع عن حياض الهوية الوطنية والشخصية الجزائرية .

وحتى نتمكن من استعراض بعض جهود الشيخ أحمد حماني في الدفاع عن هوية مجتمعه بعد أن تعرضت للفسخ والنسخ والمسخ – حسب تعبير مولود قاسم –رحمة الله عليه قمنا بتقسيم مراحل نضاله وكفاحه إلى مرحلتين أساسيتين هما :

أ- مرحلة الاستعمار :إن المتصفح لحياة الشيخ أحمد حماني أثناء فترة الاستعمار يجد بأنها كانت متناغمة مع مبادئ جمعية العلماء المسلمين بل هي نتاج أصيل لها ، فقد سار على نهج شيخه عبد الحميد بن باديس في الدفاع عن العربية والإسلام والجزائر ...

لذلك فقد صدق الشاعر الكبير محمد العيد آل خليفة حينما وقف أمام ضريح الشيخ عبد الحميد بن باديس وأنشد يقول :

نم هانئا فالشعب بعدك راشد ... يختط نهجك في الهدى ويسير

لا تخشى ضيعة ما تركت لنا ... سدى فالوارثون لما تركت كثير

خصوصا وأنه كان من رواد مجالس العلم التي كان ينظمها الشيخ عبد الحميد بن باديس في مسجدي : سيدي قموش والجامع الأخضر من سنة 1930 إلى سنة 1934 (3)

ثم سلوكه نفس المسلك الذي سلكه شيخه عبد الحميد بن باديس في رحلته إلى طلب العلم إلى تونس ، ففي سنة 1934 م انتسب إلى جامع الزيتونة ثم الخلدونية والصادقية المدرستين الحديثتين المرافقتين للزيتونة للدراسة والعلم والمعرفة .

فتمكن الشيخ أحمد حماني من التخرج منها سنة 1943م وهو متحصل على شهادة العالمية ، بل وهو بالإضافة إلى ذلك متحصل على لغة المستعمر "الفرنسية " حتى يتمكن من فهم أساليب الاستعمار وطرقه في الكيد للمجتمع الجزائري .

ثم عاد _ رحمة الله عليه_ إلى الجزائر عام 1944م فانتصب للتدريس بعد عودته من هذه الرحلة العلمية من تونس سالكا بذلك نهج أستاذه ومعلمه وشيخه عبد الحميد بن باديس ، الذي تصدى للتدريس بعد عودته من تونس .

ولم يكن اختيار الشيخ أحمد حماني لوظيفة التدريس مجرد اختيار عشوائي أو بالصدفة وإنما كان اختيارا هادفا ووفق رؤية بعيد النظر ، تتناغم مع الأهداف التي أفصحت عنها جمعية العلماء المسلمين في محافلها العامة والخاصة والتي يمكن تلخيصها في المقولة الآتية :(( إن التدهور الاجتماعي والسياسي والفكري الذي تعاني منه الجزائر لا يمكن التخلص منه إلا بإعداد وتنشئة جيل طموح يرى في الجزائر وطنا وفي الإسلام دينا وفي العروبة انتماء))

لذلك فقد انخرط في ميدان التدريس كمدرس متطوع في مدرسة التربية والتعليم بقسنطينة ، كما درس في مدرسة الكتانية بنفس المدينة ، ثم عين أستاذا مرسما في معهد عبد الحميد بن باديس للتعليم المتوسط والثانوي سنة 1947م إلى غاية 1956م .

وكان الاستعمار قد عمل منذ بداية احتلاله للجزائر على نشر لغته وثقافته عبر مختلف القنوات والوسائل ولكن كان أخطرها على الإطلاق المدرسة ، حيث ربطها مع فلكه الثقافي باعتبار أن المدرسة هي صانعة رجال الغد ونخب المستقبل .

وهذا ما راهن عليه الاستعمار الفرنسي بعد أن تأكد بأن الاستعمار الحقيقي للجزائر لا يكمن في وضع اليد على الموقع الجغرافي ولكن في إنشاء أنفس جديدة تنمو أعوادها مائلة نحوه فتصبح لا تشعر إلا بشعوره ولا تحس إلا بإحساسه ولا تفكر إلا بفكره ولا تنهج إلا نهجه في الحياة والسلوك وهذا ما أفصح عنه الأسقف الفرنسي " لافيجري " لرجال الكنيسة في الجزائر إبان الاستعمار حينما حثهم على إنشاء المدارس في كل مكان من التراب الجزائري ليتمكنوا من تحقيق الاستعمار الثقافي ، الذي هو لب الاستعمار الاستيطاني في الجزائر فقال لهم :

" يجب إنشاء المدارس في كل مكان ، وكما تعلمون إنها الأداة القوية والضرورية لتحيق سياسة الإدماج ، حيث نستطيع بفضلها إذابة كل العناصر التي تنتهي إلى أمم مختلفة ... إن فرنسا لا تنجب كثيرا من الرجال لتعمر الجزائر ، وعليه يجب أن يعوض ذلك بفرنسة المليونين من برابرتنا المستعمرين" (4).

من هنا يتضح لنا جليا لماذا اختار الشيخ أحمد حماني التدريس باعتبار المدرسة أهم مؤسسة في المجتمع وعن طريقها ينمو الولاء والارتباط بالأمة والجماعة والوطن والتاريخ ...

ولم يتخل " أحمد حماني" عن وظيفة التعليم حتى وهو في السجن ، فبعد سجنه سنة 1957م استطاع مع مجموعة من المجاهدين داخل السجن من تنظيم دورات تعليمية داخل السجن تشمل العلوم الشرعية والعلوم اللغوية والرياضية والاجتماعية ...(5).

أما في مجال العقيدة فقد كان – رحمة الله عليه- من الثائرين على البدع والخرافات والدروشة المنكرة الوافدة على المجتمع الجزائري... وكان في المقابل يدعو إلى التصوف ذو المنابع الصافية الذي يهتم بالسلوك وتزكية النفس، ناهجا بذلك نهج شيخه وقدوته عبد الحميد بن باديس رائد النهضة الحديثة في الجزائر ، ذلك لإدراكه العميق بأن العقول المصابة بلوثة الدروشة والخرافات والبدع هي الموطن الخصب للسخرة الاستعمارية والقابلية للاستعمار.

لذلك فقد رأى بأن الواجب الوطني والديني يفرضان عليه الوقوف في وجوه أولئك المشعوذين والمبتدعة في الدين لحماية أحد أهم مقومات الهوية الوطنية وهي عقيدة الإسلام التي تشكل الركيزة الأساسية للهوية الوطنية والشخصية الجزائرية .

ولعل ما ذكره الشيخ أحمد حماني في رده على أحد السائلين من ولاية غليزان عن حكم من يزور الشيوخ ويتبرك بآثارهم ويتمسح بقبورهم ويتوسل بهم ... وغير ذلك من طقوس الطرقية خير دليل على تشجيع الاستعمار لهذه البدع والخرافات والشعوذة ، فكان من بين ما قال :

" لقد وقف العلماء وقفة صادقة ضد هذه المناكير في الزرد لا فرق بين علماء الإصلاح وغيرهم ممن كان يناصر جمعية العلماء ومن كان خارجها حتى قضوا على الزردة ، وساء ذلك الدوائر الاستعمارية فأرادت أن تحييها وتحافظ عليها ، وفي علمي أن آخر زردة قسنطينة أقامها سياسي فشل في سياسته الإدماجية فعادى العلماء واتهمهم وأقام زردة بثيران المعمرين وخرافهم وأين مدينة قسنطينة عرين أسد الإصلاح ، لكنه دفن نفسه ولم تقم له قائمة " (6)

ب- مرحلة الاستقلال :بعد الاستقلال مباشرة وجدنا الشيخ أحمد حماني سباقا إلى مواصلة مشواره في ميدان التعليم للمساهمة في صنع أجيال الاستقلال . لذلك لب الدعوة على عجل حينما استدعي لتنظيم التعليم بمدينة قسنطينة وكان ذلك بتاريخ 2 مارس 1962م ، حيث تولى إدارة معهد بن باديس بقسنطينة وفي نفس السنة تم تعيينه مفتشا عاما للتعليم العربي ثم عين أستاذا في معهد الدراسات العربية (7).

إلى جانب تلك الإسهامات الكبيرة في ملتقيات الفكر الإسلامي التي كانت تعقد في الجزائر ، خصوصا بعد توليه مهام رئاسة المجلس الإسلامي الأعلى عام 1972م إما محاضرا أو معقبا .

ومن ذلك مثلا : تعقيبه على بعض ماورد في إحدى ملتقيات الفكر الإسلامي من تشهير بالأشخاص والدول الإسلامية فكان من بين ما قاله في هذه المداخلة :

" ... إن ما وقع اليوم من التفرقة ومن إعلان ذلك ، ومن التشهير بالشخصيات ، ومن التشهير بالهيئات ومن التشهير بالدول الصديقة الحبيبة العزيزة التي لا يشك أبدا في صلاحها ، هذا نتأسف له جدا " إلى أن يقول " فالتجريح غير صحيح ونرفضه ويرفضه مبدأ الملتقى لأنه إنما يؤدي إلى الفوضى ".(8)

بهذه الرؤية المسؤولة والبعيدة سعى الشيخ حماني إلى المحا فضة على وحدة صف المسلمين بمختلف مذاهبهم ومشاربهم من خلال هذه الملتقيات الفكرية التي وجدت من أجل ضم الصفوف وليس تفريقها شيعا وأحزابا . وبذلك كان له دور كبير في إثراء ملتقيات الفكر الإسلامي في الجزائر منذ نشأتها . متمسكا بمنهج الاعتدال والتيسير فيما يطرحه من قضايا وإشكاليات رافضا لأي تعصب مذهبي أو فكري مهما كان مصدره .

وحينما يدعو الشيخ أحمد حماني إلى وحدة صف المسلمين وترك عوامل التفرق والتشرذم فلأنه يدرك تمام الإدراك بأن هذه الوحدة هي الضامن الوحيد للحفاظ على الهوية العربية الإسلامية أمام المخططات الهادفة إلى نسفها بأحياء النعرات القومية والعصبيات القبلية ، ويذكر في نفس المداخلة بأن قضية تحرير الجزائر جمعت صف المسلمين ووحدت كلمتهم فنالت استقلالها بفضل نصرة المسلمين لها في مشارق الدنيا ومغاربها فيقول :" والجزائر منحها الله سبحانه وتعالى مزية في هذا العصر ، وبذلت في ذلك مليون ونصف مليون من الشهداء ، إنها جعلت المسلمين قد اتفقوا على قضية هي قضية الجزائر . فالجزائر في الحقيقة ما نالت النصر بجهادها وحدها ، ولكن اجتمع على نصرتها المسلمون بدون تفريق بين المذاهب ، فنالت هذا النصر " (9)

ومن أجل المحا فضة على الهوية الجزائرية والشخصية الوطنية رفض أحمد حماني التجنس بالجنسية الفرنسية أو غيرها من الجنسيات الأوربية أو الغربية والتي تؤدي إلى فقدان الهوية الوطنية وذوبان المسلم في مجتمعات غير إسلامية فيتسبب ذلك في ضياع الهوية العربية الإسلامية ، بل وأنكر حتى التزوج بالأجنبيات مثل الفرنسيات أو غيرهن وهو ما يسمى بالزواج المختلط ، والذي كثيرا ما يؤدي إلى تجنس الأولاد بطريقة آليا ويذوبون في المجتمع الفرنسي .

وقد رد الشيخ حماني على أحد السائلين عن حكم الصلاة خلف من تجنس بالجنسية الفرنسية فكان رده كما يلي :" إن هذا المسلم لا تصح إمامته ولا يصلي بالمسلمين ، لأن العلماء قد حكموا عليه بالردة لما تجنس ولرفضه- بمحض إرادته – أحكام الشريعة الإسلامية وتملصه منها " (10).

قد يقول قائل بأن هذه الفتوى متشددة وبعيدة كل البعد عن سماحة الإسلام ووسطيته واعتداله، لكن العارف لمكائد الاستعمار في اغتيال هويات الشعوب ومسخ شخصيتها ، وخططه في طمس ثقافات الأمم و تحويلها التدريجي إلى جزء لا يتجزأ من نظامه الاستعماري سيعذر الشيخ على منحى فتواه هذه ، ذلك لأن المقاومة الثقافية للمشروع الاستعماري تستوجب الحيطة والحذر من كل من ارتمى في أحضان الاستعمار عن طريق التجنيس أو الاندماج أو الزواج ، وقد سبقه شيخه عبد الحميد بن باديس بهذه الفتوى كشكل من أشكال سد المنافذ أمام عمليات التجنيس والفرنسة خلال فترة الثلاثينات من القرن العشرين .

ولعل الخبرات التي مر بها أعضاء جمعة العلماء المسلمين وعلى رأسهم رائد النهضة الفكرية الحديثة في الجزائر الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس والمنتسبين إليها إلى هذه الجمعية ومنهم الشيخ أحمد حماني ما عزز لديهم فكرة خطورة هذا التيار الاندماجي على النسيج الاجتماع والثقافي للمجتمع الجزائري وهويته.

فبالعودة إلى العشرينيات والثلاثينات وحتى الأربعينات من القرن الماضي لاستنطاق واقع النخب الجزائرية آنذاك سواء كانت سياسية أم ثقافية للوقوف على مواقفها من إشكالية الهوية الوطنية ، لوجدناها منقسمة على نفسها بحكم طبيعة تكوينها وتنشئتها الاجتماعية المختلفة والأصول الثقافية التي تنتمي إليها ، وعلاقتها بالموروث الثقافي والحضاري للمجتمع الجزائري .

ففي ذلك الحين كان النقاش الحاد الذي يدور بين النخب الجزائرية يتركز حول الإجابة على التساؤل الهام الآتي :

هل الجزائر أمة مستقلة عن فرنسا بتاريخها وثقافتها وكيانها الحضاري المختلف عنها ؟ أم أنها جزء من فرنسا ولا وجود لها إلا ضمن الكيان الفرنسي ؟

إ ن الإجابة على هذا التساؤل كانت كافية لأن تقيم الحدود الفاصلة بين جناحين أو بالأحرى بين معسكرين أحدهما :

- اندماجي : يرى بأن لا وجود للجزائر إلا ضمن الدولة الفرنسية ..؟ ويمثل هذا الاتجاه " فرحات عبا س" . وتأتي خطورة هذا المعسكر في أنه لا يسبح مع تيار الاستعمار فقط بل ويجدف معه لتحقيق هدفه الكبير في هضم المجتمع الجزائري وابتلاعه كلية . وهذا ما كان يدعو له " فرحات عباس " خلال ثلاثة عقود من حياته قبل أ يطلق " الفكر الاندماجي" وليلتحق بالتيار التحرري.

يقول في مقال نشره في جريدة "l’entente" ( التفاهم) بتاريخ : 24/02/1930 تحت عنوان La France c’est moi) ( " فرنسا هي أنا" :

" سوف لن أموت من أجل الجزائر : الوطن الجزائري ، لأن هذا الوطن غير موجود ، لم اكتشفه بعد " ثم يواصل قائلا :" لقد سألت التاريخ وسألت الأحياء والأموات وزرت المقابر ، لم يكلمني أحد عنه ، ووجدت الإمبراطورية العربية اختفت من مثلما اختفت الإمبراطورة اللاتينية والإمبراطورية الجرمانية في العصور الوسطى ، إنها وجدت لعصر غر عصرنا ولإنسانية غير إنسانيتنا " .

كما أنه نشر كتابا تحت عنوان " الشاب الجزائري " ) la jeunesse algérien ( عام 1931 يقول في أحد صفحاته :" إن الجزائر أرض فرنسية ونحن فرنسيون ، ونأمل أن تتحول الجزائر من مستعمرة إلى مقاطعة .. نخن أبناء عالم جديد ينبع من الروح والجهد الفرنسيين "(12) .

كما أنه كتب في 8 ماي1945م في صحيفة " البريد الجزائري" ) Le Courier algérien ( مقالا على شكل نداء وجهه إلى الأوربيين المتواجدين في الجزائر وإلى الشعب الجزائر المسلم يقول فيه :" يجب على الأوربي الجزائري أن يتجرد من عقدة الاستعمار ، ومن جانب المسلم يجب أن يختفي المفهوم اللاهوتي للقرون الوسطى ، إن عهد الدعوة الدينية قد انتهى... إن المواطنة الإسلامية غلطة تاريخية وليس من المفروض على أبناء وطن واحد وأرض واحدة أن يكونوا على دين واحد ، يجب على الجزائري المسيحي والإسرائيلي إن يكونا أخا للجزائري المسلم " . (13)

حينما نتتبع جذور هذا الفكر الاندماجي نجد بأنه بدأ في التبلور والظهور مع بداية القرن العشرين عندما تمكن الاستعمار من تحويل المجتمع الجزائر إلى مجتمع منزوع الثقافة بفعل التدمير الممنهج للبنى الثقافية والاجتماعية للمجتمع الجزائري ، وإنتاج نخب جزائرية تستمد ثقافتها وتكوينها من الفلك الثقافي الفرنسي .

وقد بدأت هذه النخب في التشكل والظهور والبروز مع بداية إنتاجها باللغة الفرنسية لأجناس أدبية من شعر وقصة ورواية وتحريرها لمقالات صحفية وتأليفها لكتب... كلها ليست وطنية بل هي تصب في خانة الاستعمار: تمجد الاستعمار تجعله رسول حضارة وحامل لواء مدنية راقية ومتحضرة ... وبعبارة مختصرة إنتاج مفلس يعيش حالة ضياع الهوية وفقدان الإنية .

وأسوأ مثال على ذلك تلك المجموعة القصصية التي ألفها من سمى نفسه " حاج حمو شارك " تحت عنوان " إفريقيا خاصتنا " سنة 1925م . وتلك المختارات الشعرية التي تحمل عنوان " شعراء مقاطعة وهران " لمؤلفها " ولد الشيخ محمد " عام 1930م والتي نشرت بمناسبة الاحتفال بمرور مائة سنة على الاحتلال الفرنسي للجزائر .(14)

واستمر هذا التيار في التشكل والتبلور والتغلغل بين بعض النخب الجزائرية الناشئة ، التي أوهمها الاستعمار بأن أفضل حل للواقع الاستعماري هو الذوبان والتماهي – على الأقل فرديا – قي ثقافة وحضارة المستعمر الفرنسي .

وقد مارس الاستعمار الفرنسي جميع أصناف الإغراء لجذب هذه النخب إلى فلكه الثقافي سواء كان ذلك عن طريق التجنيس أو الزواج المختلط أو التعيين في مناصب إدارية أو سياسية ... أو غير ذلك.

لقد هيأ بروز هذا التيار الاندماجي الأرضية للفكر التغريبي في المجتمع الجزائري ، والذي أحدث أزمة عميقة في المجتمع الجزائري امتدت آ ثارها إلى ما بعد الاستقلال ، ذلك لأنه أوجد حالة من الو عي المتشضي ... استحال معه تقديم مشروع ثقافي واجتماعي نهضوي يتيح للمجتمع الجزائري استعادة حركيته من جديد وإعادة ترتيب نفسه وفق المتغيرات الجديدة مع الاحتفاظ بأصالته ومقوماته التي تضمن له بقاء وجوده وكينونته .

- وثانيهما تحرري : يمثله الشيخ عبد بن باديس وأعضاء جمعية العلماء المسلمين والمنتسبين إليها ومن بينهم الشيخ أحمد حماني ، ويتفوق هذا التيار على التيار الاستقلالي في أنه أكثر تأثيرا في المجتمع الجزائري من عدة نقاط نجملها كالآتي :

1- إعداده للتحرر من الاستعمار ليس على مستوى التحرر السياسي فقط ولكن للتحرر منه فكريا وثقافيا وحضاريا .

2- لم يوجه كل كفاحه إلى المستعمر فقط ولكنه التفت أيضا إلى الإنسان الجزائري محاولا إعادة بنائه وفقا لتعاليم الإسلام الصحيحة ، لذلك سعى منذ البداية إلى تحرير الممارسات الدينية من الشوائب والبدع والخرافات والدروشة والمظاهر المسيئة للإسلام .

3- اهتمامه بالتعليم والتربية والتوجيه الديني كقنوات لغرس مبادئ الدين الإسلامي الحنيف واللسان العربي وحب الجزائر والاستعداد للدفاع عنها وبالتالي صنع رأي عام واعي ومستنير.

4- اهتمامه بالعمل الصحافي ليس كعمل احترافي ولكن كمنبر لتبليغ الكلمة الطيبة الهادفة الصادقة الداعية للفضيلة والأخلاق ونشر الوعي الثقافي والحضاري بين جموع الجماهير.

هذه هي البيئة التي عاشها الشيخ أحمد حماني – رحمة الله عليه – وهي التي شكلت شخصيته

وصقلت خبرته وتجربته وحددت مواقفه من قضية هامة وخطيرة وهي قضية الهوية الوطنية والشخصية الجزائرية التي حاول الاستعمار دفنها وهي حية و حاول بعض العملاء من أذناب الاستعمار تمكينه من ذلك، فاحتدم الصراع بين المدافعين عن القلعة والراغبين في فتحها للعدو بعد ان انفصلت هذه الأخيرة عن مجتمعها فكريا ومعنويا وروحيا ، فصدق وصف مالك بن نبي لهذا الصراع حينما قال :" أما اليوم فالمعركة من الداخل وبين جدران القلعة ، بين أولئك الذين يريدون الدفاع عن القلعة والذين يريدون تسليمها إلى الأفكار الأجنبية" .(15)

فكان الشيخ أحمد حماني من المدافعين عن هذه القلعة دفاعا مستميتا تعكسه مواقفه التي ذكرنا منها فيضا من غيض، فرحمة الله عليه ، وجزاه الله خير الجزاء .

 

الهوامش :

1- مشاري عبد الله النعيم . تحولات الهوة العمرانية : ثنائية الثقافة والتاريخ في العمارة الخليجية المعاصرة ، مجلة المستقبل العربي ، العدد:263 )1/2006 ( ص99.

2- الشيخ أحمد حماني : أصالة ومعاصرة . تأليف نخبة من الأساتذة ، عين مليلة ، دار الهدى، ط2، 2008، ص121.

3- المرج السابق ، ص139.

4- المرجع السابق، ص143.

5- د. عبد المالك خلف التميمي .الخليج العربي والمغرب العربي . بيروت ، ، دار الشباب للنشر والمؤسسة العربية للدراسات والنشر والتوزيع، ط1، 1986، ص217.

6- د. محفوظ بن صغير. الشيخ أحمد حماني ومنهجه في الفتوى . رسالة ماجستير- غير منشورة- نوقشت بجامعة باتنة سنة 2002 ، ص51.

7- أنظر مقالات الشيخ أحمد حماني على جريدة الشعب : 18/11/1991، رقم:9.

8- الملتقى الخامس عشر للفكر الإسلامي . الجزائر(1-7 سبتمبر1981) ص113.

9- المرجع السابق، ص112.

10- الشيخ أحمد حماني: أصالة وعاصرة، ص125.

11- Benjamine Stora , Zakia Daouad. Ferhet Abbas .Alger, casbah édition,1995,p73.

12- Ibid,p74.

13- Ibid ,p74.

14- عبد القادر جغلول. الاستعمار والصراعات الثقافية في الجزائر. ترجمة: سليم قسطون، لبنان،دار الحداثة،ط1، 1984،ص23.

15- مالك بن نبي. مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي. ترجمة : بسام بركة والدكتور أحمد سعيد ، دمشق، دار الفكر ، ط1، 1992، ص109.

أستاذ بالمعهد الإسلامي – التلاغمة- ميلة

admin

المقالات الأخيرة

مالك بن نبي والزَّعامة الصَّنمية

بقلم: ناصر حمدادوش - يؤكد “مالك بن نبي” في كتابه “مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي”…

سنة واحدة قبل

في ذكرى وفاة الأستاذ سعد الله

بقلم: محمد الهادي الحسني - منذ عشر حِجَجٍ، وفي يوم 14-12- من سنة 2013 جاء…

سنة واحدة قبل

دعوة ابن باديس للثورة

بقلم: د. علي الصلابي- كانت نفسية ابن باديس وأشواقه الروحية تواقة إلى التضحية في سبيل…

سنتين قبل

الثورة في شعر ابن باديس ونثره

بقلم: د. علي الصلابي- استعمل عبد الحميد بن باديس في العديد من مواضيع شعره ونثره،…

سنتين قبل

الإشراف التربوي في مدارس جمعية العلماء المسلمين ج1

بقلم: د. توفيق جعمات- لم تكن مدارس جمعية العلماء المسلمين مجرد فصول تعليمية أو كتاتيب…

سنتين قبل

لمحة عن مسار الدكتور سعيد شيبان مع العلم والإيمان والنضال

بقلم: عبد الحميد عبدوس- تعرفت على الكاتب المفكر والطبيب المجاهد الدكتور السعيد شيبان في سنة…

سنتين قبل