الشيخ أمحمد بن محمد الهاشمي: القدوة في علماء الأمة وجود أخلاقي وسلوك إيماني

القلم: الطيب أمحمدي بوزينة-

ما من مرحلة من مراحل الحياة تمر إلا ويبعث الله في دنيا العقيدة والإيمان عبادا تقتفي آثارهم، ويقتدي بأفعالهم وينتهي إلى آرائهم ومما لا مجال فيه للطعن والارتياب أن مرحلة محمد – صلى الله عليه وسلم – هي مرحلة العظمة الباهرة، وكطلع النور عظمة تسمو وتعلو، ونور يتألق ويضيء، فكان محمد –صلى الله عليه وسلم– يبلغ وأمته تلبي وتستجيب ورجاله الصادقون أشبه بالسوار بالمعصم أو كالنجوم حول القمر تلكم هي مدرسة الإسلام التي تتلمذ فيها هؤلاء الرجال على يد أصدق معلم عرفته الدنيا وتشرف به الكون وتوطدت به أواصر البر والإحسان في كل مكان وزمان.

هذه البذور امتدت إلى أمته، وتواصلت حلقات السلسلة يشد بعضها رقاب بعض تصديقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: « العلماء ورثة الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر»، وتاريخ الأمة الإسلامية حافل بالعلماء العاملين، والدعاة المخلصين، والرجال الصالحين، ومن هؤلاء نقدم واحدا عاش لدينه وأمته داعيا عاملا مخلصا إنه رجل صاغه الإسلام وتربى في مدرسة القرآن ذلكم هو: الشيخ محمد بن محمد الهاشمي المولود في ليلة نصف شعبان من السنة الهجرية 1313 هـ الموافق لـ29 يناير 1896 م بضواحي مدينه مليانة توفيت أمه وهو لم يتجاوز السنتين. وكان أصغر إخوته. فعاش في كفالة قريب له بمدينة مليانة. فاعتنى بتربيته تربية دينية حيث أدخله الزاوية اليوسفية. لصاحبها العلامة أحمد بن يوسف الراشدي الذي بناها في القرن الخامس عشر من الميلاد. حفظ القرآن ولم يتجاوز سنه العاشرة ثم واصل تلقي العلوم الدينية من فقه وعقيدة وعلوم اللغة العربية، وحفظ المتون حتى شهد له شيوخه ومعلموه بالكفاءة العلمية شيخه بن عودة الشريف عام 1335 هـ/1917م.

نشاطه العلمي والعملي

بداية السنة الهجرية 1336هـ شد الرحال نحو مدينة عين الصفراء، حيث حل ضيفا على عائلة بن ميلود الخلادي من أعيان المنطقة، ممارسا لمهنة كاتب قضائي، وبعدها تفرغ لمهنة التعليم العربي الحر لمدة ثماني سنوات 1925/1918. وفي آخر سنة من هذه الفترة تولى منصب مفتي المذهب المالكي بعد وفاة المفتي السابق الحاج الملياني.

ذاع صيته، وانتشرت سمعته الطيبة، وتوسعت دائرة علاقته ومعارفه وصلاته بالعلماء والدعاة والأعيان داخل الوطن وخارجه. في المغرب الأقصى وتونس. أثناء زيارته لهما حيث منحه ملك تونس: أحمد باشا سنة 1953م وسام الافتخار من الدرجة الرابعة، ثم استقر به المقام في مدينة مليانة نزولا عند رغبة أهله وأحبائه، حيث تولى إدارة مدرسة الفلاح للتعليم الحر رفقة صديقه الأستاذ محمد الطيب العلوي، غير أن المدة لم تدم طويلا إذ شد الرحال من جديد نحو مدينة «تنس» الساحلية ليتولى الإمامة بمسجدها العتيق سيدي معيزة. أدى فريضة الحج سنة 1373هـ/1953 م عن طريق البر.

الشيخ الإمام وثورة التحرر

لم يكن الأمر شاذا في قانون الاستعمار الفرنسي الذي كان يراقب حركة العلماء والأئمة والمخلصين من أبناء هذا الوطن قبل الفاتح من نوفمبر، فما بالنا بعد اندلاع الثورة، وما بقي عالقا بذاكرتي مبعثرا غير مصنف ما قاله شيخنا الإبراهيمي - رحمه الله- أن كل شيء في حكم الاستعمار كان بترخيص، إذ كان يقول للجزائري المسلم، لا تقرأ القرآن إلا بحضرتي، ولا تفتح المدارس إلا برخصتي، ولا تزكي من مالك إلا بإرادتي، ولا تحج إلا بموافقتي، ولا تسمع إلا كلامي، ولا تصلي إلا في مقامي.

في إطار هذه اللوحة السوداء القاتمة كان الاستعمار يراقب حركات الجزائريين عامة والأئمة والعلماء والطلبة خاصة، ومع اندلاع ثورة التحرير صار الاستعمار ينظر نظرة العداوة والانتقام من كل جزائري، وكان الشيخ من اشتدت عليهم الرقابة والمتابعة والتضييق حينما التحق ولداه محمد المحفوظ وأحمد عبد اللطيف بالمجاهدين في الجبال، فصار الاستعمار يتابع خطواته ويحصي عليه وقفاته وجلساته، الأمر الذي جعله ينتقل إلى مدينة الأصنام في سنة 1956م لتولي الإمامة بمسجدها العتيق إلى أن ضرب زلزال العاشر من أكتوبر 1980م المدينة فحولها من الأصنام إلى الشلف.

نظرته إلى التربية والأخلاق

لقد كانت نظرته إلى التربية نظرة متمرس ثاقب النظرة، لأن القدوة في علماء الأمة هي وجود أخلاقي يترتب عليه سلوك الإنسان وتصرفاته، فكان يحث في دروسه التي كان يلقيها بين صلاتي المغرب والعشاء على القدوة الحسنة. ويؤكد لمستمعيه أن الإنسان لا يقتدي إلا إذا عرف ممن تؤخذ القدوة وكيف ينبغي له أن يقتدي. لقد كان مربيا بما تعنيه كلمة التربية واعظا في المسجد نظريا، مطبقا في مدرسة الحياة يوميا، حدثني أخ كريم والعهد بالحديث قريب أنه سمع من أبيه مرات متتالية، والأب هذا من أصدقاء الشيخ وملازميه، معروف بحبه للخير وصنائع المعروف (بن داود) وكان يعمل بمستشفى المدينة قال:«كان الشيخ يلقاني في كل أسبوع لأرافقه في عيادة المرضى في أماكنهم حيث يعالجون، وكان يؤدي هذه الزيارة للمرضى دون استثناء، مركزا على من لا أهل لهم ولا قريب، ولا يستثني فاقدي العقل وبلا تمييز، وقد حدث مرة أن حذره الممرضون من الاقتراب من بعض المرضى لما في الأمر من خطر واقترحوا عليه أرن يرافقوه فأبى واستعصم».. قال الشاهد:« أن المجانين تحلقوا حول الشيخ يقبلون يده وثيابه" ولعل مرد هذا عائد إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم:« الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف» أعني عرفوا فيه صدق النية وصدق الفعل، فلا هو يحمل لهم أذى ولا هم يؤذونه.

- وأنا أقدم هذه الشهادة، أقدمها من غير ما أزكي أحدا على الله، ومصدر الشهادة من أقرب الناس إليه في البيت من الأولاد، وفي المسجد ممن صلوا خلفه وتتلمذوا على دروسه، ومن عامة الناس حيث كان يحيا مع هؤلاء الناس، وحتى تتأكد الشهادة لمن يعرف إمامنا خاصة ولمن لا يعرفه عامة أقول إني شاهد عما أنقله عن حياة الشيخ في صغر سني يوم عرفته في مدينة «تنس» رفقة خالي عبد القادر محمدي بوزينة الذي رباني وعلمني في مدارس جمعية العلماء يوم كان معلما بها.

وفي كبر سني وخاصة بعد الاستقلال يوم كان إمامنا بالمسجد العتيق بمدينة الأصنام صليت من ورائه واستمعت إلى دروسه، بل كنت أجلس معه في المقصورة رفقة خالي المذكور، وإذ أذكر هذا فليس من باب إدراج شخصي في لوحة الإشهار أو الرياء والسمعة ولكن لتوطيد الحديث وتوثيق الشهادة.

علاقته بالمسجد

يستطيع كل من يعرفه وما أكثر الأحياء منهم أن يؤكد أن الشيخ كان ملتزما بالبقاء في المسجد في جميع الأوقات، وكانت مقصورته بالمسجد تربطه ربطا وثيقا بالمحراب والمنبر، حيث كانت المقصورة ملتقى العلم والعلماء وعلى رأسهم الشيخ الجيلالي الفارسي، والمهدي البوعبدلي، وسعيدي عبد القادر بن أحمد، وقويدر العباسي، وعبد القادر محمدي بوزينة وهؤلاء كلهم أموات. ويعذرني الأحياء، إن لم أذكرهم وهم كثيرون وشاهدون.

كان الشيخ إذا خرج من مقصورته متوجها إلى المنبر أو المحراب فإن رؤوس المصلين تشرئب وتتطلع لرؤيته، ومنهم من يسارع ليقبل جناح برنوسه، وإن كان لا يرضى، فينحني هذا الآخر ليقبل رأسه من قبل ثيابه.

حياته في البيت ومع الأبناء

حدثني أولاده توفيق وياسين ورشيد، وهذا الأخير طبيب اختصاصي في جراحة العظام، وهو عضو في الشعبة الولائية لجمعية العلماء المسلمين بالشلف، أن الشيخ أباه كان منضبطا محافظا على الوقت مثمنا له جادا في كل شيء من شؤون الحياة الأسرية، ملتزما بحديث الرعاية (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) ومن الرعاية أنك لم تلق أحدا من أبنائه أو أسرته يتناول ما يسمى بالتدخين من قريب أو بعيد..وما شهد له ولداه أنه ما كان يطالبهم بالنتائج العلمية في دراستهم بقدر ما يطالبهم بالنتائج التربوية، حتى كان التقويم عنده منصبا على ملاحظات الأساتذة لا على علاماتهم.

الإمام وصدى الشارع والتجار

ما أكثر التجار الذين إذا ذكرتهم بالشيخ الإمام يسارعون في تقديم شهاداتهم شاهدين له أنه كان يرفض الطمع والتمييز في المعاملات. قال لي أحدهم كان أبي تاجرا وكان متعلقا بالشيخ كثيرا الأمر الذي حمله على أن يختار له حبات من البطيخ كانت من بواكير الحقل وهي عادة عند شعبنا أنه لا يتناول باكورات الثمار إلا إذا كرم بها الكبار والصالحين. ولما قرع باب البيت سلم وحيا وقال قل للأبناء يأخذون هذا. فقال: ولمن هذا؟ قال إليك...فقال إني شاكر لك فضلك وجميلك، ولكني أراك أخطأت العنوان، فهناك من هو أحوج مني إلى هذا، ألا ترى أني قادر على أن أوفر هذا لأهلي. بينما أولئك الفقراء وأرشده إليهم هم أحق بهذا مني. وقد قرر ولم يتراجع، ثم قال: فعل ونحن في الثواب شركاء.

وحدث تاجر آخر قائلا: لقد زارني الشيخ مرة، فانتقيت له أطيب الخضر والفواكه، فلما انتهيت خاطبني قائلا: لمن هذا؟ فقلت: هو لك وذكرته بالثمن المستحق ولم يكن كذلك. فقال: أعد البضاعة إلى أصولها وأخلطها ثم زنها من غير انتقاء أو اختيار ومن غير تذكير فإني أعرف سعرها، ولا يمكن إلا أن أكون واحدا من الناس.

الشيخ والإقتداء والقدوة

كان مرة رفقة المؤذن «الوعزاني» وكان مرهقا بعض الشيء والقفة بيده لشراء ما يلزمه للبيت، فطلب منه المؤذن أن يسلمه القفة ويشتري له ما يمليه عليه ففعل، وما كاد المؤذن يبتعد عنه بأمتار حتى ناداه يا سي الوعزاني إياك أن تقول هذا للشيخ أرجوك.

الوقار والهيبة

لقد كان الشيخ حسن الخلق، طيب السريرة. من الذين سيماهم في وجوههم، كل من رآه أحبه وهو لا يعرفه، فانتقل حياؤه في حياته إلى حياة غيره إذ لا يستطيع أحد أن يلقاه بلفافة تبغ في يده، أو بعض الشمة في فمه، أو غيرها بين أصابعه، أخبرني جاري المقرب كثيرا: دخل علي الشيخ ذات مرة على حين غفلة والسجارة بين أصابعي، فلم أجد لها مكانا، ولا أنا عرفت ماذا أفعل والشيخ يألف الجلوس عندي فرميتها وراء ظهري من غير إطفائها. وبعد قليل هبت النار في داخل المتجر فقام مندهشا وهو يطفئ النار قائلا: غفر الله لك غفر الله لك. ومنذ تلك اللحظة وقع بيني وبين التدخين طلاق بينونة كبرى. وبشهادة الذين عاشوا معه وعرفوه وكثير منهم أحياء، أن للشيخ منزلة رفيعة بين الناس، فحيثما حل وارتحل هبوا إليه زرافات ووحدانا بالتحية والحديث معه والإنصات إليه، ولما رأى أنه يحرج الناس وخاصة من هم أكبر منه سنا، وجد للمعضلة حلولا، فصار يلازم حافة الرصيف حتى يبتعد قليلا عن أبواب الدكاكين وجماعات الناس، فيحيى من بعيد ويمضي وهذا ما شهد له به عارفوه ومصاحبوه، وشاءت الأقدار مرة أن يلقى مدمن خمر فرق له قلبه وأعطاه نصيبا من المال قل من يعطيه لأقرب الناس إليه، فاندهش الذين رأوه، وقالوا ماذا فعلت لعله يشتري بما أعطيته خمرا، فقال: لماذا لا تحسنوا الظن بأخيكم، فلعلها تكون آخر عهد للرجل ورحل عما هو قابل عليه إلى غير رجعة. ادعوا لأخيكم واستغفروا له فلعل الله يتوب عليه.

وفاته وتشييعه

إذا كان السبق لمدينة مليانة أنها أنجبت هذا الإمام الفاضل، فإن المردود الفاضل لمدينة الشلف التي احتضنته، فنالت علمه وأخلاقه ونال حبها وتكريمها فترة من الزمن مرت وكأنها ساعة من نهار، وبعد زلزال الأصنام، وهن العظم واشتعل الرأس شيبا، وبلغ من الكبر عتيا، فعاد إلى مسقط رأسه بمدينة مليانة، ويفارق الشيخ عالم الحياة ليصير من أبناء الآخرة الأبرار بعد ما كان من أبناء الدنيا الأطهار.

ذهب ورحل ورحلت معه مدينة الشلف إلى مثواه الأخير، وكان ذلك يومي الخميس والجمعة 29ربيع الثاني 1401هـ الموافق لـ 05مارس 1981م. صلى عليه أمة من الناس. بمسجد مليانة بعد الجمعة ودفن بمقبرة "سيدي سبع". وحضر الجنازة علماء سبق ذكرهم وعلى رأسهم الجيلالي الفارسي وسعيدي عبد القادر بن أحمد، والمهدي، البوعبدلي، والمباني العاروزي وأمة من المسلمين من كل حدب وصوب. ضاقت بهم المدينة ولم تكد تتنفس.

فرحم الله شيخنا وإمامنا.

آخر التغريدات:

    Message: Invalid or expired token., Please check your Twitter Authentication Data or internet connection.