مالك بن نبي المفكر والمشروع

بقلم: أحمد بن يغزر-

في كل 31 أكتوبر من كل عام نتوقف عند ذكرى وفاة المفكر الجزائري الاستثنائي مالك بن نبي رحمه الله (1973-1905)، وفي كل مرة نجد أنفسنا في مواجهة سؤال كبير: هل أعطينا لهذا الرجل ولفكره حقهما؟

والسؤال لا يتوجه لجهة معينة حصرا، بل هو يتوجه للجميع.

يتوجه ابتداء لأهل الفكر والثقافة لأنهم هم المعنيون بشكل مباشر، فبن نبي ينتمي إليهم، وهم أكثر من يقع على عاتقهم فهم وفحص ونقد فكر هذا الرجل، وهم من يفترض فيهم أن يكونوا أشد حرص على إبراز أهمية الاعتناء بأهل الفكر وتفعيل ما ينتجونه من آراء وما يصيغونه من نظريات في إدارة شؤون المجتمع والدولة، وأغلب من برز من كبار المفكرين في العالم، ما كان ليصل لذلك لو لم يجد من يضيف لفكرهم فكرا وتفسيرا وتصويبا.

كما يتوجه ثانيا لأهل السياسة والقائمين على الشؤون الحكم والدولة، فمالك بن نبي من خلال ما خلفه من كتب وما طرحه من أفكار، لم يكن أقل شأنا من أدم سميث (1723 – 1790) ومن دافيدريكاردو(1772 – 1823) اللذين كانت أفكارهما الأساس الذي قام عليه النظام الرأسمالي، ولا من كارل ماركس (1818م -1883م). الذي تبنت الثورة البلشفية في روسيا أفكاره وجعلتها أساسا للنظام الذي أنشئته في الاتحاد السوفياتي سنة 1917، فلماذا لا تكون لأفكار بن نبي صدى وتأثير على مستوى فلسفات أنظمة الحكم؟

كما يتوجه السؤال أيضا لعموم المجتمع أفرادا وتنظيمات اجتماعية وثقافية، فالملاحظ أن الكل يتحدث عن فكر الرجل ذكرا ومدحا، وربما يتحصر على تهميشه، لكن لا تكاد تجد أثرا لهذا الفكر في السلوك العملي لأغلب هؤلاء، بل قد تجد عكسه تماما، ومن الطرائف في هذه النقطة أنني حضرت مرة ندوة حول مالك بن نبي وكان عنوانها “أهمية الوقت لمشروع النهضة في فكر بن نبي”وتأخر المحاضر عن موعد الندوة بأكثر من نصف ساعة لكنه لم يكلف نفسه ولا الجهة المنظمة بالاعتذار عن ذلك.

إن مالك بن نبي رحمه الله لم يكن محترف تفكير، ولم يكن يسعى لمكاسب اجتماعية ولا لشهادات أو درجات علمية، بل كان يفكر ويكتب من موقع من وجد نفسه أمام أمة مريضة، خرجت من التاريخ، ولم تعد تملك الفاعلية التي صنعت مجدها لقرون، ولم يكن وهو يفعل ذلك مكتفيا بالإجابات السهلة والمكررة التي كانت ولاتزال تردد، لكنه كان يحاول أن يغوص في الأعماق سواء في تشخيصه لأزمة هذه الأمة أو في وضع يديه على أسباب ما آلت إليه، أو في تحديد الخطوات التي تعيدها لساحات الفاعلية والتأثير.

لذلك فإن تفكيره لم يكن هواية في وقت فراغ، ولاتشدقا في لحظة ثرثرة، لكنه كان تعبيرا عن معاناة حقيقية، وتطلعا صادقا لصياغة رؤية، ووضع خطوط برنامج لاستئناف مسار حضارة عظيمة فقدت إشعاعها، وهو إذ يفعل ذلك يدرك صعوبة المهمة، ويجد نفسه في مواجهة هواجس داخلية بتأثير الواقع المزرى المحيط به، يعبر عنها في مذكراته بقوله: “هل علي معالجة إشكالات الحضارة كمجرد كاتب ومؤلف يصف ما يراه صوابا، ثم يترك للآخرين مسؤولية تجسيده في أرض الواقع…أم على اعتبار نفسي مثل رسول يعتقد أنه لم يؤمر بتبليغ الرسالة فقط، بل حمل إقناع الناس بها وتحبيبها إلى قلوبهم…؟”.

من المهم لفهم سياق هذه الهواجس أن ندرك أن بن نبي ولد وعاش في الزمن الصعب، زمن الاحتلال، زمن الضعف العام الذي كانت عليه الأمة، حتى أصبحت جغرافيتها تحت رحمة مسطرة الغرب الاستعماري يرسمها كما يشتهي ويشاء وفقا لرؤاه وحساباته الاستراتيجية، وكانت الإرادة الجماعية للأمة في حالة موات رغم بعض المقاومة وبعض الرفض، ولم يكن من المتوقع في مثل هذه الحالة أن يظهر عقل كعقل بن نبي، ولا أن ينتج فكرا كالذي أنتجه هذا العقل بالنظر إلى الجو المحبط السائد أنذاك.

وربما هذا ما يفسر إلى جانب عوامل أخرى طبعا محدودية الصدى الذي كانلأفكار بن نبي في حياته، عدا الاهتمام الذي بدر من بعض المثقفين والنخب هنا وهناك، لكن ذلك لم يتجاوز حدود الإعجاب والتنويه أحيانا، أو التعجب والتساؤل والانتقاد أحيانا أخرى، ربما كان لعامل اللغة التي كان يكتب بها بن نبي في البداية وهي اللغة الفرنسية دور في تأخير وصول فكر الرجل إلى القراء بالشكل الكافي خاصة في الجزائر وفي العالم العربي والإسلامي.

لقد أدرك بن نبي الفجوة التي كانت تفصل فكره عن المدى النخبوي والشعبي الذي كان يطمح أن يصل إليه، وهو ما كان يشعره بالأسى والحزن والغضب، لكن أيضا بالأمل بأنه سيفهم يوما ما، وقد ورد عن ابنته السيدة رحمة، أن والدها كان يقول لأمها قبل وفاته “أنه سيعود بعد ثلاثين سنة”.

اليوم وقد مر على وفاة الرجل ما يقارب نصف قرن هل يمكننا أن نفحص المدى الذي بلغته هذه “الرغبة” أو “الأمنية” التي كانت تراود بن نبي رحمه الله؟

الأكيد أن المنجز الذي تحقق لا يمكن الاستهانة به فكتب “مشكلات الحضارة” متوفرة بمئات آلاف من النسخ، ولا تكاد تخلو منها مكتبة في كل دول العالم وبكل اللغات، وصار للفكر البنبي هيئات وجمعيات ونوادي ومنابر، وقد أنجزت حول هذا الفكر آلاف الدراسات والبحوث والأطروحات الجامعية، ولا تزال الندوات والملتقيات والمؤتمرات التي تناقش مفردات وأسس وفلسفة بن نبي تعقد باستمرار…

هل يعد ذلك كافيا؟ الجواب حتما هو، لو خير بن نبي بين أن يكون له كل ما أشرنا إليه سابقا، وبين أن تصير أفكاره مشاريع حقيقية في واقع الناس، لكان خياره حاسما وواضحا لصالح الثاني، وهو الذي كان يتحدث كثيرا عما كان يسميه “المنطق العملي”، ولاحظ “أن الذي ينقص المسلم ليس منطق الفكرة، ولكن منطق العمل والحركة، فهو لا يفكر ليعمل بل ليقول كلاما مجردا”، وكان تقديره للفكرة – أي فكرة – هي في قدرتها أن تتحول إلى عمل وسلوك.

هل يحتاج فكر بن نبي اليوم إلى مزيد من التعريف ومزيد من التفسير ومزيد من محاولات الفهم؟ ربما، لكن يحتاج أكثر في اعتقادي إلى مزيد من التحيين والفرز والتصفيف، والأهم من ذلك يحتاج إلى نوع من الهندسة التخطيطية التي تحول الصورة النظرية والذهنية لهذا الفكر إلى مخطط قابل للإنزال على الواقع المتغير والمتجدد، وأستعين هنا بعبارة مجازية لأوضح القصد، إن فكر بن نبي يحتاج الآن إلى ما يشبه “مكاتب دراسات” تكون مهمتها صياغة الأفكار والمفاهيم والمفردات والرؤى المتناثرة في المصنفات التي خلفها الرجل على شكل مشاريع قابلة للإنجاز سواء على المستوى الفردي أو الجماعي.

من المواصفات التي يجب أن تتقيد بها هذه المشاريع أن تعكس الفكر البنبي في شكلها وفي جوهرها، وأن يكون تحققها قابلا للقياس، وأن تتعدد مجالاتها حتى يجد فيها الجميع نفسه، وأن تتنوع بين ما هو التزام فردي وبين ما هو التزام جماعي أو مجتمعي، وأن تنأى قدر الإمكان عن الوعظية وعن الشكلية وعن التمظهرات الانتمائية، وأن تسوق بالأساليب الناجعة والعصرية.

أختم هذا المقال ببعض ما كتبه مالك بن نبي رحمه الله في كتاب شروط النهضة الذي صدر سنة 1948، ففي تصدير بعنوان “أنشودة رمزية” كتب يقول: “…ابذر يا أخي الزارع، من أجل أن تذهب بذورك بعيدا عن حقلك، في الخطوط التي تتناءى عنك…في عمق المستقبل. إن يا أخي الزارع، لكي تهدي بصوتك هذه الخطوات التي جاءت في عتمة الفجر، نحو الخط الذي يأتي من بعيد”.

لا تعليقات

اترك تعليق

آخر التغريدات:

    Message: Sorry, that page does not exist., Please check your Twitter Authentication Data or internet connection.