صفحات مجهولة من حياة الشاعر الجزائري محمد العيد آل خليفة

بقلم: الأخضر رمحوني-

في يوم الثلاثاء 31 جويلية 1979 انتقل الى الرفيق الأعلى أمير شعراء الجزائر محمد العيد آل خليفة بمستشفى مدينة باتنة عن عمر ناهز 75 سنة، وشيعت جنازته في موكب مهيب بعد ظهر يوم الخميس 02 أوت 1979 بمدينة بسكرة حسب وصيته ليدفن بالقرب من ضريح والده بمقبرة العزيلات. وقد أبنه بالمسجد الكبير الشيخ أحمد حماني – رئيس المجلس الإسلامي الأعلى – وصديقه الشاعر محمد الصادق مراوي وقد كنت من بين الحاضرين والذين مشوا في جنازته العظيمة.

وبمناسبة حلول الذكرى 41 لوفاته، وحتى لا تمر في صمت مريب كالسنوات الماضية، أقدم بعض المعلومات والخفايا عن حياة الشاعر زودني بها مشكورا الأستاذ المربي التواتي بن مبارك خلال اللقاء الذي أجريته معه منذ فترة، خاصة وأن الأستاذ التواتي بن مبارك من جلساء الشاعر الأصفياء، ولا تزال ذاكرته القوية تختزن عدة مواقف وشواهد خالدة، كما أن مكتبته الغنية تضم بين أوراقها وثائق وقصائد خطية للشاعر.

تحية الرئيس جمل عبد الناصر:

عن مناسبة كتابة قصيدة (تحية شاعر إلى الرئيس جمال عبد الناصر) يقول محدثنا:عندما زار الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر الجزائر في شهر ماي 1963، برمجت له زيارة الى ناحية الأوراس، وقد توقعت اتحادية جبهة التحرير الوطني ببسكرة قدوم الرئيس عبد الناصر إلى مدينة سيدي عقبة للوقوف أمام ضريح عقبة بن نافع الفهري والترحم عليه إكبارا وتقديرا لهذه الشخصية التي كان لها الفضل في دخول الإسلام إلى الجزائر، فاتصل السيد يونس رزيق – أحد أعضاء الاتحادية – بإمام مسجد عقبة لتلك الفترة وهو والدي الشيخ الهاشمي بن مبارك طالبا منه التحضير والاستعداد لهذه الزيارة الميمونة، مع تكليفه باقتراح هدية متميزة، فكانت الهدية عبارة عن مصحف مخطوط ذي قيمة تاريخية وفنية، وأضاف اقتراحه بقصيدة ترحيب تلقى داخل رحاب المسجد أمام ضريح الفاتح عقبة عند مقدم الرئيس المصري وفعال أمرني والدي بالذهاب إلى الشاعر محمد العيد آل خليفة بمنزله، لإخباره بالزيارة وعداد قصيد بالمناسبة، غير أن الشاعر محمد العيد اعتذر عن الإلقاء، وكلفني شخصيا بمهمة الإلقاء نيابة عنه مع كتابتها بخط واضح.

ولما حل الرئيس المصري بالجزائر، سارعت وزارة الأوقاف بواسطة الشيخ الحفناوي هالي وطلبت من الشاعر تحية للزائر، فأجاب الشاعر محمد العيد (لقد سبقكم إليها العقبيون والقصيدة حاضرة). إلا أن الشيخ الحفناوي هالي ألح عليه بتزويده بنسخة منها من أجل نشرها في مجلة المعرفة لوزارة الأوقاف الجزائرية، وكان له ما أراد، ونشرت القصيدة كاملة في العدد رقم 02 الصادر بتاريخ صفر 1383 هـ الموافق لشهر جوان1963 م ومنها:

أقبل على البشرى ويمن الطائر * وانزل فأهلا بالنزيل الزائر

واحلل شفاء للضنى ومسرة * ملء الفؤاد وقرة للناظر

اليوم تأخذ ثورة عن ثورة * أسمي العهود، وثائر

عن ثائر اليوم يلقى (عقبة من نافع) * فوق الجزائر (عقبة من عامر)

هذا (جمال) زارنا متلطفا * في عهدها فأثار أنس الخاطر

أهلا به وبركبه وبصحبه * أهلا بكل مساند ومناصر

حياك عن شعب الجزائر نائبا * وأشاد باسمك غائبا كالحاضر

غير أن الفاجعة التي ألمت بالجزائر باغتيال السيد محمد خميستي – وزير الخارجية يومها– حال دون احترام البرنامج المسطر، وتعذر على الرئيس المجيء إلى ناحية الأوراس.

الأستاذ أحمد توفيق المدني ببسكرة:

وعن زيارة الأستاذ أحمد توفيق المدني وقد كان وزيرا للأوقاف في أول حكومة جزائرية بعد الاستقلال إلى مدينة بسكرة في شهر سبتمبر1963 يقول: عندما زار الأستاذ المدني بسكرة بصحبة رئيس وزراء ليبيا في تلك الفترة السيد محي الدين الفقيني والأستاذ الشاعر أحمد الطيب معاش – سفير الجزائر بليبيا –، رغب في مجالسة الشاعر محمد العيد بمقر الدائرة، وطلب من السيد محمد يزيد بن خلف الله – رئيس البلدية – تبليغ الاستدعاء إلى الشاعر وهذا نصه:

(أحمد توفيق المدني

يسعده ويشرفه أن يحل ببسكرة النخيل، وأنت حل بهذا البلد، ولكم يكون شاكرا لوتفضلتم بصلة ما أمر به الله به ويوصل، وشرفتم المجلس بحضوركم حتى نشفي غلة الشوق ساعة تكون هي الزمن.. أبقاكم الله للدين والتقوى والصلاح وسلامي وتحياتي وأشواقي.

أخوكم في الله أحمد توفيق المدني).

وعندما تسلم الشاعر الاستدعاء وقد كنت حاضرا برفقة الشيخ حمزاوي الأزهري، فقال لحامله: (إن الأستاذ أحمد توفيق المدني نذهب إليه، وحين خيرني فقل له ليأتي إلينا بالمنزل)، وهوما حدث بعد ساعة من الزمن. وكانت جلسة أدبية ثرية واعترف الأستاذ أحمد الطيب معاش أن الشاعر محمد العيد هوأستاذه بمدرسة باتنة.

علاقة الشاعر بوالده:

وحول علاقة الشاعر محمد العيد بوالده محمد علي يقول الأستاذ التواتي بن مبارك: إن انتماء الشاعر محمد العيد للحركة الإصلاحية لا يتعارض مع توجهات والده الصوفية، وانتسابه إلى الطريقة التيجانية، وكان يعبر عن ذلك بالرضا الصامت المتبادل. فكما كان محمد العيد راضيا عن تصوف والده وتوجهاته في الحياة، فإن والده لم ينكر عليه نشاطه مع رجلات الإصلاح. وقد حدثني مرة أنه أثناء زيارة الشيخ عبد الحميد بن باديس إلى مدينة بسكرة في العشرينيات من القرن الماضي بقصد الالتقاء بالداعية الشيخ الطيب العقبي ببيتهم، وأثناء الجلسة أراد محمد العيد أن يحضر مائدة الطعام، فأمره والده بالبقاء مع ضيوفه، وطمأنه على أنه سيتكفل شخصيا بخدمة الضيوف.

موقف الشاعر من النقد:

أما عن رد فعل الشاعر محمد العيد من النقد الذي كتب حوله يقول محدثنا: نشر مرة الشاعر أحمد بن ذياب مقالا نقديا بجريدة الشعب حاول من خلاله تكسير هالة التقديس التي تميز بها الشاعر محمد العيد، وقد صارح مجموعة من الأدباء بهذا الرأي، ومنهم الأستاذ حمزة بوكوشة – رحمه الله عليهم–، وطلب منهم الرد والمطارحة للدفاع عن الشاعر، وكان موضوع مقاله مقاربة بين قصيدة الشاعر محمد العيد وقصيدة أخرى للشاعر محمد الأخضر السائحي حول حادثة زلزال الأصنام الذي وقع سنة 1954، وقد نشر مقاله باسم مستعار وهو) أبوحسام)، غير أن الردود التي جاءت بعد نشر المقال كانت بتوقيع أسماء أدبية جديدة منهم الدكتور محمد مصايف، ولما يئس الشاعر أحمد بن ذياب من رد الأدباء الذي كان يأمله، إلتقى بالشاعر محمد الهادي السنوسي في مكتبة التراث بالجزائر العاصمة وقال له مستفزا (انتظرت ردكم ولكنكم لم تتحركوا). فأجابه الأستاذ الشاعر محمد الهادي السنوسي (والله لوكان غيرك من كتب، لكنت أول المدافعين عن الشاعر محمد العيد الذي هوجدير بمكانته الأدبية إلا أن هذا هوحظك المناسب). وعندما علم الشاعر محمد العيد بان صاحب الاسم المستعار هو الشاعر أحمد بن ذياب لم يصدق الأمر، وقال لا يمكن أن ينزل الأستاذ أحمد بن ذياب إلى هذا المستوى الأدبي. كما قد تدخل الأستاذ بوزياني الدراجي للكشف عن الحقيقة، وراسل جريدة الشعب وهوالذي كان يشغل منصبا بالمحافظة السياسية للجيش الوطني الشعبي، فكشفت له الجريدة عن الاسم الحقيقي للناقد، فجرد قلمه للرد عليه في سلسلة من المقالات النارية الموضوعية التي نشرها على حلقات في نفس الجريدة.

حادثة الشاعر وليد قمباز:

وعن حادثة أخرى قال الأستاذ التواتي بن مبارك: ألقى الأستاذ وليد قمباز – وهو سوري الجنسية وكان أستاذا لمادة الأدب العربي بإحدى ثانويات مدينة باتنة – محاضرة حول شخصية الشاعر محمد العيد، ومن الأحكام التي رددها أن محمد العيد نشأ في بيت طرقي، وسار في ركب العلماء المصلحين، لهذا فقد عاش على طرفي نقيض مع والديه، وعندما سمع الشاعر محمد العيد المحاضرة مسجلة بواسطة الأستاذ الدراجي بوزياني أنكر الوصف الذي نعت به، ولم تمض مدة طويلة حتى استدعي الأستاذ وليد قمباز ليحاضر بمدينة بسكرة في قاعة نادي المعلمين، ولما سمع الشاعر بالخبر، كلفني بالرد عليه، وألح علي في الذهاب لحضور المحاضرة ،والإعلان بأن الشاعر ليس على طرفي نقيض مع والديه. وفعال عندما طرحت هذا السؤال خلال النقاش أجابني وليد قمباز بأن الحكم استنبطه بعد دراسة ومعايشة شعر محمد العيد. وأعلم الحضور أنه قدم زيارة للشاعر بمنزله، وناقشه وأعلمه الشاعر أن سبب عدم رثاء والده، رغم تأثره العميق ولوعة الحزن والفراق يعود سببه إلى دعوة الشيخ الإمام عبد الحميد بن باديس في تسخير الأقلام لخدمة القضايا الوطنية والاجتماعية والابتعاد عن الذاتية. أما بالنسبة لوالدته فيعود إلى التقاليد الشعبية الموروثة، وحسب عبارة الشاعر محمد العيد (نحن لا نرثي النساء).

علاقته بأستاذه الشيخ علي بن ابراهيم:

وعن الشيخ علي بن إبراهيم العقبي الذي تتلمذ الشاعر محمد العيد على يديه بعد انتقال أسرته حوالي سنة 1918 من مدينة عين البيضاء إلى مدينة بسكرة، وقد لازمه لمدة ثالث سنوات يقول محدثنا: إن الشاعر محمد العيد يتحدث عن أستاذه بإعجاب متزايد، وينوه بمعارفه وحسن أخالقه، لأن صناعته التدريس ونشر العلم، خاصة وأنه قد درس في جهات كثيرة من الوطن. يقول الشاعر محمد العيد عنه: أتذكر حينما بدأت نظم الشعر جئته يوما بقصيدة نظمتها بمناسبة حلول شهر رمضان المعظم، وبعد قراءتها سألني عن قائل هذه الأبيات، فقلت له أنا. فشجعني بكلمات طيبة، وقال: أنا ال أستطيع أن آتي بمثلها، فدم في طريقك الأدبي ،وواصل مسيرتك الشعرية، فسيكون لك شأن في مستقبل الأيام. والقصيدة لا يتذكر الشاعر محمد العيد أنه نشرها، ولا يحفظ منها سوى المطلع الذي جاء فيه:

شهر الصيام أتى يا أمة العرب * وأنتم في سبيل اللهو واللعب

ولما مرض الشيخ علي بن إبراهيم المرض الذي أودى بحياته في شهر جوان 1921. يقول الشاعر محمد العيد زرته في بيته الذي كان يسكنه جوار مقر الزاوية القادرية ببسكرة، وبالمناسبة خاطبته بالبيتين التاليين:

سيدي أهديك شكرا وثنا * راق نظما وسناء وسنى

من فؤاد شفه ما بك * من مرض طال فأناى الوسنا

محنة الشاعر في السجن:

وعن المحنة التي تعرض لها الشاعر محمد العيد في حياته يقول الأستاذ التواتي بن مبارك: عندما ألقي القبض على الشاعر بمدينة عين امليلة أثناء الثورة التحريرية في سنة 1955، وتعرض للمحنة الكبرى بدخوله السجن، كان لشيخ الطريقة التيجانية السيد أحمد التيجاني – وقد كان نائبا في البرلمان الجزائري – الموقف الشجاع بعد تدخله لدى السلطات الفرنسية، وعلى المستوى العالي، الأثر الايجابي. فقد صرح له أحد المسؤولين الفرنسيين (لا أريد أن يدنس شرف فرنسا بقتل شاعر).

بعد هذا التدخل غير المعلن عنه، أفرج عن شاعرنا بعد قضاء 14 يوما في السجن، وجاء إلى مدينة بسكرة، وأمر بلزوم بيته وكان تحت الإقامة الإجبارية، إلى أن تحصلت الجزائر على استقلالها. ففرح الشاعر محمد العيد بالنصر المؤكد كبقية أفراد الشعب الجزائري، وكتب أجمل القصائد، ومنها مطولته – من وحي الثورة والاستقلال –.


للإشارة فإن الأستاذ التواتي بن مبارك من الوجوه الثقافية التي تفتخر بها منطقة الزيبان ويستفيد منه الباحث في تاريخها القديم وأعالمها، خاصة ما يتعلق بسيدي عقبة، لتوفره على خزانة تزخر رفوفها بالكتب التراثية والمخطوطات. ولد يوم 1931/07/25 بمدينة سيدي عقبة التي زاول بها دراسته الإبتدائية بمدرسة الفاتح، كما تلقى العلوم الشرعية واللغوية على يد الشيوخ: عبد المجيد بن حبة وعلي بن الغزواني وبن خلف الله الموفق ووالده الهاشمي بن مبارك. بعد الاستقلال انتسب إلى الميدان التربوي مدرسا ومديرا. كما اشتغل إماما وخطيبا ومدرسا متطوعا بجامع عقبة. وبعد تقاعده تفرغ للبحث وحضور الملتقيات التاريخية والعلمية التي تنعقد بولاية بسكرة محاضرا ومعقبا. من أعماله المطبوعة: كتاب (تشنيف المسامع بترجمة الصحابي عقبة بن نافع) وكتاب (آثار الشيخ عبد المجيد حبة العقبي: النثرية والشعرية والمسرحية).


ملاحظة: تمكنت بتوفيق من الله من الوصول إلى النص الكامل للقصيدة، حيث وجدتها منشورة بجريدة – الصديق – لصاحبها محمد بن بكير التاجر بلعدد رقم 36 الصادر في 30 ماي 1921 وهي تقع في 23 بيتا على بحر البسيط، وقد انفردت جريدة – البصائر – بنشرها كاملة ضمن مقالي الذي يحمل عنوان (شهر الصيام قصيدة مجهولة للشاعر محمد العيد) الصادر بالعدد 1009 في 04/27 / 2020 الصفحة رقم 12.

لا تعليقات

اترك تعليق

آخر التغريدات:

    Message: Sorry, that page does not exist., Please check your Twitter Authentication Data or internet connection.