بَيْتٌ العلامة الإبـراهيمي

بقلم: د. عبد العزيز بن السايب-

النَّجاحُ في شؤون الحياةِ والتفوُّقُ في شُعبها وَلِيدُ عُلُّوِ الهمَّةِ وصلابةِ الإرادةِ ـ بعد توفيق الله جل جلاله ـ ، وليس ثمرةَ الرفاهيةِ أو يُسرِ الحياةِ ورَغَدِ مُنعطفاتها . فكَمْ مِنْ ناشئٍ مرفهًا مُنعمًا ولم يُفلح في شيء، ورُبَّ شخص رَزَحَ تحت قَسوةِ الظُّروفِ لكنه بَزَّ أقرانَه وبَرَّزَ في مجلات عديدة .

وهذه الأخيرة هي حال العلامة محمد البشير طالب الإبراهيمي، رضي الله عنه .

اِنْثَالَتْ عليَّ هذه الأفكار والمعاني لما زُرتُ البيتَ الذي نشأ فيه وترعرع، في بلدية أولاد بَرَاهَم، في ضواحي ولاية بُرْج بو عرِيرِيج اليوم، والتابعة لولاية سطيف سابقا..وأيام نشأت الشيخ كانت واقعة في مقاطعة قسنطينة..

بيتٌ مُكَوَّنٌ من حُجرة وحيدة صغيرة، مستطيلة الشكل، قريبة السقف، الذي سُقِّفَ بأعمدَةِ الخشبِ، والتي نُسقت فوقها قراميدُ الآجُرِّ، وتحت الحطب فُرشت الحلفاء والأعواد.

وفي الزاوية الشرقية للكوخ توجد مدخنة، هي موضع الطهي، وهي ذاتها المدفأة في الشتاء القارس البرودة في تلك الربوع .

وبجنب المدفئة كُوَّةٌ صغيرةٌ يدخل منها شعاعُ الشمسِ وضياؤُها ..

والحجرة مبنية بالحجارة القاسية، في فضاء مفتوح، تحت سلطان هبوب الرياح..وعوارض المناخ ..
أصدقُكُم لما زُرتُ هذا البيت أوَّلَ مرةٍ في عِزِّ الشتاءِ أثناء شهر فيفري، كان البرد قويا، والرياح عاتية، حتى صِرتُ أَرجفُ من داخلي، فضلا عن ارتعاد أطرافي، فطفقتُ أَتعوَّذُ وأسترقي، فقد خَشِيتُ أنَّ مَسًّا أصابني ..ولم يكن الأمر إلا شدة البرد من جهة، والطراوية التي أصابتنا من الحياة المدنية..

في تلك الظروف وُلِدَ ذلك الرجل العظيم، وفي تلك الحُجرة درج ذلك العملاق ..

اِستمعْ إليه وهو يَقُصُّ مُنجزاتِ فترة الصِّبَا في تلك الظروف، قال رحمة الله عليه: "نَشَأْتُ على ما نشأ عليه أبناء البيوتات العلمية الريفية من طرائق الحياة، وهي تقوم دائمًا على البساطة في المعيشة، والطهارة في السلوك، والمتانة في الأخلاق، والاعتدال في الصحة البدنية، كل ذلك لِبُعْدِ أريافِنَا في ذلك العهد عن الحضارة الجليبة ومواقعها من المدن، فلما بلغتُ التاسعةَ أُصيبتْ رِجلي اليُسرى بمرضٍ، وكان للإهمالِ والبُعدِ عن التَّطْبِيبِ المنَظَّمِ أَثَرٌ كبيرٌ في إصابتي بعَاهَةِ العَرَجِ في رجلي، وقد أَنْسَانِي أَلَمَهَا والحزنَ عليها ما كُنتُ مُنكبًّا عليه من اِلْتِهَامِ كتبٍ كاملةٍ بالحفظ، فكان لي بذلك أعظم سَلْوَى عن تلك العاهة، وفي ما عدا تلك العاهة فأنا مَدِينٌ لتربيتي الريفية في كل ما أتمتع به إلى الآن من قوى بدنية وفكرية وخلقية . قام على تربيتي وتعليمي من يوم دَرَجْتُ عَمِّي، شَقيقُ والدي الأصغر، الشيخُ محمد المكّي الإبراهيمي، عالمُ إقليمنا ـ المعروف بوطن "رِيْغَة" ـ، وفريدُ عصرِهِ في إتقان علوم اللسان العربي.." .

ويُتابع رحمة الله عليه قائلا: "..لم أُفارق في تَعَلُّمِي بيت أسرتي، فهي مدرستي التي تَعَلَّمْتُ فيها وعَلَّمْتُ، أخذني عمّي بالتربيةِ والتعليمِ منذ أَكْمَلْتُ السنةَ الثالثةَ، وكُنْتُ ملازمًا له حتى في النومِ والطعامِ، فكان لا يُخليني دقيقةً واحدةً من فائدةٍ علميةٍ، وكانت له طريقةٌ عجيبةٌ في تَنويعِ المواضيعِ والمحفوظاتِ حتى لا أَمَلَّ، واختصصت بذاكرةٍ وحافظةٍ خارقتين للعادة، وعَرَفَ رحمه الله كيف يصرفهما فيّ، فحفظتُ القرآنَ حفظًا متقنًا في آخر الثامنة من عمري، وحفظتُ معه - وأنا في تلك السنّ، نتيجة للتنويع الذي ذكرته - ألفيةَ ابنِ مالك، وتلخيصَ المفتاحِ، وما بَلَغْتُ العاشرةَ حتى كُنْتُ أَحفظُ عدّةَ متونٍ علمية مطوَّلة، وما بَلَغْتُ الرابعةَ عشرةَ حتى كُنْتُ أَحْفَظُ أَلْفِيَتي العراقي في الأثرِ والسيرِ، ونظمَ الدُّوَلِ لابنِ الخطيب، ومعظمَ رسائلِهِ المجموعةِ في كتابِهِ ريحانةِ الكُتُّابِ، ومعظمَ رسائلِ فحولِ كتُّابِ الأندلسِ كابنِ شهيد، وابنِ أبي الخصال، وأبي المطرف، ابنِ أبي عميرة، ومعظمَ رسائل فحول كتُّابِ المشرق كالصَّابِي، والبديع، مع حفظ المعلقاتِ، والمفَضَلِّيَاتِ، وشعرِ المتنبي كلِّهِ، وكثيرٍ من شعر الرَّضِيِّ، وابنِ الرُّومي، وأبي تمام، والبُحتريِّ، وأبي نوَّاس، كما استظهرتُ كثيرًا من شعر الثلاثةِ جرير والأخطل والفرزدق، وحَفظتُ كثيرًا من كُتب اللغةِ كاملةً، كالإصلاحِ، والفصيحِ، ومِنْ كُتُبُ الأدبِ، كالكاملِ، والبيانِ، وأدبِ الكاتب، ولقد حفظتُ وأنا في تلك السن أسماءَ الرجال الذين تَرْجَمَ لهم نفحُ الطيب، وأخبارَهم، وكثيرًا من أشعارهم، إذ كان كتاب نفح الطيب- طبعة بولاق- هو الكتاب الذي تقع عليه عيني في كل لحظة منذ فتحتُ عينيّ على الكتب، وما زلتُ أذكر إلى الآن مواقع الكلمات من الصفحات، وأذكر أرقام الصفحات من تلك الطبعة، وكنتُ أحفظ عشرات الأبيات من سماع واحد مما يُحَقِّقُ ما نقرأهُ عن سلفنا من غرائب الحفظ. وكان عمّي يَشغلني في ساعات النهار بالدروس المرتبة في كتب القواعد وحدي، أو مع الطلبة، ويمتحنني ساعةً من آخرِ كلِّ يومٍ في فهم ما قرأتُ، فيَطْرَبُ لصحةِ فَهْمِي، فإذا جاء الليل أملى علي من حفظه - وكان وسطًا - أو من كتاب ما يختار لي من الأبيات المفردة أو من المقاطيع حتى أحفظ مائة بيت، فإذا طلبتُ المزيد انتهرني، وقال لي: إن ذهنَكَ يَتْعَبُ من كثرة المحفوظِ كما يتعب بذلك من حمل الأثقال، ثم يشرح لي ظواهر المعاني الشعرية، ثم يأمرني بالنوم رحمه الله .

مات عمّي سنة 1903 ولي من العمر أربع عشرة سنة، ولقد ختمتُ عليه دراسةَ بعض الكتب وهو على فراش المرض الذي مات فيه، وأجازني الإجازة المعروفة عامة، وأمرني بأن أَخْلُفَهُ في التدريسِ لزملائي الطلبة الذين كان حريصًا على نفعهم، ففَعَلْتُ، ووفّقَ اللهُ، وأمدتني تلك الحافظةُ العجيبةُ بمستودعاتها، فتَصَدَّرْتُ دون سِنِّ التَّصَدُّرِ، وأَرادتْ لي الأقدارُ أن أكون شيخًا في سِنِّ الصِّبَا.." اهـ.
واستمر الشيخ الإبراهيمي على هذه الوتيرة إلى أن رحل إلى الحجاز سنة 1911، وعمره إحدى وعشرون سنة، ملتحقًا بوالده الذي اتخذ المدينة قرارًا له، وأمره بالالتحاق به..

فتأمل يا رعاك الله..نعم .. هذه كلها محاصيل مفعمة يانعة لتلك المرحلة، رغم شظف العيش، وقسوة البيئة، وبدائية العمران.. وقبل هذا وبعده ومعه الظُّلمُ والظلامُ الثقيلُ الخانقُ القابضُ .. للاستخراب الفرنسي الذي كان يعمل بخطط وخُطى للقضاء على هذا الشعب وإفساد الأخلاق والأبدان ومحاربة العلوم والعربية والقرآن ..

وحالة بيت الشيخ الإبراهيمي هي نفس حالة بيوت غالب شعبنا المغبون في القرى والمداشر والأرياف وأحياء كثيرة في المدن..تحت نير سلطة الاستدمار، محروم من خيرات بلاده الغنية .. ورغم ذلك خرج من هاته البيوت العلماء والصالحون والمصلحون والشعراء والأدباء والمجاهدون والسياسيون..

لبيت تخفق الأرواح فيه *** أحب إلي من قصر منيف

إن بقاء ذلك الكوخ التي احتضن نابغة الجزائر لعبرة بالغة ودرس عظيم .. للأجيال ..

ولماذا نذهب بعيدا .. فغرفات بيوتات أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كانت في غاية البساطة، ولما جاء الأمر بضم تلك الحجرات لتوسعة المسجد النبوي بالمدينة المنورة؛ كان ذلك اليوم من أكثر الأيام باكيا، حتى قال سعيد بن المسيب: والله لوددتُ أنهم تركوها على حالها، ينشأ ناسٌ من المدينة، ويقدم قادم من الآفاق؛ فيرى ما اكتفى به رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته، ويكون ذلك مما يزهد الناس في التكاثرِ والتفاخرِ فيها اهـ. هكذا تروي كتب السير والتاريخ .

وأسارع بالتوضيح أن المرءَ لا يسكت على حقوقه التي يغتصبها المارقون، ولا يقعد عن السعي في الأرض طلبا لفضل الله الواسع .. ثم بعدها مَنْ قُدِّرَ عليه في رزقِهِ صَبَرَ واحتسب، ولم يتذمر، ومن وُسِّعَ له في رزقه شَكَرَ، ولم يَطْغَ .

فما وجد من نعم الله يُحمد ويُشكر، وما لم يوجد لا يتربع الإنسان على مقعدته في الأرض باكيا متحسرا، فيكون عائقا عن الانطلاق، أو مبررا للتقاعس، أو حجة للإخلاد إلى الأرض، أو خور العزيمة ..
وما قصة بيت الشيخ الإبراهيمي وما بلغه هذا الفحل إلا خير دليل على أن العزيمةَ الماضيةَ تُغالبُ الظروفَ الصعبةَ .

ومن ناحية أخرى فالتجرية أثبتت أن الرفاهية تشغل عن المضي نحو المعالي، وتدعو إلى الدعة، وتصرف عن كبريات الأمور إلى مُتع الحياة، إلا من رحم الله.

لا تعليقات

اترك تعليق

آخر التغريدات:

    Message: Invalid or expired token., Please check your Twitter Authentication Data or internet connection.
%d مدونون معجبون بهذه: