مالك بن نبي، هيجل والامكان الحضاري

بقلم: بحوح نورالدّين-

في سنة 1940 تقدّم مالك بن نبي إلى السّفارة اليابانيّة بدراسة حول “الإسلام واليابان” في إطار مسابقة دولية نظّمتها الأخيرة في موضوع ”الحضارة اليابانيّة” بمناسبة الاحتفال بالألف الثّانية لليابان،لكنّه لم يتسنّ له استلام الدّعوة التي بعثت له بها السّفارة اليابانيّة نظرًا للأزمة الكبرى التي عصفت بفرنسا.

1- لقاء واستلهام وتضاد:

ففي هذه السّنة اقتحمت القوّات الألمانيّة مدينة “درُو” أين كان يقيم مالك وزوجته. ففرَّ الموظّفون من ادارة البلديّة، ولم يبق منهم أحد، فاضطرّت القوّات الألمانية إلى احتجاز مالك بن نبي وأوكلت اليه تسيير مصالح البلديّة، ولكن بعد يومٍ من ذلك جاء موريس فيولات الّذي كان حاكمًا للجزائر سنة 1925م وكذلك رئيسًا سابقا لبلديّة “درُو” وعرض خدماته على سلطات الاحتلال فأعادت تعيينه على رأس البلديّة. وحين التقى بابن نبي قال له:”ها نحن الآن سويًّا في نفس الجهة”. فردَّ عليه مالك:” أمّا أنا فقد احتجزتني قوّات الاحتلال وأمّا أنت فقد اخترت عرض نفسك عليها”. فأسرّها فيولات في نفسه ليجسّدها بعد تحرير فرنسا حقدًا وتضييقا على مالك ويُدخله السّجن هو وزوجه كي يطمس على شهادته عن تعامله الطّوعي مع القوّات الألمانيّة، فلبث مالك في السّجن من سيبتمبر 1944 إلى أفريل 1945 وخرج منه بعد قرار المحكمة ببراءته من التّهمة.

كان هذا هو لقاء مالك بن نبي الجسدي مع الألمان لكنّه ليس الأوّل، فقد سبق هذا اللّقاء الجسدي لقاء فكريًّ مع كبار فلاسفة ألمانيا ومفكّريها، لقاءً استثمر فيه اطروحاتهم واستلهم منهما مثلما استلهم من قبل وتأثّر بكتابات ابن خلدون ومفكّري الإصلاح الإسلامي. ولعلّ أكثر من كان له حضورًا في خطابه الحضاري فريدريش نيتشه، وأسوالد اشبينغلر وفريدريش هيجل. فمالك يذكر في كتابه ”مذكّرات شاهد قرن” كيف وظّف كتاب “هكذا تكلّم زرادشت” لنيتشه الّذي قضى مجنونًا، لمداواة عقل صديقه ” ل. الخالدي” الّذي بدأ يستسلم للتّيارات اليساريّة. بعد أن حدّثه أحد معارفه عن التيه الفكري الّذي صار يعيشه د.الخالدي واستيلاء الفكر اليساري على ذهنه: ” إنّ خالدي في ذمّتنا يا سي “الصدّيق”، لا يجوز لنا أن نسلّم مفكّرا الى التّيارات الفكريّة التي لا تتّفق مع فكرتنا ولا مع شخصيتنا ولا مع تاريخنا. فتقرّر أن نضيف “الخالدي” إلى قائمة الشّبّان الّذين يجب انقاذهم من التّيه الفكري، ونظرًا لتكوينه وحرصه على المُطالعات، رأيت أن يكون المنقذ هو نيتشه… ومن الغد أهديت لخالدي نسخة من كتاب الفيلسوف الألماني، أظنّها نسخة من كتاب ”هكذا تكلّم زرادشت”. وهكذا رجعت نعجة تائهة، ردّها نيتشه الى القطيع الاصلاحي”. ثمّ يُضيف ابن نبي: “وقد لاحظت بارتياح على وجه خالدي علامة النقاهة الروحية النّاجعة، منذ بدأ قراءة نيتشه. فأصبح محصّنا بأفكار الفيلسوف الألماني من تلك العقبات التي توضع في طريق شبابنا الجامعي حتى اليوم لتحيله إلى طريق تفكير وإحساس تجعله أجنبيا عن الشعب شاذا على نسق حياته”.

وستتعمّق الصّلة بين بن نبي ونيتشه أكثرعند الحديث عن فكرة “إنسان ما بعد الموحّدين” التي بلورها بن نبي ملمّحا في ذلك الى توقّف العقل المسلم عن الإبداع واستعاضته عن ذلك بتكريرالمكرّر واستهلاك الأفكار الميّتة، والّذي يقابله عند نيتشه الانسان الخانع والضّعيف الّذي يبرّر فشله وخوره بمبرّرات دينيّة غيبيّة. فمن خلال كتابي ”هكذا تكلّم زرادشت” و”الرّجل الخارق”. توطّدت علاقة ابن نبي بفلسفة نيتشه.

أمّا الفيلسوف الألماني هيجل فبعكس نيتشه فإنّ حضوره كان بيّنا في أطروحات مالك بن نبي الفكرية، وفي نظرته الى فلسفة التّاريخ ودور الفكرة في ولوج أمة من الأمم الحضارة أو خروجها منها. هذا الحضور الهيجلي في فكر بن نبي هو حضور توظيف واستناد وفي أحيانٍ أخرى حضور تعارض وتضاد. فاذا كان مالك بن نبي قد وافق هيجل على أنّ الفكرة (الدينيّة) أكثر تأثيرا في حركة التّاريخ من غيرها من الأفكار، وأنّ تصوّر اللّه هو الّذي يشكّل الأساس العام لشخصيّة كلّ شعب، وأنّه هو المنبع الأساسي للسّلوك الإنساني، وأنّ الفكرة لن تتحوّل من الامكان الى التحقّق الفعلي إلاّ بانفعال مجتمع ما معها ووعي صاحبها بها وحرصه على انجاحها. فإنّ أبرز نقاط تضادّهما تبدأ عندما خرج هيجل عن النّسق الفلسفي الّذي وضعه لتطوّر الفكرة أو في صراعها مع باقي الأفكار للوصول إلى الكمال أو التّحقيق الفعلي، فبحكم المنهج الجدلي الهيجلي الّذي من المفروض أن يبقَ مفتوحا، فإنّ حركة الأفكار تظلّ مستمرة ومتوازية، وكلّ فكرة لابدّ أن تنتج فكرة مضادة لها تبقيان في صراع إلى أن تتحقّق احداهما فتتلاشى الأخرى. لكنّ هيجل عاد فناقض المنهج الّذي وضعه وأغلق بذلك نسقه الفلسفي وتحيّز للدّيانة المسيحيّة واعتبرها حدّا نهائيا مكتملا لتطوّر الرّوح الدينيّة، كما تحيّز إلى الملكيّة البرُوسيّة واعتبرها أكمل نظام دستوري، ونهاية للتّاريخ السّياسي.

ولسنا نبغي من هذا المقال ابراز نقاط الاختلاف بين مالك بن نبي وفريدريش، أو أن نبحث في كتابات بن نبي عن أيّ نقد وجّهه لهيجل فإنّ ذلك لنادر ولكنّنا نرجو من وراء ذلك أن نتتبّع كيف دافع مالك رحمه اللّه عن أصالة الفكرة الدينيّة الإسلاميّة وعن فعاليتها في التّاريخ وعن شروط إمكان عودها الحضاري، هذه الفكرة الإسلامية التي تجاهلها هيجل كثيرا وفي أحيان أخرى جعلها على هامش التّاريخ.

2- العقل يغيّر التّاريخ:

تتغيّر المصطلحات والتعبيرات التي ترد عند هيجل للتّعبير عن الفكرة وبقدر تغيّرها تتعقّد فلسفته وتستعصي على الفهم، فمرّة يستعمل مصطلح الرّوح وفي أخرى مصطلح العقل وأحيانًا أخرى الوعي، زد إلى ذلك ضعف الترجمة وصعوبة أن تجد لمثل هذه المصطلحات مقابلا في اللّغات الأخرى. وقد ارتأينا في هذا المقال أن نستعمل مصطلح “الفكرة” بدل الرّوح أو العقل حتى نقترب من التعبيرات الفلسفية التي يستعملها غيره من الفلاسفة وبخاصّة مالك بن نبي الّذي يركّز كثيرا في كتاباته على دور الفكرة والفكرة الإسلامية أساسًا.

جعل هيجل من الفكرة موضوعا رئيسيّا لدراسة حركية التّاريخ، وبعكس تلميذه كارل ماركس الّذي يرى أنّ عالم الأفكار ليس سوى العالم المادّي مترجما الى الرّوح البشريّة. فإنّ هيجل جعل من الفكرة خالقًا للواقع أو التّاريخ أي أنّ الواقع ما هو إلاّ تجلّي خارجي لحركة الأفكار.

فالجدليّة المثاليّة الهيجليّة (صراع الأضداد) هي جدل متواصل بين “القضية” ونقيضتها لتقوم الأخيرة مقام الأولى، وتتكرّر العملية نفسها بلا انقطاع، في مسار شامل نحو المثالية. هذه العملية المستمرّة بين الشيء ونقيضه هي التي تعتبرالمحرّك الأساسي لمجريات التاريخ.

فعلى مسرح تاريخ الوعي الانساني يبدو كل عنصر فاعل مكلّف -دون دراية أو إرادة منه- بمهمة محدّدة يولد من اجلها ويعمل لانجازها ثم ينجزها فعلاً. وبعدئذ تدقّ ساعة نهايته ويستوجب عليه شاء أم أبى أن يترك المسرح لقوّة جديدة صاعدة. ويذهب هيجل إلى مقارنة سيرورة الفكرة مجازاً بتطور الكائن البشري انطلاقاً من حالته الجنينيّة قبل الولادة ثم مرحلة الولادة والطفولة ثمّ مرحلة الشباب والحيوية، ثمّ مرحلة الرجولة والمسؤولية، وأخيرًا مرحلة الكهولة والحكمة. فقد جاء في كتاب “العقل في التّاريخ“ أنّ الرّوح (الفكرة) تكون في الأصل أشبه بالذَّرَّة، أعني جوّانية غير متطوّرة، ثمّ تبدأ في تطوير نفسها شيئًا فشيئًا مستخدمة في ذلك وسائل هي على العكس خارجيّة وظاهرة تتمثّل في التّاريخ أمام أعيننا…” وأنّها “تتحقّق باستمرار عن طريق ضدّها، وهي تحتاج لتتحوّل من الامكان إلى التحقّق الفعلي إلى عامل الإرادة، أي الى فاعليّة الانسان الّتي تنقلها من حيّز الوجود المجرّد إلى حيّز الوجود الفعلي (الواقع)”. فالفكرة حسب هيجل تدفع عقوبة وجودها وفنائها لا من ذاتها بل من انفعالات الأفراد معها.

ويتجسّد أسمى وعي للفكرة بنفسها في عدد من الحركات التاريخية والابداعات الرّوحية. كما يتجسد في شكل الدولة ودستورها وشبكة العلاقات فيها بين الروح الفردية والجماعية، وبين الروح الجزئية والكلية. فوجود الدولة شرط أوّل لازم لبروز المؤسسات الرّوحية والقيميّة الأخرى خاصّة الدّين والفن والفلسفة.

3- ميلاد فكرة، ميلاد حضارة:

اغلق هيجل النّسق الفلسفي الّذي رسمه، عندما اعتبر أنّ المسيحيّة هي الحدّ النّهائي المكتمل لتطوّر الرّوح، وأنّ الملكيّة البروسيّة الألمانيّة هي أنضج نظام سياسي. وكان من المفروض وبحكم منهجه الجدلي أن يبق النّسق مفتوحًا. زِد الى ذلك أنّ المسيحيّة الغربيّة وبحكم صفاتها الأساسيّة وبحكم الظّروف الأوّليّة التي نشأت وتطوّرت فيها لم تكن لها تلك الفعاليّة التي تروّض الأعمال والمشاعر الإنسانيّة، كما أنّها لم تُنشِئ مؤسّسات المجتمع ولا الدّولة التي تنتجها الفكرة في سعيها الى الكمال. فالمسيحيّة وفي بداية انتشارها في المجتمع الرّوماني، الذي كان له مؤسّساته وقوانينه وحضارته، كان عليها أن تعدِّل من بنيتها الفكريّة ومن أسمى تصّوراتها العقديّة لتتكيّف مع المجتمع الجديد وتلج الى عالمه الرّوحي. لكنّها بقيت بعيدة عن عالم حياته. فضحّت بأصالتها كي تحتفظ بفعاليّتها.

هذا بخلاف الاسلام الّذي ظهر في بيئة صحرواويّة متوحّشة خالية من مظاهر الحضارة وتغيب فيها مؤسّسات الدّولة وقوانينها القادرة على ضبط العلاقات بين الأفراد والسّمو بها. فالمجتمع الإسلامي هو المجتمع الوحيد في التّاريخ الّذي رأى النّورتلبيّة لنداء الفكرة، والاسلام وحده هو من أتى بالمسوّغات الكفيلة بتحقيق أقصى ما يمكن تحقيقه من التّوتّر في الطّاقات الاجتماعيّة، وأسمى ما يمكن من المصلحة التي تخدمها تلك الطّاقات.

كان المجتمع القرشيّ مجتمعًا ساكنًا، خالٍ من أي شكل من أشكال الحضارة وكانت شبكة علاقاته تخضع لعرف التّوازنات القبليّة ولعادات وضعها العرب لأنفسهم لا يسهل الخروج عليها. فدخلت الفكرة الإسلاميّة في صراع مع واقع لم يكن من اليسير قلبه وفي جدال مع أفكار كان من العسير اقتلاعها. غير أنّ وسيلة التَّغيير (القرآن وشخص الرّسول) كانت أكثر جذبًا للمجتمع القرشي وأكثر تحدّيا فأجاب نداء الفكرة نفر قليل بقي صامدا مع الرّسول الكريم مدّة ثلاثة عشر سنة. ولمّا لم يعد هناك أمل لإنتصار الفكرة الإسلاميّة أمام عناد المجتمع القرشيّ، شاءت الأقدار أن يُسلم رجال غرباء من يثرب ويقبلوا احتضان الفكرة في مدينتهم. فهاجرت الزّمرة المؤمنة القرشية من مكّة الى المدينة. فكان أوّل عمل قام به المجتمع الجديد ساعة ميلاده هو الميثاق الّذي يربط بين المهاجرين والأنصار.

وصحيفة المدينة هي أوّل دستور (وفاقي) مدني وضع مباشرة بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلّم إلى المدينة المنوّرة. فقد جاء في كتاب السّيرة النّبويّة لابن هشام: ”وكتب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كتابا بين المهاجرين والأنصار، وادَعَ فيه يهود، وأقرّهم على دينهم وأموالهم، وشرط لهم، وأشترط عليهم.”

هذه الوثيقة التي احتفظت بها كتب السّيرة هي التي حدّدت العلاقة في المجتمع الجديد على أساس مبدأي العدل والمساواة وإسقاط الاعتبارات الطَّبقية، والعُرْفية، والقبليَّة، والقوميَّة. كما أقرّت حقوق المواطنة الكاملة لمن عاش في المدينة، وواجب حماية كرامة الانسان، وتحرير وجوده بغضّ النّظرعن دينه ومعتقده أونسبه وأنّ الجميع متساوون أمام القانون ما داموا قائمين بالواجبات المترتِّبة عليهم، ولم يخرقوا بنوده، وبهذا كسّر الرّسول الكريم لأوّل مرّة عرف الأنفة والكبرياء القبلي المناهض لفكرة الدولة والقانون والّذي كان يمنع خضوع القبائل العربية لبعضها البعض، فجمع بين قبيلتين متناحرتين متخاصمتين (الأوس والخزرج) وبين مهاجرين من قريش غرباء على أرض المدينة، وطائفة اليهود التي تختلف عنهم عِرقًا ودينًا في منظومة سياسية وقانونية واحدة وملزمة.

ووثيقة المدينة هي أيضا إيذان عن عبور من حالة الدّعوة (الفكرة) في مكّة التي لا تستند الى مؤسّسات قانونية وقهرية تحميها الى حالة الدّعوة التي لها دولة تحميها. والدّولة نفسها تتكون من أرض يقيم عليها أفراد مهاجرون وأنصار مؤمنون بالفكرة الاسلامية الجديدة، ويهود وبقايا مشركين غير مؤمنين بها وجب تنظيم علاقاتهم على أساس القيم التي وعدت بها الدّعوة وهي مبدأ مجرّد في مكّة قبل أن تنتقل الى المدينة وتتحوّل إلى واقع مكرّس، فقد سبَّقَ الرسول صلى الله عليه وسلّم مبدأ الحقّ على قيمة القوّة، والخضوع لقوّة الحقّ وليس الاذعان لقوّة التّسلّط وأدرك صلّى الله عليه وسلّم بوحي من اللّه أنّ الخضوع للقوّة اضطراري وللحقّ ارادي وكل ّ تمرّد على القوة سببه أنّ في حكم القوّة قهرا، وتسلّطا ،وظلما، أما التّمرد على الحقّ فهو زيغ عن الصّواب ونكوص غير مبرّرعلى ما أتّفق عليه. وبناءً على هذه القاعدة تمّت معاقبة يهود بنوالنّظير لمّا أخلّوا بقاعدة التعايش السلمي واعتدوا على المرأة المسلمة في السّوق، ويهود بنو قينقاع لمّا تآمروا مع الأحزاب في غزوة الخندق لأجل محو التواجد الاسلامي في المدينة.

إنّ نزول الوحي، ووجود القرآن الكريم في هذه الفترة لم يُغن عن الدّستور الّذي يضبط القواعد، وينظّم الحقوق، ويحكم العلاقات، ويُصوغ جميع ذلك صياغةً دستوريّة محكمة الدّلالة، بينة الحدود.

وبوضع ميثاق الدّولة تكون الفكرة الاسلاميّة قد حقّقت أسمى كمالها الّذي كانت تنزع اليه. واتّحد فيها الجانب الذّاتي (الفرد) مثلما عبّرعنه هيجل مع الغاية العامّة للدّولة حيث يجد كلّ منهما في الآخر إشباعه وتحقّقه الفعلي. فتأسّست الدّولة تأسّسا قويًّا متينًا. ووجد الفرد فيها حرّيته الخاصّة وارادته، فحدَّ من نزواته ومشاعره الأنانيّة لحساب الخضوع للقوانين خضوع تعاقد وليس خضوع اكراه. وولج بذلك المجتمع الاسلامي الحضارة لأوّل مرّة في التّاريخ بفضل أصالة الفكرة التي استجاب لها وانفعل معها.

4- أصالة الفكرة وفعاليتها:

لن تجد في البنية الذّهنيّة والعقديّة للبشر فكرتن أصيلتين، بل فكرة واحدة أصيلة خالدة، لا يزاحمها إلاّ الوثن. وأصالة الفكرة “ذاتية وعينيّة وهي مستقلّة عن التّاريخ. والفكرة اذ تخرج الى النّور فهي إمّا صحيحة أو باطلة، وحينما تكون صحيحة فإنّها تحتفظ بأصالتها حتّى آخر الزّمن ولكنّها بالمقابل يمكن أن تفقد فعاليتها الاجتماعيّة وهي في طريقها حتّى ولو كانت صحيحة”. وقد تصاب بالاغتراب اذا طفت على وجهها الشّوائب فتحجب حقيقتها عن المجتمع الّذي أنشأته فيسيء فهمها ويفقد “المسوّغات الكفيلة بتحقيق أقصى ما يُمكن من التّوتر في الطّاقات الاجتماعيّة، وأسمى ما يمكن من المصلحة التي تخدمها تلك الطّاقات”.

ولا تقوم الفكرة بدورها الاجتماعي إلاَّ بقدر ما تكون متمسّكة بقيمتها الغيبيّة، فالمبادئ والأخلاق والرُّوح هي الأمور التي تبقي للمجتمع التّوتر الضّروري كيما يواصل نشاطه المشترك في التّاريخ.
وحسب بن نبي دائما فقد مرّت الفعاليّة الاجتماعيّة للفكرةالاسلاميّة بثلاث مراحل في تاريخها:

1- مرحلة الرّوح: وهي المرحلة الّتي يكون فيه الفرد في أحسن ظروفه، أي أنّ نظام أفعاله في أقصى فعاليته الاجتماعيّة، وتكون طاقاته الحيويّة في أتمّ حالات تنظيمها. وتكون شبكة العلاقات الاجتماعيّة في أكثف حالاتها. هذه الكثافة هي ما توحي به عبارة “البنيان المرصوص” في قوله تعالى: “إنَّ اللّه يحبّ الّذين يقاتلون في سبيله صفّا كأنّهم بُنيان مرصوص” (الصّف الآية 4). وفي هذه المرحلة بلغت الفكرة (الرّوح) أسمى درجات الكمال وحقّقت شبكة العلاقات الاجتماعيّة أقوى مظاهر انسجامها وتوافقها. وامتدّت هذه الفترة من انفجار شرارة الايمان بغراء حراء ومبعث الرّسول الكريم صلّى اللّه عليه وسلّم الى عهد الخلفاء الرّاشدين حتّى جاءت معركة صفّين فهزّت المجتمع المسلم وأخرجت الفكرة الاسلاميّة من جوّ المدينة المشحون بهدي الرّوح، وبواعث التّقدّم الى جوّ دمشق حيث تجمّعت مظاهر التّرف وفتور الايمان.

2- مرحلة العقل: وفي هذه المرحلة ورغم أنّ الفكرة حافظت على أصالتها إلاّ أنّها أصيبت في بعضٍ من فعاليتها وفي أساسها السّياسي خاصّة، بعد أن تعرّض المجتمع المسلم لصدمة صفّين تعرّضًا لم يعد معه الفرد المسلم يتصرّف في كلّ طاقاته الحيويّة. وتراجع دور الفكرة في التّأثير على سلوكه ومشاعره وأعماله في هذا الجانب. ليستمرّ المجتمع المسلم بعد ذلك في طريقه نحو الفتور والافلاس.
3- مرحلة الغريزة: وفيها انكمشت تأثيرات الرّوح والعقل، وانطلقت الغرائز الدّنيا من عِقالها وتمزّقت شبكة علاقاته الاجتماعيّة فلم تعد تعمل بشكل منسجم ومتوافق. ولم يعد المسلم في هذه المرحلة يفهم من الفكرة الإسلاميّة شيئًا ولا يدر كيف يتكيّف معها ولا كيف يسوّغ نفسه لمتطلّباتها. واستقرّ أمره على تكرار أفكار ميّتة بعد أن اجتهد لنفسه فتبنّى أفكارا قاتلة برزت في صورتها الصّوفيّة أو صورتها الفوضويّة السّيّاسية، فاستعاض عن الفكرة بالصّنم حتّى خرج من الحضارة، وعاد إلى مستوى الحياة البدائيّة.

4- إمكان العود الحضاري.

إنّ النّسق المفتوح الّذي رسمه هيجل والمنهج الجدلي الّذي وضعه لحركيّة الأفكار وبزوغها ثمّ غروبها لا يقبل أن تجدّد الفكرة نفسها فيَنفي عن الفكرة التي فقدت فعاليتها الاجتماعيّة أمام طارئ ما، ولسبب خارجي لا علاقة له بأصالتها ديمومتها التّاريخيّة ويحرمها من فرصة العودة مرّة ثانيةً الى مسرح التّاريخ.

إنّ هذا النّسق لا يترك لنا خيارًا غير أن نتّبعه ونتخلّى عن الفكرة التي شهدت لها طريقة نشأتها وشكل بنائها وطرائق اقناعها وقرارها في الرّوح البشريّة على مدى أصالتها ومدى فعاليتها في التّاريخ، فننتحر، ونبقى في وضعنا السّاكن خارج الحضارة. أو أن نُضادّه ونتقبّل أنّ الفكرة الأصيلة تقبل التجديد فنُجدّد صلتنا بالفكرة الاسلاميّة، ونعيد لها فعاليتها في حياتنا. وهذا يتطلّب منّا إعادة تنظيم طاقة المسلم الحيويّة وتوجيهها في إطار المبادئ العامّة للفكرة، وفي نفس الشّروط والظّروف التي ولدت فيها أوّل مرّة، وأن نستردَّ المسوّغات التي رفعت من شأن المجتمع المسلم في القرون الأولى وحقّقت غايته ورسالته في التّاريخ أو بما عبّرعنه النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم في الحديث المشهور: “لا يصلح آخر هذه الأمّة إلاَّ بما صلح به أوّلها”. وأن نغيّر من شرائط حياتنا ومن خصائصنا النّفسية وسلوكنا التي هي شروط أوّلية لازمة لكلّ تغيير إجتماعي كما في قوله تعالى: ”إنّ اللّه لا يُغيّر ما بقومٍ حتّى يُغيّروا ما بأنفسهم” (الرّعد.11)… فغيّر ما بنفسك تغيّر التّاريخ!

لا تعليقات

اترك تعليق

آخر التغريدات:

    Message: Sorry, that page does not exist., Please check your Twitter Authentication Data or internet connection.