الجامع الأخضر منارة التعليم المسجدي الباديسي

بقلم: عيسى عمراني-

عرفت الجزائر قبيل الاحتلال الفرنسي حركة دينية وعلمية واسعة، فبلغ عدد مساجدها التي تزاوج بين التعليم وأداء الصلوات الخمس، خمسة وتسعين.

وبعد الاحتلال خفت شعاع العلم بمختلف أرجاء الوطن، وقسنطينة التي كانت تعرف بمدينة العلم والعلماء منذ أمد بعيد، شلت بها تلك الحركة، وانطفأت شعلتها منذ أن وطئت أقدام المستدمر بها سنة 1837م، فتشتت علماؤها واندثر أثرهم بسبب الموت والهجرة والفاقة، وخنوع البعض للمستعمر وتعاونه معه.

أدرك الإمام ابن باديس خطورة الوضع، فبين أهمية الوظيفة التعليمية للمسجد بعد العبادة، بهدف استعادة مجده، فقال في تقرير قدّمه إلى مؤتمر جمعية العلماء المسلمين سنة 1935م: «المسجد والتعليم صنوان في الإسلام، من يوم ظهر الإسلام، فما بنى النبي صلى الله عليه وسلم يوم استقر في دار الإسلام بيته حتى بنى المسجد، ولمّا بنى المسجد كان يقيم الصلاة فيه، ويجلس لتعليم أصحابه، فارتبط المسجد بالتعليم كارتباطه بالصلاة..”، ومن ثم شرع في تقديم نشاطه التعليمي عبر مجموعة من مساجد قسنطينة ابتداء بالجامع الكبير، واستقرارا بالجامع الأخضر.

يقع الجامع الاخضر بحي “الجزارين” وسط المدينة قرب “رحبة الصوف”، ويعد أحد المساجد الجزائرية التي شيّدت بهذه المدينة في العهد العثماني.

تم بناء هذا المعلم العام 1743م من قبل الباي “حسن بن حسين” الملقب بـ”أبي حنك” بغرض الصلاة والتعليم فيه،وجعل عليه أوقافا، ولمّا مات دفن بجواره مع عائلته وبعض العلماء.

يشغل الجامع مساحة مستطيلة، تبلغ أبعاده 15.50م× 13.08 م، وهو من المساجد المعلّقة، حيث فقاعة الصلاة توجد بالطابق العلوي، يتم الصعود إليها عن طريق سلّم،وبها مدخلان بالجدار الشمالي.
انطلق نشاط “ابن باديس” من هذه القلعة فور إنهاء دراسته وعودته من تونس، في العام 1913م بسعي من والده، بعد أن منع من التدريس بالجامع الكبير، فاتخذ منه معهدا لتقديم الدروس للطلبة وعامة الناس رجالا ونساء، فرابط فيه أكثر من ربع قرن، ليجعل منه مدرسة لتكوين النخبة وإعداد القادة،للنهوض بالأمة ضد التخلف والطغيان.

وكانت للجامع ملحقات بمجموعة من مساجد المدينة: سيدي قموش، وسيدي بومعزة، وسيدي فتح الله، وسيدي محمد بن ميمون.

كان التعليم المسجدي الذي أشرف عليه ابن باديس موجها في انطلاقته إلى ثلاث فئات: الطلاب المتفرغين للدراسة، وعامة الناس من الرجال والنساء(وقد منح المرأة حقها المسلوب من التعلم)، إضافة إلى التعليم المدرسي للأطفال الصغار، بمدرسة التربية والتعليم وملحقاتها، وبها خصص وقتا لفئة الشبان.

بلغ عدد الطلاب المتفرغين بالجامع الاخضر العام 1936م نحو أربعمائة يتوزعون على أربع طبقات (مستويات).
المدرسون
كان الشيخ يقوم بالتدريس وحده لجميع الفئات، حينا من الزمن إلى أن تضاعف عدد الطلبة بمختلف المستويات، فاستعان ببعض الأساتذة الذين رأى فيهم إمكانات علمية وكفاءة تربوية، فكلّفهم بتدريس الطبقات الثلاث معه، واختص بالطبقة الرابعة (النهائية)، حتى لا يحرم أي طالب علمَه قبيل تخرجه.
ومن هؤلاء الأساتذة :الجيلالي الفارسي، وعبد المجيد الحيرش، وحمزة بوكوشة وعمر دردور، وبلقاسم الزغداني، ومحمد الصالح رمضان…

يعقد الشيخ اجتماعات دورية مع هؤلاء الأساتذة -على غرار مجالس الأساتذة اليوم- لضبط مختلف الجوانب التنظيمية لعملية التدريس.

التلاميذ وتنظيمهم

يشترط في الطالب المقبل على الدراسة بالجامع الأخضر أن يكون حافظا للقرآن الكريم أو بعضه (ربع على الأقل)، وألا يتجاوز عمره خمسا وعشرين سنة -إن كان مبتدئا لم يسبق له التعلم – فإن توافر فيه الشرطان، يطلب منه إحضار كتاب من كبير بيته أوعشيرته للتعريف به، وفراشه وغطائه.
وكان الشيخ يعتني بتنظيم شؤون طلبته وتربيتهم تربية شاملة تعدهم لمعترك الحياة، بعد إنهاء دراستهم، فيتولى الإشراف عليهم شخصيا، ويتابعهم فردًا فردًا،متابعة المعلم الواعي والمربي الحكيم، والأب المسؤول.

ثم شكل “لجنة الطلبة” من أعضاء جمعية التربية والتعليم الإسلامية لتولي مهمة الإشراف عليهم والاعتناء بهم ومراقبتهم وتوجيههم، بعدما أحيا لأجل ذلك نظام العرفاء، الذي كان يعمل وفق توجيهاته.
ومهمة العريف تلتقي إلى حد كبير مع مهمة “رئيس القسم” اليوم، في شقها التنظيمي والاتصالي، ويمكن للعريف أن يقوم أيضا بمهمة التعليم إن كان في ذلك منفعة.

وكان ابن باديس يتكفل بإطعام الطلبة الفقراء وإيوائهم عن طريق صندوق الطلبة الذي يموّل من تبرعات المحسنين وزكواتهم، وإسهام جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

كما اهتم بالجانب الصحي لهم، فأجرى اتفاقية مع ثلاثة أطباء لمعالجتهم ومتابعتهم، فكانوا يقومون بذلك تطوعا في سبيل الله.

وبفضل هذه العناية والرعاية الشاملة للطلبة، راحوا يتوافدون عليه من مختلف أنحاء القطر،من أقصاه إلى أقصاه.

وأما نظام التقويم والانتقال، فشرع في تنفيذه على طلبة جميع الطبقات ابتداء من السنة المدرسية 1936م-1937م، وحدّدت علامات النجاح والملاحظات الخاصة بكل منها.

مواقيت الدراسة

كانت الدراسة بالجامع الأخضر وجميع فروعه تمتد من يوم السبت إلى يوم الأربعاء، يستفيد الطلبة بعدها من عطلة أسبوعية يومي الخميس والجمعة، كما يستفيدون من عطل لبضعة أيام في العيدين، والمولد النبوي الشريف، وعطلة صيفية في نهاية السنة المدرسية، ليتم بعدها الدخول الموالي في شهر أكتوبر.

تنطلق دروس الشيخ اليومية – وعددها عشرة كاملة وقد تزيد أحيانا- في الفترة الصباحية بعد صلاة الصبح مباشرة، وأحيانا قبله، فيشرع في تقديم الدرس الأول بالجامع الاخضر، يليه درس أو اثنان لكل طبقة من طبقاته الأربع،ثم يتفرغ لتعليم الصغار بمدرسة التربية والتعليم بعد خروجهم من الكتاتيب القرآنية.
تستأنف الفترة المسائية بعد صلاة الظهر، للطلبة إلى أن يحين وقت التلاميذ الصغار.
وتدوم حصة الدرس من ساعة إلى ساعتين، حسب طبيعة المادة، وبعضها خمسا وأربعين دقيقة.
وبعد صلاة العشاء يختتم الشيخ نشاطه التعليمي بدرس في تفسير القرآن العظيم بالجامع الاخضر،يدوم ساعة في الغالب، ذلك الدرس الروحاني الرباني، الذي عكف عليه خمسا وعشرين سنة، كان يحضره الطلبة وعامة الناس، من أهل المدن والقرى المجاورة،وحتى بعض الأجانب من المستشرقين الذين وجدوا فيه ضالتهم، وبعض الرسميين منهم، فيكتظ الجامع وسلّمه وسدته كل ليلة بالمقبلين على الدرس، فيجلس الطلبة في الصفوف الأولى وبقية الحاضرين خلفهم.

بعد إنهاء درس التفسير، ينصرف الشيخ إلى عمله الصحفي بالمطبعة الجزائرية، إلى ساعة متأخرة من الليل، ثم يقوم بتفقد طلبته قبل أن ينصرف إلى النوم، وأي نوم؟؟ كان يغفو سويعات لينهض إلى كفاحه من جديد، و”كيف ينام من أمته في مثل هذا الذل والهوان ” كما قال.

المواد الدراسية المقررة بالجامع الأخضر

وضع الشيخ “ابن باديس “مواد دراسية محددة لتحقيق أهدافه التربوية المتمثلة في: إعداد الفرد الجزائري إعدادًا كاملاً للحياة، وتكوين جيل جديد قائد، والمحافظة على الشخصية الإسلامية العربية، والدعوة إلى الوحدة الوطنية، والسعي نحو تحقيق الكمال الإنساني، وخدمة الإنسانية جمعاء.
– العلوم الإسلامية: وتشمل: العقيدة، وتفسير القرآن الكريم وتجويده، وشرح الحديث النبوي الشريف، والفقه (على المذهب المالكي)، والتربية الخلقية.

أعطى الشيخ ابن باديس اهتماما بالغا لهذه العلوم، لإيمانه الشديد بأن الإسلام هو المحرك الرئيس للنهوض ضد الظلم والطغيان، كونه أحد المقومات الأساسية للشعب الجزائري.

– فنون اللغة العربية: من نحو وصرف وبلاغة ولغة وأدب.

فالعربية لسان الدين والجنس – عنده – وهي التي كتب لأسلافهم بها شهادة الخلود.

– التاريخ: انصبت جهود ابن باديس على تدريس التاريخ الصحيح والاعتناء به حتى يعطي الصورة الحقيقية له، ومحاربة كل تحريف أو تزييف له من المحتل وأعوانه.

– الجغرافيا: اهتم الشيخ بتدريس جغرافيا الجزائر والعالم العربي والإسلامي لبث الشعور الديني والوطني والقومي في نفوس أبناء الوطن.

– الفنون العقلية : كالمنطق والحساب…

ولم يقتصر تركيزه على تعليم المواد الدراسية،فامتد أفقه إلى مختلف المجالات الثقافية والرياضية، فكان يدرب طلبته على الخطابة والكتابة، و يشجع الشباب على الفن والرياضة، وتسخيرها جميعا لخدمة الوطن.

الـمقـررات والكتـب الـمدرسية

لم يهمل الشيخ ورفقاؤه المقررات والكتب المدرسية، وإن لم تكن مفصلة ومدروسة بدقة في بداية عهد الدراسة بالجامع الاخضر، لعدم التخصص في علوم التربية آنذاك، فأدرجوا بعض المعارف والمعلومات من مقررات كانت في عمومها كتبا معروفة في تلك الحقبة الزمنية في قائمة موحدة بأربعة وعشرين مرجعا في مختلف العلوم منها: ألفية ابن مالك (في القواعد)، ومختصر خليل (في الفقه)، وموطأ الإمام مالك في (شرح الحديث)، والمفتاح (في الأصول)، وإيساغوجي (في المنطق)، ومقدمة ابن خلدون (في التاريخ والاجتماع)، وديوان الحماسة لأبي تمام، والأمالي لأبي علي القالي. (في اللغة والأدب).

وكان يوصي طلبته بتجنب قراءة الحواشي التي كتبت في عصر الانحطاط…

وتميزت مدرسة ابن باديس بالجمع والمزاوجة في منهاجها بين المدرسة المغربية التي كانت تركز على القرآن الكريم كونه مصدر الهداية والتفقه في الدين، والأندلسية التي كانت تعتمد الشعر وقواعد العربية، إضافة إلى إثراء البرنامج بالأنشطة الأخرى كالحساب والصنائع اليدوية.

ومما لوحظ على الشيخ تنقيحه الدائم وتعديله للمناهج الدراسية، بمعدل كل عام مدرسي تقريبا.

طرائق التدريس

كان للشيخ رأي في طرائق تدريس المواد التعليمية المختلفة،وقدّم اقتراحات في كيفية تقديم كلّ منها، ونـادى بإصلاح التعليم في المعاهد الإسلامية،كالزيتونة والأزهر والقرويين،ووضع مشروع منهاج مفصل لها، وقام بنقد التعليم القديم، الذي لا يزال مستمرا في عصره.

ففي مجال تدريس اللغة وقواعدها النحوية والصرفية والبلاغية، اقترح تطبيقها على الكلام الفصيح لتحصيل الملكة، فدراستها بدون تطبيق كما هو معمول به آنذاك يعد “تضييعا للوقت وتعطيلا وقلة تحصيل” كما قال، ويؤكد على حسن الأداء والإلقاء عند تدريس مادة القراءة.
ولأن الأخلاق عنصر أساس في حياة الإنسان كان يحث على تدريس التربية الأخلاقية استنادا إلى القرآن والسنة النبوية وسير السلف الصالح.

وألح على تدريس التاريخ والجغرافيا ومبادئ الطبيعة والفلك والهندسة عن طريق السؤال والحوار، واستعمال وسائل الإيضاح، والابتعاد عن التلقين والاستطراد والحشو لأنها مضيعة للوقت وفائدتها ضئيلة.

أسلوب الشيخ في التدريس

كان ابن باديس نسيج وحدِه في أسلوب التدريس جعل دروسه جذابة لامتلاكه قدرته فائقة على إيصال الرسالة إلى المتلقي، وربط الدروس بالواقع وحضوره الدائم، فكانت عيناه تقدحان فطنة وذكاء، يلمح بهما جميع طلبته، ويفاجئ بالسؤال كل من يشرد ذهنه،ليوجّهه بقوله : “كن معنا يابنيّ”.

وكان يتصف بالصرامة والحزم داخل قسمه – في غير عنف – أمّا خارج أوقات الدراسة فكان يتعهد طلبته بالعطف والرعاية وتوثيق الصلة بهم.

قطع الرجل عهدا على نفسه أن يعيش خدمة للدين والوطن، فعاش خمسين سنة، قضى منها حوالي عشرين في التعلم وثلاثين في التعليم متطوعا، وفيا لعهده.

هذا لكم عهدي به *** حتى أوسّد في الترب

فإذا هلكت فصيحتي *** تحيا الجزائر والعرب

ظل الجامع الاخضر- إلى عهد قريب – محافظا على الحد الأدنى من نشاطه بإقامة الصلوات الخمس والجمعات، وتقديم الدروس الوعظية، إلى أن أغلق سنة 2014 بغرض ترميمه، ولكن ازدهاره ونشاطه ولّى منذ أن غادره الإمام ” ابن باديس”.


المراجع
1- الشهاب، ج4، م 5، 14 جوان – جويلية 1938.

2-طالبي.(عمار) ابن باديس حياته و آثاره، دار اليقظة العربية بالاشتراك مع دار ومكتبة الشركة الجزائرية – الجزائر ط1.

3-تركي.(رابح) الشيخ عبد الحميد بن باديس فلسفته وجهوده في التربية والتعليم. الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، ط 2، 1974.

4- فضيل.(عبد القادر) ومحمد الصالح رمضان، إمام الجزائر عبد الحميد بن باديس، دار الأمة للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر، د.ط، 2010.

5- عمراني (عيسى).المدرسة الباديسية ومناهجها الدراسية دار الهدى عين مليلة ط1، 2015.

لا تعليقات

اترك تعليق

آخر التغريدات: