مقامات الخطاب الصوفي في أدب الرحلة الشيخ العربي بن عبد الله المعسكري أنموذجا -مقاربة تداولية-

بقلم: حكيم بوغازي ود. حمودي محمد

يعمل الصوفي في مداره المخصوص على التحرّر من ثبات الكتابة، وينأى عن نواة تقرير المعنى داخل النص [النسيج] الذي ابتدعه لا على مثال سابق، من خلال تحويل فضاء استقباله من فهم وتعبير موجّه، إلى كشف ينفلت من تركيب العبارات ويتجه نحو تجربة المطلق بين وسطين متلازمين: الشريعة والحقيقة .

فلا غرو إذن أن نجد الشيخ : العربي بن عبد الله المعسكري الملقب بــــــ شنتوف "رحمه الله" ينحو نحو دائرة الاتساع، ويستفيض من دلالات عالم الأمر وعالم الخلق، فينفلت بذلك عن حدود الكلمات، ويفتح هامشا على نص العالم الذي لا يُفهم إلا بعد التنصّت على فعل الذات العالِمة(المتصوفة) بهذا العالَم ليصدق فيه القائل: " العابد يعبده بالحال والعارف الواصل يعبده في الحال" .

تجربة الكتابة الصوفية عند الشيخ شنتوف بأسلوب الرّحلة ينزاح عن المعنى السردي ويطلب الفهم التداولي الذي ينبني على استعمال اللغة في المقام طبقا للحال، وعليه فإنّ كتابه الماثل بين أيدينا للمدارسة والممارسة، شاهدا على فعل بناء الخطاب الصوفي الصحيح، الذي أبحر في مجاز المجاز وحقيقة الحقيقة، وتتبع مشاهد الأحوال ومنابع المقامات.

ثم أربى في شرح مقام البَّر ومجازاته، و ثنّى بمجازات البحر و أحوال حقيقته، فتنوعت بذلك الأجناس بحسب تنوع واردات الأحوال، متحدّثا عن مدار الحقيقة وأقطاب السيادة، سالكا بذلك شعب الفروع والأصول، فكان له فصل الخطاب ومنطق الحديث المستطاب في جملة الفرائد والفوائد.

قمين بنا ونحن نحاول أن نستقري الخطاب الصوفي الجزائري الولوج إلى غياهب الحقيقة والمجاز في هذا الكتاب بغية  الوقوف على :

1-         السيرة الذاتية للشيخ شنتوف.

2-         أدب الرحلة الصوفية في كتابه بين الحس والمعنى.

3-         تداولية المقام في الخطاب الصوفي عند الشيخ شنتوف رحمه الله.

4-        موضوع البحث:

تتكشف الحقائق العرفانية وتتنزل الأنوار الربانية على أولي الحجا بعد نأيهم عن الفانيات، وبعدهم عن المهلكات، وتأسرهم معاني الحقيقة، وسنن الطريقة، فهم لها أتبع ولغاياتها أنفع، صحبوا شيوخا أكابر، فنالوا بعدا عن المهالك وسوء المعابر، وتسوروا  لجام التقى فكان لهم فيضا ربانيا وعلما روحانيا لّدنِيًا.

لقد تمسك الصوفية الخلّص بتعاليم الإسلام، وتربوا تربية في أحضان الشريعة حسّا ومعنى، وكان لهم سبيل العلم يمتحون منه ما يشاؤون، ومن منهل العلم والعلوم يغترفون، مصداقا لقول حجة الإسلام: (( فالعلوم كلها داخلة في أفعال الله عز وجل وصفاته وفي القرآن شرح ذاته وأفعاله وصفاته، وهذه العلوم لا نهاية لها، وفي القرآن إشارة إلى مجامعها، والمقامات في التعمق في تفصيله راجع إلى فهم القرآن...))(1).

و لأجل ذلك فإن الحديث عن أدب الرحلة الصوفية، ليس سهلا تناوله، وليس يسيرا سبر غوره، لما فيه من معاني الحقيقة وعين اليقين، وإشارات المجاز والكلام، خاصة إذا تعلق الأمر بالشيخ العربي بن عبد الله المعسكري(*) المكنى شنتوف، الذي برع في سرد الرحلة على الطراز الصوفي، معانقا عالم الخلق تارة، ومتحدثا عن صفات عالم الأمر تارة أخرى.

يطلعنا فهرس الكتاب الماثل بين أيدينا للدراسة: (الحقيقة والمجاز في الرحلة إلى الحجاز ) على بابين وتمهيد، فأما الباب الأوّل فقد خصّه للحديث عن عالم الخلق الذي صور فيه الرحلة من معسكر إلى وهران برا، ومن ثمّ تناوله للمراكز التي استقر بها على نحو يشي بالكثير من العبر الصوفية والمنح الجليلة في جو مهاب.

و أما حديثه عن عالم الأمر فقد خصّ به الفصل الثاني للكتاب وفيه وصف تراتيب وترانيم صوفية، تجنح نحو التجريد تارة وبين الغياب/الحضور فينة أخرى، ولهذا الباب أثر واضح في دلالة العتبة التي طرحها الشيخ مطلع الكتاب.

ولا يبتعد عن ما آثاره من عوالم في البابين السالف ذكرهما في تمهيده الذي جعله في بيان مراتب السفر وحاجة المريد للإذن من الشيخ(**) كذا الحديث عن أقسام السفر  ودلالتها الحقيقية والمجازية، فضلا عن تحديد معالم الشريعة والحقيقة، قاصدا بهما شريعة الدين الحنيف وحقيقة التصوف اليقينية، وإلى مثل ذلك يقول أحد المتصوفة: (( والطريقة الشريعة، وكل حقيقة خالفت الشريعة فهي زندقة... ولا يمكن لابن الطريق أن يكون شيخا إلا إذا بدأ من أول الطريق مريدا، ...))(2).

وفي موضع آخر يقول الشيخ (( قضت علي الطريقة الغريسية أن أصون حرمتها بتطبيق بعض الألفاظ والبلدان وغيرها تطبيقا إشاريا وهو المعول عليه. ولما شرعت في الجمع والتسجيل عزمت على تسمية ما أسطره في هذه الأوراق وأحرره ب "الحقيقة والمجاز في الرحلة إلى الحجاز"))(3)، فليست الكتابة إذن عند الصوفي من وحي الذات ولا من صنيع الشخص، إذ الذي يحكمها هو العرف الصوفي المرتبط بأحادية الطريقة، وإذن الحضرة العالمة، والتطبيق اللغوي للمكتوب لا يخرج عن سمت الإشارة، ولا ينفك عن محاورة المجاز و الاستعارة، فلا سبيل إلى إدراك كنهه، ولا مجاز إلى الوصول إلى طيات ذكره إلاّ بعد لأي وتحصيل معجم صوفي و تأثيل طرقي نابع من الانتماء.

كما يبدو أن الشيخ قد وعد المتلقي الإفصاح عن مكنون العنوان ويكاشفه بسر التحقيق والمنوال فقال: (( إني قد جمعت بين الظاهر والباطن، والسائر والقاطن و لك أن تسميه انطواء الوجود في كعبة السجود... ملتزما رعاية الحقيقة والأخذ بالاحتياط...))(4)، ثم انبرى يتحدث عن وصايا عامة للمريدين لا تخرج عن تزكية النفس وتحقيق سر السفر النفسي و غاية السفر الحسي، فمن لم يكن لنفسه واعظا لا تنفعه المواعظ.

أولا: أدب الرحلة الصوفية في الكتاب بين الحس والمعنى:

يسعى الشيخ في كل زاوية من زوايا هذه الرحلة إلى الحديث عن عوالم النفس وكيف يتأتى كبح جماحها، فــــ (( جواهر النفس الناطقة مختلفة بالماهية، فقد تكون النفس نفسا مشرقة نورانية إلهية، علوية قليلة التعلق بالجوانب البدنية والنوازع الجسمانية، فلا جرم كانت أبدا شديدة الاستعداد لقبول الجلايا القدسية والأنوار الإلهية، فلا جرم فاضت عليها من عالم الغيب تلك الأنوار  على سبيل الكمال والتمام وهذا المراد بالعالم اللّدني ...))(5)، وهذا أمر قد أفاض الشيخ فيه سنأتي على ذكره في وقته.

يقدم الشيخ مجازه بذكر وحمدلة وتسبيح، فيقول: (( أحمدك أنت أنت بما أنت أنت، وسبحانك من حيث أنت أنت، وأنت المقصود على كل حال، والمشار إليه بكل معنى. ونسأله أن يخصنا باللقاء الشبوحي والنفث الروحي في الروع النفسي بالتأييد الاعتصامي))(6) ، وهذا إن دلّ على شيء إنما يدل على اعتبار الفناء معوضا لحال البقاء(( فلا يستغرقه الفناء ولا يستهويه بل يعود إلى البقاء ليحفظه من الزلل وينجيه))(7)، وهذا معنى قوله( يخصنا باللقاء الشبوحي، أي الجسمي، فلا نرتد إلى الجسمانية المقيتة بل البدن في خدمة النفس.

لا يتخذ الشيخ من الكتابة السردية في هذا المقام، تعبيرا  عن نظم ارتحالية ممزوجة بطرائف الحِّل و التّرحال، بلّه تجسيدا لعالم الخلق في طواعية عالم الأمر، فتغدوا الكتابة عنده سمياء دالة عن معيار التكشف وبرهان الحقيقة، إنها (( سؤال أنطولوجي مؤطر ضمن علاقة الله بالعالم... فهي تنهض على الأسماء الإلهية والتجلي والخيال وخطاب الحق))(8) ، و برهانا على  ذلك نجد  الشيخ يقول: (( إن الأصل في الأشياء العدم والسكون، ثم الوجود والحركة أبدا لا تكون إلا عشقية وحبية، لأن الأصل حركة العالم من العدم إلى الوجود. فلما كانت الحركة من العدم إلى الوجود محبوبة إلى الحق بالتصريح بقوله ( كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف)(***)، فأحببت الحركة بحب الحق لها ولا تضنن أن بذلك لزوم الغرض ... واعلم أن هذه المحبة هي الإرادة لا غير. وأيضا لما كانت الحركة من جانب الحق، وجانب العالم، كذلك كانت حركتي هذه من جانب الحق وجانبي، وإنما كانت هذه الحركة محبوبة لأن في باطنها كمالا والكمال محبوب لذاته، وكل حركة تنتهي للمحرك الأول الذي لم يتحرك هو في نفسه ولم يسكن ليس كمثله شيء ))(9) .

لا يستطيع التحليل الأدبي مهما كانت جديته الإلمام بعناصر التصريح الصوفي الذي ((لولا ظلام الوجود الانفصالي لتجلّى نور الذي لا تدركه الأبصار، ولولا تجربة الروح البهيمية لارتفع ذلك الحجاب، لولا وجود ما يقتضي خلق الطبيعة لتحوّلت القدرة الإلهية إلى نور غامر))(10)، ولا تستطيع القبض على مغالق النصوص وفواتح الكلم لولا ناصية اللغة التي تستنطق بها المجاهيل.

والغاية في ذلك وجوب تتبع خواص الكلم الصوفي النابع من عوالم الإنابة والرجوع، عالم الحقيقة المتصور وعالم المجاز المنور، وما بين الشيء والشيء شيء كما يقول المتصوفة، فلا ضير من معرفة (( أحوال المتكلم الذي يملك زمام التحديد القبلي للمعاني المراد تبليغها للقارئ، ومن هذا الجانب فإن فعالية القارئ يتم قصرها على فهم وإدراك ما هو موجود سلفا من معان في النصوص))(11) ، ولكن يقف السؤال ههنا مشدوها حينما يبحث عن الذات القارئة للنص الصوفي، هل قارئ عادي أم قارئ مثالي؟ هل مريد أم معيد؟

فعلى اعتبار أن أدب الرحلة الصوفية تنشأ دراسته من خلال طلاسم إشارياته، وأن معلم  القراءة فيه غالبا ما يرتبط(( بفكرة التقاط مضمون الرسالة من النص ))(12)، فإن الشيخ قد بلور فكرة الكتاب ضمن سلسة من التخريجات الصوفية مثل قوله: (( واعلم يا أخي أن العالم لا يخلو من عرض وجوهر، مركب وبسيط، وأن تطبيقي لا يخرج عنهما، على أن العالم كله-عند أهل الحقيقة- عرض ومقومه الحق، ... وأن أهل الغفلة يشاهدون الآثار لكنهم غافلون عن الحقيقة فهم كأنهم لا بصر لهم ولكن غيرة الحق تمنعهم من الرؤية الصحيحة لكونهم أغيارا غير لائقين بالدخول في المجلس الخاص... لأن كل معلوم حي...))(13).

فأما استعماله للعرض والجوهر ففيه كلام عن المنطق الصوري، و أما ارتباطه بعالم الحس والحق فذاك مرده إلى الصورة الصوفية التي جوهرها(( الخروج من فضاء الغيبة إلى فضاء المشاهدة على غلبة الخوف أو لكثرة الحبّ...))(14)، وإلى هنا يقول الشيخ: ((... فكانت خطوتي الأولى في الله وبالله وللّه، وكانت الخطوة الأولى والأخيرة على السواء، وقد قال الله تعالى:( هو الأول والآخر)[الحديد/3]، فهو الأول في عين الآخرية والآخر في عين الأولية، إلاّ أن هناك مقام وجوب وهنا مقام إمكان، وبذلك علمنا الاتحاد الحبي العشقي...))(15).

و الحق أنّ (( إدراك قوة اللغة على التضمين والإيحاء يلزمنا أن نتعامل مع سياقها الداخلي باعتباره المرجع للقيم الدلالية...))(16)، ولا يلزمنا بأي حال من الأحوال الممكنة أن نصنع وعيا معرفيا له آليات إجرائية تنبني على صوفية اللغة (فهما ومعنا) ما لم ندرك ونعي تلك العلاقة والرابط المنطقي ما بين منطوق المدلولات وملفوظ الدوال في اتجاه خط سير فحوى الخطاب، وهو كثير في هذا الكتاب.

ففي معرض حديث الشيخ عن الحقيقة والشريعة كتمهيد لمعالم الرحلة الحجية هذه، تجده يبدأ بفرض لغة اصطلاحية صوفية مهابة جليلة القدر بجلال المقدِّر، ومثال ذلك قوله: (( ثم اعلم أن أهل الدين طائفتان: قاطنون ومسافرون، فالقاطن من لزم عتبة الصورة ولم يفتح له باب إلى عالم المعنى... والسائر والمسافر من لم يقف ولم ينزل في منزل وهو سائر من عالم الصورة إلى عالم المعنى ومن ضيق الأجساد إلى متسع الأرواح))(17)، إذ الدلالة الرمزية تفوق اللغة التعبيرية في مقام التجلي، داعية إلى التكثيف الدلالي المقصدي من غير إخلال بسعة المنطوق ولا بفحوى المفهوم.

والحديث عن الشريعة والحقيقة هو جوهر المذهب الصوفي، والنزوع الزهدي عند المتصوفة فالشريعة عندهم ((أمر بالتزام العبودية، والحقيقة مشاهدة الربوبية، فكل شريعة غير مؤيدة بالحقيقة فغير مقبول، وكل حقيقة غير مقيدة بالشريعة فغير مقبول، فالشريعة جاءت بتكليف الخلق والحقيقة إنباء عن عن تصريف الحق، فالشريعة أن تعبده والحقيقة أن تشهده...))(18).

وأما في بيان حقيقة السفر، فلا تجد الشيخ يقف عند حدود المجاز الصوري للسفر والمسافر في هذه الرحلة، ولا يبدوا أنه يولي اهتماما للرحلة المصاحبة للبدن و عينه، إذ المسافر لديه، صنفان: ((صنف سيّار وصنف طيّار: فالسائر من يسير على قدم الشّرع والعقل على جادة الطريق، والطيار من يطير بجناحي العشق والهمّة في فضاء الحقيقة وفي رجله جلجلة الشريعة. ولا بد من الشريعة حتى في الطيران، فإنه مقيد، وإن نزل من طيرانه فهو في نور أيضا، فإن العارف بالله بين نورين: نور شمس الحقيقة ونور قمر الشريعة، فإذا جاء نهار الحقيقة يستضيء بنور شمسها، وإذا جاء ليل الشريعة يستضيء بقمرها، فنحن أرباب النورين من النور إلى النور نسير ومن النور إلى النور نطير وحالنا بين التجلي والاستتار))(19).

فالنصوص الصوفية كهذه حبلى بالمشاهد المصورة، التي تجعل الخطاب الصوفي يتجلى في ((المستوى الذي يحكم التمظهرات الدلالية...))(20)، البانية للمتصور العلائقي بين الحقيقة النورانية الشمسية التي لا تضاهى بغيرها وبين الشريعة السماوية التي لا يؤتى بمثلها، وهنا خطورة الأمر، إذ كيف تستطيع المشي من نور إلى نور ما بين التجلي والاستتار؟ من دون كشف الستار عن المرصود.

ثانيا: محدّدات عالم الأمر وعالم الخلق/الحقيقة والمجاز:

ومهما كانت (( أجناس النصوص وأنواعها وأصنافها، فقد ترجع إلى القسمة الثنائية من كون الكلام ينقسم إلى: حقيقة ومجاز؛ فإذا كان الكلام حقيقة صرفا خالصة فإنه لا يجوز تأويله، وأما إذا كان الكلام مجازا فإنه يجب تأويله حتى تتلاءم دلالة تعابيره مع المعقولية ))(21)، وعلى هذا الأساس جعل الشيخ شنتوف من عالم الخلق دلالة ومن عالم الأمر دلالة، بل ومن دلالة السفر والرحلة معنى مغاير لحقيقة التناول اللغوي داخل السياق الجملي للنصوص، كما كانت له وقفات شرح، تعبيرا عن الدلالة الحقيقية التفصيلية للأحواز،  وأماكن الصعود والهبوط قبل وأثناء الحج.

يجعل الشيخ شنتوف عالم الخلق مرتبطا بالرحلة البرية من معسكر إلى وهران، وفيه يفتش عن المعاني الروحية والأنوار الصوفية، جاعلا  وصفا دقيقا للمحطات الأرضية والمحطات المعنوية، فيقول: (( وإن هذا الانتقال الصوري إشارة إلى نقطة القلب، ثم هاته الحركة إشارة إلى التوجه والإنابة ثم الركوب وسط القطار، إشارة إلى التوجه الإلهي، فحالنا من الانتقال إشارة إلى العبور من عالم الملك إلى عالم الملكوت إلى عالم الجبروت، ثم الوصول إلى عالم اللاهوت؛ وهو مقام الفناء الكلي، وعند ذلك يحصل الصعود إلى وطنه الأصلي العلوي... ))(22) ،و في هذا المقام أسمى درجة الكتابة واللغة الواصفة لمقتضى الحال الذي عليه الكاتب.

وإلى هذه المراسم الصوفية والشطحات اللغوية، التي تجعل من المريد ينمحي داخل عباءة الشيخ يقول السهروردي في "خرقة المشايخ" (( إن الخرقة خرقتان: خرقة الإرادة وخرقة التبرك والأصل الذي قصده المشايخ للمريدين هو خرقة الإرادة وخرقة التبرك تشبه بقوم فهو منهم))(23) ، فتكون بذلك الخرقة الأولى للمريد شرط بيعة منه لشيخ الطريقة، وإيذانا علانيا بالتبعية لها،  وهو ما و قفنا على ذكره والإتيان به من قبيل الشيخ، تعبيرا عن الصور الصوفية للأولياء والمشايخ الذين كانوا مزارا له في طريقه من أمثال: سيدي محمد بوجلال، سيدي عمر المدعو معمر، سيدي يوسف دفين الكرط وغيرهم كثير.

ولا يفتأ الشيخ يذكر المحطات تترى من قبيل معناها الصوفي تارة ومعناها الحقيقي تارة أخرى، إذ يقول في دامصيم(عين اللبية) مثلا : (( دامصيم وتجلياتها الصوفية، ويشار بحروفه الأعجمية إلى داء مي المصم، أي عشق مي المصم(الذي يرمى فيقتل) والقاتل لمن خامره وامتزج به، لأن المحبة الحقيقية الخالصة لا تكون إلا من الموحدين لكونها ظل الوحدة، فلا تكون من المحجوبين لكونهم في عالم التضاد والظلمة))(24)، وفي استدلاله عن معني البلاد في الحقيقة، يقول: (( بطيوة ومعناها في الحقيقة، وهاته الحروف الأعجمية التي هي لسان العاشق المحب، والتي هي سانت أيوني، تقول: ستكون لي كما أني لك دائما فسر إلي تجدني لك ومعك وفيك، ولا تنظر إليك فتحجب بك، وانظر بي إليك فتراني بي لابك))(25).

وعند نهاية رحلته البرية(عالم الخلق ) يطلق الكاتب العنان للحديث ذي الشأن الصوفي والمذهب الكلامي، قائلا: (( وقد تقدم لك أن البر كله، من أم عسكر إلى أيالة وهران، إشارة إلى عالم الخلق، والإشارة من بحرها إلى جدة إلى "عالم الأمر"، ولكن عند نظر العارف المحقق أن في باطن عالم الخلق عالم الأمر، فهو فيه دائر دوران رحى الحياة، ... فالإشارة بالبر إلى بر بدن الإنسان، وبالبحر  إلى بحر حقيقته الحادثة، وبالخروج عنهما أي بدنه وحقيقته التي هي روحه، يصل إلى فضاء الحقيقة، وهي كعبة الذات...))(26).

لا ينفك الحديث في عالم الأمر-الجزء الثاني- عن توظيف الصور البلاغية ذات النمط الإيحائي، والتمثل الفعلي للمنحى الصوفي القادري، الذي ينتمي إليه الشيخ دينا لا طينا، ومن ثم فإن البعد الأنطولوجي للصورة البلاغية – مجازية، تشبيهية استعارية،على اعتبار أنه ينبغي (( تأويل الاستعارة باعتبارها صورة))(27)- أثرى زوايا الرحلة ورسم معلما جديدا لحقيقة الأدب الرحلي الصوفي، فــ (( علاقة مفهوم الصورة بمفهوم الكتابة ليست افتراضيا إجرائيا، بل عن وعي، ...))(28) ، وهو ما أشار إليه كثيرا في إحصائه القيم الصوفية والأوجه الحقيقية للمراكز والمحطات والمدن التي أتى على ذكرها في رحلته(عالم الخلق وعالم الأمر).

يتجه العربي شنتوف إلى الحديث عن عالم الأمر، ويجعله فريدا من حيث الإجراء اللغوي الاستعاري بل ويبني كل الباب الثاني على الحقيقة الصوفية للمعالم والأركان، يقول : (( وكما أنه يشار به إلى بحر روحك التي هي من عالم الأمر يشار به للصورة الطبيعية وصورة القهر الإلهي، لأنه قاهر، فإن الطبيعة قاهرة بطبعها الإلهي... والإشارة به إلى الحياة، ولذلك أول ما ظهرت به الإلهية الحياة، فالماء أول ما ظهرت به الحياة...))(29).

ويستطرد الشيخ الحديث عن مغامرات رحلته بين المدينة المنورة ومكة المكرمة، سالكا سبيل الوصف تارة، وسبيل الإحصاء تارة أخرى، بدأ ذلك بالحديث عن الوصول إلى الحجاز وذكر جدة وبحر الحقيقة، وفيه حديث شيّق عن مدينة جدّة، متطرقا إلى بيان مناسك الحج التي أحصى معرفها الفقهية بيانا تفصيليا ينم عن سعة علمه الفقهي.

وما بين مكة والمدينة نظرات صوفية ترتبط في وصفها بما يحمله الكاتب من معاني الطريقة ومن شيوخه الصوريين والمعنويين، مدققا في كل تقاسيم الحياة التي تعيشها المدن المزارة، من مقاهي وجبال وسهول ووديان وطرقات وبُنى بشرية ونفسية، ولكنه دوما يعرّج على الحقيقة الصوفيّة للأمر المراد بيانه.

ففي تعبيره عن حقيقة المناسك يقول: ((وبالإشارة المجازية، أنخنا نفوسنا وعقلنا عن عِقلها الطبيعي، وحملنا عليها أعباء صدق الناسوتية الحاملة لأحمال الجواهر اللاّهوتية وقد زالت القشرة البشرية وذاب العواطف الفطرية، وسارت تلك النفس بغرام حقيقي إلى منزلها الأصلي، إلى معرفتها بنيل مطلوبها، وغاية مناها الاستراحة عند باب مولاها))(30)، وهنا يتبدى بوضوح (( العلاقة التي فتحها الصوفية عموما مع اللغة... فبلوغ الوقفة في هذه التجربة لا يتم إلا بعد التخلص من كل وساطة...))(31).

ولمّا يأتي مقام ذكر ووصف الحرم المكي والكعبة، يجعل لهما تجليات إلهية، ثم يذكر حوادث تاريخية ومعلومات قيمة عن القيمة الدينية والتاريخية التي جعلت من الكعبة قبلة وموضع حج، ثم ينفلت من الوصف التعبيري إلى الوصف الصوفي فيقول في سر عدد المنارات: (( فالإشارة إلى التعيينات السبعة المتعينة بها الذات، ومراتب الدعوة إلى الفناء في الصفات السبعة، ثم إلى الذات لأن الكعبة إشارة  إلى الذات المتعينة بالصفات، وتلك هي مراتب الفناء عروجا، والبقاء يكون بعد النزول... ))(32).

يرتحل بنا الشيخ إلى رصد حقيقة المدينة المنورة حقيقة ومجازا، قيقول: (( والإشارة في رجوعنا من مكة إلى المدينة، إلى الروحانية الذاتية... فهي مجمع الحقائق الملكية والملكوتية... والوصول إلى المدينة وصول إلى البقاء، وصاحب هذا المقام لم يفقده التعلق بعالم الأشباح عن العروج إلى عالم الأرواح، ولم تصده الملابسة بمصالح الخلق عن الاستغراق في شؤون الحق، لكمال استعداد نفسه الزكية المؤيدة بالقوة القدسية... وكمال العبودية في كمال الحرية سوى الله ...))(33) .

إن اشتغال ((آليات النص المعرفية، يؤدي إلى تجلية مستويات وإخفاء أخرى... وهو يتراوح بين الخفاء والتجلي: إقصاء مكونات وإبراز أخرى، والمقصي منه متضمن في المستوى المتجلي... وتلك الفجوات هي التي تساعد على تجلية الجوانب المسكوت عنها...))(34)، فهذا المستوى المغيب بإشارته المجازية قد تحقق في عالم الحقيقة المعينة التي صاغها العربي شنتوف في الوصف التتابعي لمراحل الرحلة الصوفية المقامية.

وينهي الشيخ رحلته بالعودة سالما إلى أرض الوطن، بعد سجال مع الفيوضات الربانية، والأحواز الصوفية والمقامات العرفانية، مصورا لنا تمام الرحلة وشفاء الغليل بعد ملاقات الحبيب، إذ الحب الصوفي لا يكون من دون حبيب محب، مصداقا لقول الشيخ الأكبر في ترجمان الأشواق(35):

أدين بدين الحب أنّى توجّهت  *  ركائبه فالحب ديني وإيماني

ولا يكون الحبّ زادا وارتواءً، ونماء للنفس، حتى تتجلى المعاني القدسية وينجلي التماهي عن الذات للذات، فــ(( في عالم البرازخ يشتفي من أراد التلذذ بالمعاني القدسية في القوالب الحسية من عالم الأنفاس والروائح))(36) ، وهو ما سنقف عليه في النقطة الموالية من هذا البحث.

ثالثا: تداولية المقام في الخطاب الصوفي عند الشيخ شنتوف :

تتشكل اللغة الصوفية  من مورفيمات وفونيمات تخرق المعقول المتناول، وتتطلع نحو الابتكار الجملي النصي الذي يقولَب ضمن أشكال الحضرة الصوفية باختلاف النماذج المدرجة، فلا(( يمكننا التطلع إلى فهم اللغة إذا لم نفهم الخطاب، ولن نفهم الخطاب إذا لم نراع الهدف منه (نوايا المتكلمين ومقاصدهم) وإذا لم نحاول معرفة مؤثرات السياق فيما نقول...))(37) ، وفي هذا المقام الصوفي عنّ لنا أنّ ثمّة بحق عناصر المد التداولي تؤلف النصوص وتجعل من اللغة تتحمل عبء المداليل الصوفية، بل وتبحث عن المصطلحات الوظيفية التي تصنع الفارق بين اللغة العادية والصوفية.

و ركحا على ما سبق، فإن (( اشتغال آليات النص المعرفية تؤدي إلى تجلية مستويات وإخفاء مستويات أخرى، ولا بد له(النص) من الانتماء إلى مرحلة تاريخية ومعرفية معينة لها مميزاتها الخاصة، وبذلك فهو يتراوح بين الخفاء والتجلي: إقصاء مكونات وإبراز أخرى، والمقصي منه متضمن في المستوى المتجلي...))(38).

إن مستوى الخفاء والتجلي المبرَز في الرحلة  يبدو غامضا، كما يبدو للوهلة الأولى أن الكاتب يتعامل مع جمهور مختلط؛ الغلبة فيه للمتصوفة، ولأجل ذلك لا تستطيع القبض على مغالق النصوص بصورة سلسة طبيعية، فالحرج والخطورة في كيفية توظيف آليات التأويل بغية استنباط الدلالة الصوفية المعتبرة في الرحلة.

يسعى الخطاب التداولي هنا إلى دراسة(( فن الإقناع والوسائل الناجعة للتعبير...))(39) ، من أجل الوصول إلى تحديد معيار الكفاءة التواصلية التي حققتها النصوص والخطابات الموجهة لجمهور معين، وقد تأكد أنه لا بد من توفر ثلاثة مستويات تحليلية للإحاطة بالمعنى وهي :

1- المستوى التركيبي(صورة العبارة).

2- المستوى الدلالي (دلالة منطوق ومفهوم العبارة).

3- المستوى التداولي(وظيفة العبارة داخل وخارج السياق).

وعلى اعتبار تواشج المقاييس الثلاثة للتحليل، فإن الخطاب الصوفي المستعمل في هذه الرحلة (الحقيقة والمجاز ) يعبر ابتداء من عتبته أنه يمشي وفق سنن محدّد سلفا في ذهن الكاتب نحو غاية معينة، مهادها التأريخ ومآلها الحقيقة الصوفية، ومن هنا كان لزاما علينا المبادرة نحو مساءلة النصوص الماثلة بين أيدينا ومحاولة الإحاطة بها علما.

تتضمن العتبات المدرجة في الكتاب :

1- السفر بين الحس والمعنى.

2- من معسكر إلى وهران(عالم الخلق)

3- من وهران إلى الحجاز(عالم الأمر)

فهي معايير تداولية (( تفترض التركيب والدلالة... ربط الصلة بين العلامات وأشياء أخرى... وبهذا المعنى يوجد مكون تداولي في كل القواعد...))(40)، وهذا المكون التداولي مخصوص بسياق وجوهر معين يتعلق بالظرف الذي سيق فيه والمنهج الذي سار فيه الكاتب.

فحين يقول الشيخ: (( ... فإنه من أقام لك هذا الوجود إلا ليعرفك بنفسه، وكل ما في الشهادة دليل على ما في الغيب، فأنت الغيب والشهادة، وأنت الدليل والمدلول، وهذا مقام الحيرة، فالحائر له الدور والحركة الدورية، فلا يبرح ولا ينفك دائرا، والحركة الدورية معلوم أنها غير مستقيمة، مع أنها عين الاستقامة في نفسها، وأينما تولي ترى وجه الله تعالى في دائرة الوجود وترى أن مطلوبه معه في كل موجود...))(41).

ففي هذا القول الوجيز المكثف، تنبع دلالة الربوبية والألوهية وتوحيد الصفات، ومع هذا التكثيف اللفظي المنبثق عن القصد باللفظ والوفاء بالمعنى، ترتسم معالم الدرس التداولي المتواشج مع مبدأ الدلالة، حيث يكون الافتراض المسبق والاستلزام متناظرين ومتداخلين في زمن واحد، حيث رصد الشيخ مقدمات صغرى تليها كبرى ثم النتيجة الحتمية التي تأتي كمحصلة القول، وهنا يعطي الكاتب للقارئ فرصة الحوار النفسي والتأمل.

وإذا كان الافتراض المسبق(( هو شيء يفترضه المتكلم ... والاستلزام شيء ينبع منطقيا مما قيل في الكلام...))(42)، فإن الشيخ قد صاغ لنا الافتراضات التالية  في القول السالف الذكر منها (مثال) :

                     المقدمة(الافتراض)                                     النتيجة(الاستلزام)

1- الله أقام الوجود - ----- تجلي القدرة( وهو القاهر فوق عباده)(آية كريمة)

2- جوهر المشهود  ---- - -   قوة الغائب( معيار الخلق المشهود = قوة الخالق غير المشهود)( وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله)(آية كريمة)

3- الحركة الدائرية عرض التساؤل --- فالله موجود( وهو معكم أين ما كنتم)(آية كريمة).

ثم إن حركة الامتداد الصورية للمعاني الصوفية تتجلى في المكنون الخفي المصاحب للحضرة الصوفية، وإنما اللغة أداة تعبيرية تحاول حمل المعاني وتنوء بثقلها الدلالي لذا (( اعتبر الصوفية الشاعر مصنوعا على عين الله... جسمه في الأرض، وقلبه في السماء يتسقط أخبار العالم العلوي الذي يمده بومضات إلهية بها يكون شعره نارا تهجم على الأفئدة بغيرحجاب...))(43) ، وما ينطبق عن الشاعر ينطبق عن الكاتب لأنهما من مشكاة واحدة.

إن المجال الرحب والأوسع الذي يعيشه الصوفي، مترنحا بين كأس وأخرى، بين ساعة اشتمال وساعة اعتلال، تجعله (( صورة ومجلى يتم بمسعاه إلى إظهار المطلق الذي ينطوي عليه في ذاته، وذلك من خلال السفر الذي ينهض على الفناء والبقاء، الفناء عن المحدود فيه والبقاء بالمطلق الذي يتقرب منه إلى درجة التخلل...))(44)، وهنا تنشأ عند الصوفي صورة التداخل والتطابق بين المتخيل والمطلق، فيغدو فاقدا لذاته الطينية متلبسا بالذات العلوية تماهيا فيها وتماشيا مع قدرتها الصانعة ومجالها الأوسع.

فلا مندوحة عن التعرض لنفحات الشيخ في مقام التماهي صاحب البعد التداولي الحجاجي، القائم على مبدأ الرؤيا الحجاجية ذات الأوجه البانورامية الإقناعية الإفحامية التي (( يتخذ فيها المتكلم ذاته مخَاطَبا له.. فلإقناع سامع مخصوص تستعمل آليات لا تصلح لإقناع جمهور كوني...))(45)، ومن ذلك ما اعتمده الشيخ في المخاطبات المتعلقة بشيوخه الأجلاء كذا مخاطبته للمريدين.فهو وإن كان يوصي،  إلا أن فعل المحاججة قد أتي أكله في مواطن كثيرة من هذا الكتاب، ولنا أن نمثل بنصوص مختارة من الكتاب على اختلاف أبوابها، مستندين إلى  أصناف الحجج(****) في التداولية:

أ* حجة التبرير:

اتخذ الشيخ من خطاب التبرير ما ينبئ عن محاولة اعتماده طريق الإقناع التبريري، ونصوص كثيرة دلت على ذلك، نقتطف منها ما ذكره في سبب التأليف مثلا: (( لما كان الضرب في الأرض إنما هو مجرد تمتع بالنظر الظاهري، وحركة في الحسّ الباطني، وربما تذهب فائدته كصيحة في واد، أو إحالة جواد أو استسمان ذي ورم، فلا يحصل نفعها العميم من بقائها متداولة بالأيدي؛ بادرت لتسجيل ذلك في ورقات رجاء ثواب من الحضرة الربانية وخدمة للأعتاب المحمدية...))(46)، فقد صاغ لنا أكثر من أربعة حجج متوالية لأجل تفهيم المتلقي أن الذي بادر به هو لأجل أمرين:- رجاء الثواب – خدمة الأعتاب.

ب* الحجة الإتجاهية:

وغرضها التحذير من الاتجاه في غير مسار المراد المرسوم، وقد وجه الشيخ عنايتنا بكثير من المشاهد المصورة التحذيرية والتوجيهية والإفهامية، والتي منها: (( إني أوصي بهجر المعاصي أولا نفسي ثم أبناء جلدتي وجنسي، وباحتمال الجفاء من جميع الأنام، وترك مجالسة السفهاء، ودوام مصاحبة ذوي النفع الكرام... لأن من تناسى مساوئ الإخوان دام له ودهم ومن بذل ماله أدرك أماله... وتزود بالأدوية تنتفع بها ومن معك من أصحابك المرضى ))(47).

ويقول في باب آخر من الكتاب: (( إن هذا السفر هو الصراط المستقيم الذي ندبنا الحق سبحانه أن نطلبه... فإن كان مرضا بالحجب المتراكمة عليه فليسافر إلى ربه بربه، فإنه يصح من مرضه المتنوع بطحال غمه وكيد همه وصنم قالبه وانقلاب قلبه...(48).

جـ * الحجة الرمزية:

ومفادها تقرير العلاقة بين الرامز والمرموز إليه، وقد تقرّر في الرحلة الماثلة بين أيدينا الكثير من الإيحاءات الرمزية الحجاجية التي استعملها الشيخ بداية من سبب التأليف إلى الخاتمة، وإذا أردنا التمثيل على ما تناوله في هذا لإطار  فإننا نستعين بالقراءة الفحصية الشاملة، فنجد من أمثلة ذلك حديثه عن أكثر من عشرة أولياء الله الصالحين الذين ترجم لهم ووقف عند مآثرهم، محاولا الاستعانة بهم على إقناع المريدين والمتلقين، بأن الذي يكون في هذا العالم العلوي البرزخي لا بد له من الاهتداء بهذه المنارات الرمزية التي خدمت الشريعة وآثرت عالم الحقيقة.

من ذلك قوله في مراتب الأولياء الرمزية وما تؤول إليه كراماتهم كرموز فعلوا الخير واهتدوا إلى الشرع: (( إن خلاصة جميع الكتب المنزلة وفائدتها بالنسبة إلى الإنسان عائدة إلى معنيين، أحدهما نجاته من الدركات السفلى وثانيتها فوزه بالدرجات العليا... والفناء في أنانيته والبقاء بهويته، فهذه حقيقة التقوى التي ينزلها المتقون، ...))(49) وغيرها من التخريجات التي أتى على ذكرها لا يسعنا المقام لذكرها تباعا.

د* حجة الاستشهاد:

يعتبر الاستشهاد (( أداة لتحويل القاعدة من طبيعة مجردة إلى أخرى محسوسة، ولعل القرآن الكريم فيما يقدم لنا من أمثلة حجاجية أهم مصدر لهذه الأشكال الحجاجية، ...))(50)، وقد استعان اىلشيخ في بلوغ مقصده الأسنى، ومبتغاه الأوفى كما هائلا من الشواهد القرآنية والأحاديث النبوية والأشعار والأخبار والمرويات ولكن ما يستوقفنا في هذا الشأن هو المزية المثلى التي انفرد بها الشيخ، والمتمثلة في توليفه بين الخبر الصوفي والإقرار الحقيقي والشاهد القرآني، قاصدا إلى إفحام المتلقي وعدم جعله يتحرك فيما يلقى إليه من كلام..

وإذا عدنا إلى فصول الكتاب وجدناها دهاقا بهذا الصنف، ولعلنا سنقف عند نموذج أو اثنين حتى نستبين الخبر، ونستطلع اليقين، فمن ذلك قوله: (( ... وأما خوص الخواص فبجذبة رفرف العناية ، بجذب ""مَازَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَى"[النجم/17]، من سدرة منتهى الصفات، نهاية حجب النفس أو أدنى عدم النهاية فلا نهاية لسير خاص الخواص...))(51).

ويقول في موضع آخر: (( ... لكن الطواف به صورة رعاية الأدب، ودور مع الأمر الإلهي، كيف وقد نهى الله تعالى الصابئين بقوله"" لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَر وَاسجُدُوا لِلَّهِ الّذِي خَلَقَهُنَّ""[فصلت/37]أي لا لغيره لأن السجود أقصى مراتب العبادة...))(52).

ومن أمثلة الاستشهاد بالحديث على وجه الاحتجاج والإقناع قوله: (( وفي هذه الحضرة فإن الفقراء يتسمون بسمة الأغنياء لأن الفقراء هم الأغنياء بالله الفانون عن غيره الباقون به، وهذه حقيقة قوله صلى الله عليه وسلم[ الفُقَرَاء الصبَّر جُلَسَاء الله يومَ القيّامة ]وهذا يسرنا...))(53).

لا نستطيع حصر كل المواضع التي وضع لها الشيخ حجية الاستشهاد بالحديث النبوي أو القرآن الكريم، كما لا يمكننا حسم تحديد الصور الدلالية لمنطوق الخطاب الرحلي للشيخ شنتوف، لأن ((حصر كل عناصر حقل المسكوت عنه لا يتم إلا بتحليل عميق ودقيق لكل مستويات ملفوظ الخطاب...))(54)، وبالتالي فإن الخطاب الصوفي خطاب يسمو بلغته وجوهره وعرضه، فهو خطاب التعالي وليس المتعالي، ومن هنا وجب لنا القول أن لغة الإنصات الكلي المبنية على تشريح البنية العميقة للغة في ارتباطها بالتعالي الرباني فتغدوا اللغة الصوفية حجاجا،  وما القراءة إلا تفكيك شفرات القراءة من أجل إعادة بناء معنى قد لا يتفق وفهم الملقي.

ومن القول النافل فإن القارئ لهذا الكتاب (الحقيقة والمجاز) بقدر ما يجد سهولة في تلاوة ألفاظه المتجانسة المرصوفة على نسق نحوي متسع، وبقدر ما قد يجده فيه من يسر في المتن من حيث الإقدام على توظيف اللغة العامية والمسميات المعروفة والمتناولة، بقدر ما يجد نفسه مشدوها أمام حقائق الحقائق التي تتمنّع الإفصاح عن ذاتها وسط ذاتها، تأسره مرّة وتهدهده مرة وتغمره في جو الشطحات مرة أخرى، فبلوغ (( منطقة التحول من أنا(الذات المتكلمة) إلى هو (الذات العالية)يعني فقدان التحكم في الأشياء وفي الكلمات، لأنها تغدو ظلا، حيث يغيب الزمان والمكان، ويكفا عن أن يكونا خاصين بالكاتب لينتسبا إلى شخص معين... لأن ما يراه لا ينتمي إلى عالم الواقع، ولكن إلى الوسط اللاّنهائي للفتنة، ذلك الوسط المطلق))(55)، الذي لا يدانيه وسط ولا يحاذيه مجال، فالصوفي لا دائرة له فيها حرية إلا دائرة الحضرة الربانية.


التهميش :

1- أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، دار العثمانية، ط1، ص260.

*- هو الشيخ محمد العربي نجل بن عبد الله بن عبد القادر بن محمد بن علي بن الهاشمي بن علي الملقب بأبي شنتوف، ابن سحنون بن أحمد بن محمد بن أحمد بن علي بن عيسى بن أبي القاسم المحترم بم أحمد المكرم بن محمد المعسكري بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقربن زين العابدين علي بن الحسين بن سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء بنت سيد الوجود محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي هذا يقول والده(أجدادنا كلهم صوفية  إذ شربوا جمال اليوسفية)، أورد هذا في نسبه الطيني ص79.

أما نسبه الديني فقد أورده في ص102 فقال: ( أما نسبي الديني: فإني أخذت الطريق الشاذلية الدرقاوية (مؤسسها الشيخ أبو حامد العربي الدرقاوي)الغريسية، والاسم الأعظم عن أبي ووالدي الصوري، بسنده إلى رب العزة، ثم أخذت أيضا عن أبي المعنوي وأخي الصوري تلقين الاسم الأعظم والإرشاد والترقي للغير بإذن منه (ص)... وأب الصوري وأخي المعنوي عو أبو الفيض مولانا عبد القادر... ))عن كتاب الحقيقة والمجاز ص103.

**- يمكن لنا أنن نميز  لدى ابن عربي بين طريقتين رئيسيتين لتلقي الإذن بالكتابة: إذن في اليقضة يجسده الوارد وإذن في النوم، يقول: ومنها ما ألفته عن أمر أمرني به الحق في نوم أو مكاشفة))ينظر: ابن عربي، التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية، تح: حسين عاصي، بيروت، مؤسسة بحسون، ط1/1981، ص 17. وخالد بلقاسم، ص 91.

2- صلاح عزام، أقطاب التصوف الثلاثة، القاهرة ، مؤسسة دار الشعب، 1968،ص 25/26.

3-  العربي بن عبد الله المعسكري، الحقيقة والمجاز في الرحلة إلى الحجاز، تح : مخلوفي ميلود، منشورات وزارة الشؤون الدينية، تلمسات عاصمة الثقافة، 2011، ص 13.

4-  نفسه، ص 14.

5-  جودة محمد، أصول التصوف في القرآن الكريم، ضمن سلسلة التصوف الإسلامي، (دط)ص 18.

6- الحقيقة والمجاز، م.س، ص 36.

7- عبد الباري محمد داوود، الفناء عند صوفية المسلمين، الدار المصرية اللبنانية، ط1، 1997، ص11.

8-  خالد بلقاسم، الكتابة والتصوف عند محي الدين بن عربي، دار توبقال للنشر والتوزيع، ط1، 2004، ص35.

***- الحديث القدسي فيه كلام عند رجال السند والجرح والتعديل(علماء الحديث).

9- الحقيقة والمجاز، م.س،ص 39.

10- سيد حسين نصر، الصوفية بين الأمس واليوم، تر: كمال خليل اليازجي، بيروت، الدار المتحدة للنشر، ط1، 1975، ص85.

11- حميد لحمداني، القراءة وتوليد الدلالة، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، ط2/2007، ص105.

12- نفسه، ص5.

13- الحقيقة والمجاز، ص 41.

14- نور الدين دحماني، الصورة الفنية في الخطاب الشعري الصوفي، حوليات التراث، ع2/2004، ص(125/142).

15- الحقيقة والمجاز، ص43.

16- منقور عبد الجليل، النص والتأويل، ديوان المطبوعات الجامعية، 2010، ص66.

17- الحقيقة والمجاز، ص43.

18-  أبو القاسم القشيري النيسابوري، الرسالة، تح: عبد الحليم محمود، مصر، مؤسسة دار الشعب، ط1989،ص168.

19 - نفسه، ص43/44.

20- خالد سليكي، الخطاب النقدي بين إدماج التراث وأفق التأويل، طنجة، مطبعة سليكي إخوان، ط1/2007، ص29.

21- محمد مفتاح، التلقي والتأويل، المغرب، المركز الثقافي العربي، ص141.

22- الحقيقة والمجاز، ص58.

23- السهروردي، عوارف المعارف، مصر، المكتبة العلامية، ط1939، ص74.

24 - الحقيقة والمجاز، ص150.

25 - السابق، ص 151.

26- نفسه، ص 171.

27- أمبرتو إيكو، السميائية وفلسفة اللغة، تر: أحمد الصمعي، بيروت، المنظمة العربية للترجمة، ط1/2005، ص383.

28- خالد بلقاسم، م.س، ص 68.

29- الحقيقة والمجاز، ص 175.

30- السابق،ص197/198.

31- خالد بلقاسم، م.س، ص 209.

32- الحقيقة والمجاز، ص 214.

33- الحقيقة والمجاز، ص 259/260.

34- خالد سليكي، م.س، ص28

35- ابن عربي، ترجمان الأشواق، بيروت، دار صادر، 1996، ص44.

36- ابن عربي، ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق، تح: محمد علي الدين الشقيري، مصر، عين للدراسات، ط1/1995، ص222/223.

37- محمد الأخضر الصبيحي، مدخل إلى علم النص، الجزائر، منشورات الاختلاف، ط1/2008، ص46.

38- خالد سليكي، م.س، ص28.

39- صابر الحباشة، التداولية والحجاج، دمشق، صفحات للدراسات والنشر، ط1/2008، ص11.

40- صابر الحباشة، الأسلوبية والتداولية، مداخل لتحليل الخطاب، الأردن، عالم الكتب الحديث، ط1/2011، ص52.

41- الحقيقة والمجاز، ص43.

42- جورج يول، التداولية، تر: قصي العتابي، الرباط، دار الأمان، ط1/2010، ص 51.

43- علي آيت أوشان، الكتابة واحتجاب المعنى، قراءة نقدية في ديوان (مجمع الأهواء، للشاعر أحمد العمراوي، موقع الأنترنيت.

44- خالد بلقاسم، م.س، ص 105.

45- التداولية والحجاج، م.س، ص 70.

****- هذه الأصناف أحصاها : تيتكه وبرليمان.

46- الحقيقة والمجاز، ص12/13.

47- نفسه، ص 18/19.

48- السابق، ص 7.

49- الحقيقة والمجاز، ص169.

50- التداولية والحجاج، م.س، ص 49.

51- الحقيقة والمجاز، ص169.

52- نفسه، ص 209.

53- الحقيقة والمجاز، ص 210.

54- النص والتأويل، م.س، ص67.

55- خالد بلقاسم، م.س، ص107.

آخر التغريدات: