مولده ونشأته

ولد “محمد البشير الإبراهيمي” يوم الخميس عند طلوع الشمس في الرابع عشر من شهر شوّال سنة 1306 هجرية، يوافق الثالث عشر من جوان سنة 1889 ميلاديّة، بمنطقة “أولاد ابراهم” (بلدية تابعة لدائرة رأس الوادي بولاية برج بوعريريج) وهو الذكر الوحيد الذي عاش لوالديه.

نشأ “محمد البشير” في بيت والده كما ينشأ أبناء البيوت العلمية الريفية، فبدأ التعلم وحفظ القرآن الكريم في الثالثة من عمره على التقليد المتّبع في أسرته والشائع في قريته، على يد جماعة من أقربائه من حفاظ القرآن يشرف عليهم إشرافا كلياً عالم الأسرة عمه الشيخ محمّد المكّي الإبراهيمي.

فلما بلغ السابعة من عمره استلمه عمه من معلمي القرآن، وتولى تربيته وتعليمه بنفسه على طريقة خاصة له في ذلك، فأكمل معه حفظ القرآن حفظًا متقنًا مع فهم مفرداته وغريبه وهو في آخر الثامنة من عمره، وتعلّم قواعد النحو ومتون العلم الكبيرة، حتى إنه ليحفظ وهو في سن التاسعة قدرًا كبيرًا من متون اللغة، وعددًا من دواوين فحول الشعراء، ويقف على علوم البلاغة والفقه والأصول. فكان له بذلك أعظم سلوى عن عاهة العرج التي أصابت رجله اليسرى في ذات السن بسبب الإهمال في متابعة المرض والبعد عن التطبيب المنظم.

وعندما بلغ سن الرابعة عشر مات عمّه، ولقد ختم عليه دراسة بعض الكتب وهو على فراش المرض الذي مات فيه وأجازه الإجازة المعروفة عامة، وأوصاه أن يخلفه في التدريس، فتصدر دون سنّ التصدّر، وقُدّر له أن يكون شيخاً في سنّ الصبا.

في سن العشرين هاجر إلى المدينة النبويّة بأمر من أبيه الذي سبقه إليها سنة 1908 م واستقر بها، فلحق به متخفيًا أواخر سنة 1911 م، فمرَّ على القاهرة وأقام بها ثلاثة أشهر، طاف فيها بحلق الدروس في الأزهر وعرف أشهر علمائه، وحضر عدة دروس في دار الدعوة والإرشاد التي أسسها الشيخ رشيد رضا، وزار أمير الشعراء أحمد شوقي واجتمع بشاعر النيل حافظ إبراهيم في بعض أندية القاهرة.

ثم سافر إلى المدينة المنورة واجتمع بوالده، وفيها عكف على القراءة والإقراء، حتى بلغ في مدّة خمس سنوات وشهور غايته من أشهر المكتبات الجامعة بها حفظًا وإطلاعًا، وكان ينفق وقته الزائد في إلقاء عدّة دروس متطوعًا كالنحو والصرف والعقائد والأدب..

واختار من مشايخ الحرم النبوي أبرعهم في العلم وأعلاهم كَعْبًا فيه، فلازم الشيخ محمد العزيز بوعتور (الوزير التونسي) ما يقارب ست سنوات، وأخذ عنه الموطأ وفقه مالك والتوضيح لابن هشام. وكان يتردد على دروس المحدثين فلازم الشيخ حسين أحمد الفيض أبادي الهندي في درسه لصحيح مسلم.. كما أخد أيام مجاورته بالمدينة علم التفسير عن الشيخ الجليل إبراهيم الاسكوبي، وأخذ الجرح والتعديل وأسماء الرجال عن الشيخ أحمد البرزنجي الشهرزوري في داره أيام انقطاعه عن التدريس في الحرم النبوي، وأخذ أنساب العرب وأدبهم الجاهلي والسيرة النبوية عن الشيخ محمد عبد الله زيدان الشنقيطي، وأتمم معلوماته في علم المنطق عن الشيخ عبد الباقي الأفغاني في منزله.

وتذاكر مع صاحبيه الشيخ أحمد خيرات الشنقيطي سنين عديدة في اللغة والشعر الجاهلي، ومنه المعلّقات العشر، ومع الشيخ محمد العمري الجزائري أمهات الأدب المشهور خصوصًا الكامل للمبرد، والبيان والتبيين للجاحظ وكتاب الأغاني.


آخر التغريدات: