سعيد اللاوندي مـغتربا !!

بقلم: أ.د. مولود عويمر-

توفيّ الكاتب والصحفي المصري الدكتور سعيد اللاوندي يوم الجمعة 10 أكتوبر 2019 عن عمر ناهز 64 عاما بعد صراع طويل مع المرض.

تخرج اللاوندي من جامعة القاهرة في العلوم السياسية، ثم سافر إلى فرنسا للعمل في عدد من الصحف والمجلات العربية المهاجرة. كان مثالا في الجد والطموح سائرا على خطى الشيخ رفاعة الطهطاوي الذي رافق البعثة العلمية المصرية إلى فرنسا في عام 1826 وعوضا أن يكتف بوعظ الطلبة وإرشادهم الديني، تعلم الطهطاوي اللغة الفرنسية وترجم عدة كتب إلى اللغة العربية، وأسس مدرسة الألسن في القاهرة وصار رائدا من رواد النهضة الحديثة في العالم العربي.

فكذلك سعيد اللاوندي جاء إلى باريس للعمل في الصحف العربية الصادرة بباريس، واستقر في الأخير محررا بارزا في جريدة "الأهرام" العريقة وغيرها من الصحف والمجلات العربية. ولم يكتف بتغطية الأحداث الثقافية وأخبار الجالية المصرية في فرنسا والكتابة في العلاقات العربية الأوروبية، فقد قام بكل هذا العمل وزيادة، وإنما واصل أيضا دراساته العليا في الجامعة الفرنسية فحصل على دبلوم اللغة والحضارة الفرنسية في عام 1981، ونال دبلوم الدراسات العليا في العلوم السياسية في سنة 1983، وتحصل على شهادة دكتوراه الدولة في الفلسفة السياسية من جامعة السوربون في سنة 1987.

وعندما عاد إلى القاهرة في عام 1997 أسس بدوره مركزا دراسات حول العلاقات بين العالم العربي وأوروبا. وألف حول هذا الموضوع كتبا ودراسات كثيرة، أذكر منها: الإسلاموفوبيا: لماذا يخاف الغرب من الإسلام؟ إشكالية ترجمة القرآن الكريم-محاكمة جاك بيرك، فوبيا الإسلام في أوروبا: إشكاليات الوجود العربي والإسلامي في المجتمعات الغربية، كاتب وثلاثة مفكرين (أركون، غارودي بدوي)، العلاقات الأورومتوسطية: من مأزق برشلونة إلى انتحار المتوسط...الخ.

لقد عرفته في باريس، وكنت أقرأ دائما مقالاته في جريدة الأهرام، خاصة صفحته المخصصة لعالم الهجرة والتي كان ينشرها كل يوم الجمعة إن لم تخن الذاكرة.

كانت هذه الصفحة غنية بكل ما يتصل بعالم الثقافة العربية في فرنسا من تغطية للمعارض والندوات ولقاءات حوارية مع النخبة العربية المقيمة في الغرب كعبد الرحمان بدوي وأمين معلوف ومحمد أركون وبرهان غليون..الخ. كذلك حاور عددا من المستشرقين والمفكرين الغربيين كجاك بيرك ورجاء غارودي وغيرهم.

كما كان يكتب في ركنه الأسبوعي "في مرآة الاغتراب" عن تجارب العلماء والأدباء والمفكرين العرب في باريس، وفي هذا السياق أقول إنني ما زلتُ أحتفظ في أوراقي بقصاصة من مقاله "مالك بن نبي مغتربا" الصادر في يوم 24 ماي 1999.

لا أنسى أيضا كتابه الطريف " عمائم وطرابيش" الذي استمتعت بقراءته وأنا راكب في القطار مسافرا بين باريس وجنيف في ربيع 2001، فلم أشعر بوعثاء السفر، وأنا في صحبة سلامة موسى وزكي مبارك وأحمد شوقي ومحمد عبده والشيخ مصطفى عبد الرازق وعبد الرزاق السنهوري ولويس عوض...الخ.

ولما عدتُ اليوم إلى هذا الكتاب وتصفحته فوجدت في الصفحة 96 هذه الملاحظة: "فكرة ممتازة". وقد ضعتها في ذلك التاريخ بقلم أزرق على هامش فقرة أعجبتني كثيرا.

لا بأس أن أنقلها هنا للقُراء لتكون مسك الختام، ولعلها تفتح لهم آفاقا جديدة في حياتهم العلمية والثقافية: «قد انتصر طه حسين –في هذه المنافسة الحامية القائمة بين الرجلين- لعدة أسباب، ومنها أن أحمد ضيف تقوقع داخل الجامعة، ولم يظهر على الناس في صحيفة أو مجلة عامة ذائعة مثلما فعل طه حسين الذي لم يكتف بإلقاء محاضراته في الجامعة ، وإنما حرص على أن يعرض مكتسباته الأدبية التي جاء بها من باريس في الصحف الأسبوعية ذائعة الصيت، مما أتاح له فضاء جماهيريا أوسع».


أ.د. مولود عويمر- أستاذ تاريخ الفكر المعاصر بجامعة الجزائر 2

آخر التغريدات: