فعالية الأفكار في التنمية الاجتماعية عند مالك بن نبي

بقلم: حرزالله محمد لخضر-

يركز مالك بن نبي في نظريته لبناء المجتمع على الدور المحوري والاستراتيجي للأفكار في هندسة المعمار الحضاري للمجتمعات، ويكون مجال التركيز هنا على الأفكار التي تبعث على الحركة والعمل والتجديد، فالقرآن الكريم نزل في بيئة ميتة اجتماعيا وعلميا وسلوكيا، ومن خلال ما جاء به من قيم وأفكار حية أحدثت تغييرا عميقا ونوعيا في الأنفس والطباع والقناعات والسلوكات السلبية، فقام بثورة فكرية انتهت بتخليص المجتمع الجاهلي من أفكاره القاتلة والميتة وحولته إلى مجتمع عملي رسالي.

وفي هذا السياق يقسم مالك بن نبي الأفكار التي تعيق حركية المجتمع إلى: أفكار قاتلة وأفكار ميتة، فالأفكار القاتلة هي الأفكار التي تقتل في الفرد حركيّته ودافعيّته للبناء والتجديد، أفكارٌ تبعث على الخمول والكسل وقهر الإرادة، وتستنهض بواعث الإجرام والأحقاد والنزاع بين الأفراد فتؤدي به إلى الإقتتال والتفكك. أما الأفكار الميتة فهي ما يجول بالخاطر من أفكار فاقدة للحياة، عديمة الفعالية كالخرافات والشعوذة والقابلية للاستعمار، وفي هذا الصدد يقول مالك بن نبي: "إن كل مجتمع يصنع بنفسه الأفكار التي ستقتله، لكنها تبقى بعد ذلك في تراثه الاجتماعي "أفكارا ميتةً" تمثل خطرا أشد عليه من خطر "الأفكار القاتلة"، إذ الأولى تظل منسجمة مع عاداته وتفعل مفعولها في كيانه من الداخل، إنها تُكَوّن ما لم نُجرِ عليها عملية تصفية، الجراثيم الفتاكة التي تفتك بالكيان الإسلامي من الداخل، وهي تستطيع ذلك لأنها تخدع قوة الدفاع الذاتي فيه".(1)

فقد ربط ابن نبي فلسفة الحضارة بفعالية الأفكار ربطا تلازميا سواء في تحديد هوية الحضارة، أو في مدى تدخلها في أحوال الحضارة.. فكل خلل يحدث للمجتمع لابد فيه من مراجعة علاقة هذا المجتمع بأفكاره، حينذاك يقول ابن نبي: "إننا في كل مرة نقف فيها أمام مظهر من مظاهر اللافعالية في المجتمع الإسلامي نرى أنفسنا مجبرين على ربطه بـ"عالم أفكارنا" لأن في هذا العالم تكمن أدواؤنا".(2). وكمثال على دور "عالم الأفكار" في المعمار الحضاري للمجتمعات وتأسيس بنيتها التحتية وكافة موجوداتها، يعقد بن نبي تحليلا منطقيا لأسباب نهضة ألمانيا في العصر الحديث بعدما استنزفت الحرب العالمية الثانية كافة مقدراتها المادية، إلا أنها استطاعت بما تملكه من رصيد فكري حيوي وفعال، إعادة ما فقدته من "عالم الأشياء" وزادت عليه، حيث يقول رحمه الله: "يمكننا، بل يتعين علينا أن نقول: إن الإنسان هو الذي يحدد في النهاية القيمة الاجتماعية لهذه المعادلة (إنسان، تراب، وقت تساوي: حضارة) لأن التراب والوقت لا يقومان -إذا اقتصر عليهما فحسب- بأي تحويل اجتماعي.

ونحن إذا ما تساءلنا إذن: بأي شيء أَنْهَضَ الإنسانُ الألماني وضعية بلاده أثناء هذا العقد المنصرم من الزمان؟ نكون ملزمين بالجواب عن سؤالنا هذا بطريقة واحدة لا غير، وهي أن أفكاره وأفكاره فحسب هي التي أتاحت له أن يحقق ذلك النهوض. وهذا أمر حقيقي -وحقيقي بصورة لا مجال للريب فيها- سيما وأن حرب 1939-1945 قد خربت عمليا (عالم الأشياء) في ألمانيا، بمصانعه وآلاته ومناجمه وبنوكه ومختبراته، فكل هذه الأشياء كانت قد دُمرت وأتلفت،إذن فقد كانت ألمانيا على وجه الدقة-وبطريقة تكاد تكون رياضية- لا تملك سنة 1945 أيَّ مجموعة من (الأشياء) ولكن مجموعة من (الأفكار) فحسب، وهي قد كونت من جديد وابتداء من هذا "الرأسمال المفاهيمي" كل حياتها الاجتماعية، واحتلت مجددا مكانتها السياسية في العالم. إن تجربتها بالنسبة إلينا لا تقدر بثمن فهي تتيح لنا أن نستخلص بطريقة علمية، أن قيمة مجتمع معين في فترة ما من تاريخه لا يعبر عنها بمجموعة الأشياء في هذا المجتمع ولكن بمجموعة أفكاره".(3)

وبغياب هذه الفعالية الفكرية لدى المجتمع المسلم سقط في شراك المستعمر وما زال إلى اليوم يعاني ويلات بُعدِه ونُكوصه عن الأخذ بأسباب نهوضه، بالتركيز على"عالم الأفكار" بدل "عالم الأشياء" وفي عالم الأفكار يشترط أن تكون أفكارا ذات قيم إيجابية تبعث على الحياة والبناء والحركة والتطور، وفي هذا السياق يقول ابن نبي: "إن الأفكار لا تتمتع في المجتمع الإسلامي بقيمة ذاتية، تجعلنا ننظر إليها بصفتها أسمى المقومات الاجتماعية، وقوة أساسية تنظم وتوجه قوى التاريخ كلها، وتعصمها بذلك من محاولات الإحباط مهما كان نوعها".(4). بل يذهب بن نبي بعيدا عندما طرح فكرة انتقام الأفكار المخذولة من أصحابها، فيُبيّن أن الأفكار الفعالة إذا لم تحظَ بالإحتفاء والتطبيق اللازم من معتنقيها فإنها تنتقم منهم وتؤدي عكس مفعولها الإيجابي، حيث يقول: "نستطيع القول بأن العالم الإسلامي يواجه اليوم عقوبة مستحقة من الإسلام، لِالْتِفَاتِهِ عنه وليس كما يظن بعض السُّذّجِ لتمسكه به".(5) "فالمجتمع الإسلامي يدفع اليوم ضريبة خيانته لنماذجه الأساسية، فالأفكار–حتى تلك التي نستوردها–ترتد على من يخونها وتنتقم منه".(6) وهذا الطرح الرصين يؤكد لنا أن كُلًّا من الأفكار القاتلة والميتة والأفكار الفعالة المخذولة من أصحابها تؤدي إلى التردي والإرتكاس الحضاري وتدهور الحالة الاجتماعية والنفسية والأخلاقية للمجتمعات.

فمالك بن نبي أبان بما لا يدع مجالا للريب أن الأفكار بما تحتويه من عناصر فعالة هي أساس البناء الحضاري لأي مجتمع، وقد كانت لبنة تأسيس المجتمع المسلم في إرهاصاته الأولى التي لم يكن يملك فيها من عالم الأشياء شيئا، بقدر ما كان يمتلك من عالم الأفكار ما أهّله لتأسيس حركية فعالة عبر الزمن تُوّجت بميلاد مجتمع مسلم رسالي اتسعت دائرة وجوده في كل أصقاع المعمورة بسرعة هائلة، قياسا على حياة المجتمعات ونموها وانتشارها على مجرى التاريخ. يقول د. الطيب برغوث: "إن دخول إنتاج الرجل -أي مالك بن نبي- الساحةَ الثقافية الإسلامية المعاصرة، يعد مكسبا استراتيجيا وحيويا كبيرا لحركة البناء الحضاري الجديد للأمة، سيكون له ما بعده –إن شاء الله تعالى– سواء على مستوى الوعي الرسالي، أو على مستوى فعالية الإنجاز الحضاري، أو على مستوى فقه الاستشراف والوقاية الحضارية لمكاسب حركة النهوض الحضاري الإسلامي المعاصر، لما أصّله مالك بن نبي من سنن كلية أساسية على كل مستوى من هذه المستويات، وأنضجه من وعي فكري ومنهجي فيها".(7)


المراجع:
1- مالك بن نبي، في مهب المعركة: إرهاصات ثورة. دمشق: دار الفكر، 2002، ص130.

2- مولاي الخليفة لمشيشي، مالك بن نبي دراسة استقرائية مقارنة. دمشق: دار محاكاة للنشر والتوزيع، 2012، ص128.

3- مالك بن نبي، فكرة كمنويلث إسلامي. دمشق: دار الفكر، 2000، ص53.

4- مالك بن نبي، الصراع الفكري في البلاد المستعمرة. دمشق: دار الفكر، 2009، ص 82.

5- محمد شاويش، مالك بن نبي والوضع الراهن. دمشق: دار الفكر، 2007، ص94.

6- مالك بن نبي، مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي. دمشق:دار الفكر، 2002، ص75.

7- الطيب برغوث، الطريق إلى عالم مالك بن نبي الفكري. مقال مأخوذ من موقع: فيلسوف الحضارة: مالك بن نبي.

آخر التغريدات: