في ذكرى وفاته.. مالك بن نبي المظلوم مرتين!

بقلم: مصطفى فرحات-

أمضى المفكر الجزائري مالك بن نبي (توفي في 31 أكتوبر 1973) حياته حالما بنهضة إسلامية تمتد من المحيط إلى الخليج، وعالج "مشكلات الحضارة" التي صارت عنوانا يختصر أفكاره. لكن بعد مرور 45 سنة منذ وفاته و70 سنة منذ كتابة "شروط النهضة"، يظهر لكل متابع أن "الأمة" التي سعى مالك لنهضتها لم تنجح بعدُ في ركوب قطار الحضارة، وبدلا من ذلك راحت تُراكم الأمراض التي أصابتها بالانتكاسات.

أرّق سؤال النهضة رجال الإصلاح منذ ابن العنابي وحمدان خوجة وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده إلى من بعدهم، ولئن قدّموا عن الواقع قراءات مختلفة واقترحوا حلولا متباينة، لم يختلف اثنان منهم في الإقرار بمشكلتنا الأولى "التخلف الحضاري" الذي باعد بين الغرب والشرق بآلاف السنوات الضوئية. وبعدما نفخ أولئك الأعلام من روحهم في الحركات الثقافية والدينية الإصلاحية والمعرفية التي جاءت بعدهم، بدا وكأن قطار الزمن قد توقف فجأة عن السير قُدما، فخرجت بعض العربات عن السكة يمينا وشمالا، فيما رجعت القاطرة الرئيسية على أعقابها القهقرى، وتحول رجال الإصلاح إلى متهمين بالخيانة والعمالة للأجنبي والتآمر على الأمة!

تحوّل جمال الدين الأفغاني في عيون كثير من أبناء الصحوة الإسلامية إلى خائن تمثلت مهمته في نسف الدعامات التي يقوم عليها الإسلام، ولهذا نُسب إلى الحركة الماسونية والتستر بغطاء التسنن لإحداث أكبر قدر من الأضرار الداخلية في بيت كادت تنهد أركانه. كما أصبح محمد عبده أيضا مجرد مُتكلم "انهزامي" انتهت محاولاته التوفيقية بين النصوص الدينية والثقافة المعرفية المعاصرة (حينها) إلى "انسلاخ" عن الدين ومنابعه الصافية!

شهدت الثقافة الإسلامية المعاصرة في وجهها الصحوي موجة هدم كبيرة للمرجعيات الثقافية والفكرية والدينية التي أرقها سؤال الإصلاح، ولم ينج مالك بن نبي من هذه الحركة العدمية التي اعتبرت أن ما قدمه لمواجهة التخلف وحض الأمة على النهضة "لاغيا" في ميزان الشرع، لأن غاية الإسلام الأولى لم تكن يوما إنشاء حضارة. لكن قائمة خصوم بن نبي لم تقتصر على تيار الصحوة بوجهه السلفي فقط رغم حرصه على تمجيد دعوة محمد بن عبد الوهاب، فالإخوان أيضا دأبوا على تجاهله في أدبياتهم، وامتدت العدوى لإخوان الجزائر الذين باتوا أسرى مركزية التنظيم ورموزه الأوائل في مصر، ولم تظهر مع شمس حسن البنا وشارحي مؤلفاته أي كواكب في مدار الدعوة والإرشاد.

وحتى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وقفت في وجهه لما انتقدها داخليا بسبب ما اعتبره هو "انحرافا" عن مبادئها حينما وضعت يدها في يد سياسيين أرادوا أن يجدوا حلا لمعضلة الاحتلال بمحاورة الفرنسيين والدخول في ألعابهم السياسية. ولم يُخف مالك خيبته الكبيرة عندما لم تعينه جمعية العلماء ممثلا لها في فرنسا رغم إقرارهم بأنه الأكفأ لهذا المنصب، أو تولي إدارة تحرير صحيفة "الشاب المسلم" التي كانت تصدرها الجمعية أيضا. كما كانت خيبته كبيرة لأن سلطات الجزائر بعد الاستقلال لم تمنحه المكانة التي يستحقها، بل أصبح يعتبر بعض الأشخاص في النظام مصدر تهديد لحياته ولأفكاره، حتى كتب مرة أن "السيد س" سيتتبع ما يكتبه ولو اقتضى الأمر أن يفتش "أحشاء أبنائه" كي يمحو أي أثر لأفكاره.

تتبع بن نبي مشكلات الحضارة وشروط النهضة، وكتب عن المسلم في عالم الاقتصاد ودعا لكومنولث إسلامي كما نادى طالب بتكتل إفريقي آسيوي، وبحث مشكلات الأفكار في العالم الإسلامي وشرّح "الظاهرة القرآنية"، وتحدث عن مشكلات أساسية بينها "القابلية للاستعمار" و"غياب الفاعلية" و"انتقام الأفكار". وجد مالك نفسه في ساحات صراع على عدة جبهات: صراع مع الاستعمار الفرنسي الذي تتبعه وضيّق عليه وسعى بكل الطرق لتحطيمه، وصراع مع شيوخ الإصلاح الديني ورموز النضال السياسي، وصراع مع رفقاء النضال بعد الاستقلال، وصراع مع خصومه الأيديولوجيين الذين اعتبروا أن استلهام أي نهضة لتجربة الإسلام الروحية تعد رجعية وتخلفا.

ورغم أنه ألف أغلب كتبه بالفرنسية، فقد كتب بعض مؤلفاته أو ترجمها إلى العربية شخصيا بعد تجارب ترجمة تكفل بها غيره ولم تنل إعجابه كما في الجزء الأول من شهادته على القرن. لكن ما الذي بقي من فكر مالك بن نبي الآن؟ هل يمكن القول إن حصاد ما أنتجه لامس الوعي الثقافي العام وأحدث الفاعلية المطلوبة؟ أم أنه ما زال إلى الآن كتابا مستغلقا رغم كثرة مريديه ومتابعيه ومستلهمي أفكار النهضة من تجاربه ورؤيته؟

يخطئ من يظن أن ما ذكره بن نبي هو سدرة المنتهى فكريا، وأنه يكفي تطبيق ما نثره في كتبه لتحقيق النهضة المطلوبة وبناء حضارة مُشرقة. وسيكون من الإجحاف أن يُحمل مشروع ضخم بكل تعقيداته وتشعّباته على عاتقه. قدّم بن نبي قراءات لزمنه لم تكن بالضرورة هي القراءة الصائبة الوحيدة، أو القراءة النهائية، كما قدم حلولا مبنية على ثقافته وبيئته ووعيه المعرفي. ورغم ضخامة الجهد الذي بذله، فإن الاكتفاء به -في زمن شهد انفجارا معرفيا وثورة علمية غيرت مفهوم العلوم الإنسانية وأعادت ضبط علاقة المعرفة مع الحياة في صراع جدلي لم ينته- يمثل مجازفة كبرى.

مشكلة الرموز الفكرية هي أنهم غالبا ما يكونون أكبر من أفكارهم أثناء حياتهم، وغالبا ما تكون أفكارهم أكبر منهم بعد رحيلهم، وفي كلتا الحالتين تغيب القراءة المتوازنة التي تتعامل مع الفكرة وصاحبها بمنطق موضوعي في سياقاته الزمنية والمكانية والمعرفية. ولم تشفع أفكار صاحب "مشكلات الحضارة" ورؤيته القوية واستشرافاته الكبيرة لأن يكون أحد المعالم الثقافية في بلده، الجزائر، وهو بذلك ليس بدعا من مفكري هذا البلد، إذ أن كثيرين من مختلف المشارب والتوجهات لم يجدوا غير الصمت والنكران والتجاهل جزاءً عندما يتعلق الأمر بالفكر والتنوير وما ينبغي فعله لوضع أسس ثقافة صلبة تفهم ذاتها وتنفتح على الآخر بنفس القدر والثقة.

يمثل مالك بن نبي حلقة مهمة في الفكر الإنساني بشكل عام والإسلامي بشكل خاص، لكنه ظُلم مرتين: مرة من خصومه الذين سعوا بكل ما أوتوا من قوة وسلطة إلى طمس أفكاره وتجاهلها ووأدها أو التقليل من شأنها، ومرة من مريديه ومحبيه الذين حاولوا أن يختزلوا كل أفكار النهضة ومشاكلها في فكره، واعتبروا استنتاجاته "سدرة المنتهى" التي لا يُظللها سقف. المشكلات التي يعيشها العالم الإسلامي هي نفسها تلك المشكلات التي صرخ مالك بقلمه في وجهها، وحاول تقديم ترياق لعلاجها. ورغم الصرخات التحذيرية التي أطلقها هو ومفكرون قبله وبعده، إلا أن الصدى ما زال يرتد إلينا موجعا، لأننا لم نتجاوز معضلة المرض الأولى: إنكار المريض الذي يرفض الاعتراف بالمرض أصلا!

آخر التغريدات: